في الأمس، يوم الأربعاء 28 شباط 2024، وفي مدينة السويداء، جنوبي سوريا، انتصب “الشيخ حكمت الهجري“، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين بقامته المهيبة بين حشود من المتظاهرين في ساحة السويداء، ينعي أول شهيد من أهالي المحافظة “جواد الباروكي”، واصفاً إياه بأنه قضى شهيداً للواجب وأنَّه قتل بأيادي الغدر. ودعا للمشاركة
في تشييع الشهيد لمثواه الأخير ، مشدداً على ضرورة الحفاظ على المسار السلمي للحراك، وأنَّ “الفاعل بما فعل”.
هل سيعيد التاريخ نفسه
من المعروف أنَّ التاريخ هو سلسلة من وقائع متشابهة – في معظم أوجهها – حدثت في الماضي وتتكرر عبر الزمن. لذلك يجوز القول مجازاً “أنَّ التاريخ يعيد نفسه”.
فهل مقولة الشيخ الهجري “الفاعل بما فعل” تتوافق مع سياق (الفاعل) الرئيس أديب الشيشكلي الذي أُغتيل في البرازيل عام 1964 على يد الشاب الدرزي (نواف غزالة) انتقاماً من (فعل) الشيشكلي عندما قتل بعض الدروز عند ثورتهم (1954) في جبل العرب. إنْ كان ذلك قصد سماحة الشيخ، يكون الشهيد جواد الباروكي أول مسمار يُدق في نعش بشار الأسد.
ولمعرفة ذلك الاحتمال، سأل فريق تحرير “مآلات” أحد شخصيات المعارضة السورية من الطائفة الدرزية الكريمة – ونعتذر عن ذكر اسمه حفاظاً على أمنه – فأجاب بأنَّ
الشيخ حكمت الهجري كرئيس للطائفة الدرزية لا يقول ما لا يفعل، والله أعلم بخاتمة الأمور.
ثورة جبل العرب تتأجج
في العودة إلى سياق أخبار ما حدث مؤخراً في السويداء، خاصة ما سبق من أحداث قبل يوم – أي الثلاثاء 27 الشهر – حيث قام أهالي السويداء بإغلاق الطرق الرئيسية للمحافظة مؤقتاً كإجراء يرمز على تأكيد استمرار احتجاجهم السلمي.
وتواردت الأخبار – تباعاً – تفيد أنَّ حشداً من المحتجين تجمعوا على الطرق منذ صباح الثلاثاء الباكر وأشعلوا الإطارات في عدة نقاط، منها طريق دمشق السويداء بالقرب من مدينة شهبا، وبلدة عتيل. وامتد ليشمل – أيضاً – بلدتي مفعلة وقنوات، وكذلك بلدة المزرعة في الريف الغربي، حتى أنه شمل مدينة القريّا والغارية. وبعد ساعتين من إغلاق الطرق بالإطارات دون أن تتوقف حركة السير، لأنهم سمحوا للسيارات والحافلات بالمرور، قام المتظاهرون بتقديم القهوة العربية التي تتميز بها السويداء لكل من يمرُّ في تلك المسالك. ومع الضيافة أعطوا المارة منشورات ورقية تحتوي عبارات تدعو هم للمطالبة بحقوقهم المسلوبة.
وخلال ساعات قطع الطرق، تجمع عدد من المهندسين الزراعيين أمام نقابتهم في مدينة السويداء، محتجين على قرار النقابة بعقد المؤتمر السنوي المرتقب تحت رعاية حزب البعث (الساقط)، والتقوا مع نقيب المهندسين معبرين عن رفضهم لهيمنة سلطة حزب البعث على تنظيمهم النقابي.
وفي الوقت نفسه، تجمهر حشد كبير من المتظاهرين المحتجين على تسلط حزب البعث الجائر بقيادة بشار الأسد، واقتحموا “الشعبة الغربية” للحزب حيث قاموا برمي التقارير الأمنية وصور رموز النظام خارج المبنى. ووجه منظمو الاحتجاج دعوة جديدة للمشاركة يوم الغد – الأربعاء- في تظاهرة أخرى أمام صالة ٧ نيسان في مدينة السويداء، باعتبارها استعملت في الأسبوع الماضي كمكان للتسويات بين المحتجين وبين الأجهزة الأمنية.
تطور وليس استثناء
ولما جاء اليوم التالي -الأربعاء 28 هذا الشهر – خرجوا في مظاهرة ظهر اليوم، وتجمعوا في محيط صالة السابع من نيسان وسط مدينة السويداء،

وأثناء الدخول إليها ووجهوا بإطلاق نار عشوائي عليهم من قبل عناصر أمنية متواجدة في المبنى، مما أدى إصابة رجلين وهما “وليد الجوهري” و”جواد الباروكي”. وبالرغم من ذلك، تابع المحتجين مظاهرتهم الجوالة. وللرد على تلك الوحشية، أقدم المحتجون على تحطيم صور رأس سلطة الأسد “بشار” في ساحة المشفى الوطني في مدينة السويداء، وكما فعلوا في الأمس – الثلاثاء – قاموا اليوم باقتحام ما يُعرف بالشعبة الشرقية لحزب البعث، والكائنة شرق ساحة تشرين وسط مدينة السويداء، ورمي التقارير الأمنية وصور رموز سلطة الأسد خارج المبنى. وقد وثقت صفحة آرام نيوز ذلك في فيديو مصور لهذا الحدث
عقب ساعات قليلة، ارتقى “جواد الباروكي” (52 عاماً) شهيداً نتيجة للإصابة بإطلاق النار من قوى الأمن. تم توثيق الإصابة في فيديو مصور في صفحة آرام نيوز.
خلاصة القول
الثورة السورية تقترب من الذكرى الثالثة عشر من عمرها، وما زالت دماء الشعب السوري تنزف كلَّ يوم، ورغم ذلك يبقى السوريون متمترسين وراء ثوابت ثورتهم لإيمانهم أنَّ الحريَّة والكرامة حقٌ إلهي لا يمكن العيش بعد اغتصابه. وأنَّ الحقَّ لا يموت ما دام وراءه مطالب.
ونقول ونحن في قلب المحنة وبليَّة الاستبداد والطغيان، أنَّه لن يكون منا أو بيننا من تخاذل وخنع. وأما من تغوَّل وأجْرَم فلن يُسامح بل سيحاسب وفق الناموس الكوني الذي يتوافق مع ما تقوله العقائد الإلهية والتشريعات البشرية بأنّ القتل قصاص النفس، وأنّ من يقتل إنساناً يجب أن يُقتلَ قصاصاً، ولكل نفس ما اكتسبت.
الرحمة لشهداء الوطن
والصبر والسلوان للثكالى والجرحى والمعوقين
الإكبار والإجلال للثائرين… وستستمر الثورة بلا ريب.