المقدمة: من مشهد صغير إلى سؤال كبير
عاد صديقي من زيارة قصيرة إلى دمشق، لكنه عاد محمّلاً بغضبٍ صامت لا يشبه الانفعال العابر. في روايته التي أسردُها هنا بعد إعادة صياغتها، وقف في أحد أحياء العاصمة أمام مشهد يلخّص مأساة الشرق الأوسط بجملة واحدة: طفلٌ سوري يجلس فوق أكوام من الإسمنت المتناثر، يركل بقدمه حجراً مكسوراً بينما يتصفح على هاتف صيني الصنع مقاطع “تيك توك” عبر شبكة متقطعة، ويرتدي قميصاً يحمل شعاراً غربياً مقلداً.
مشهدٌ صغير، لكنه يفتح نافذة واسعة على سؤال كبير: كيف أصبحنا نستهلك منتجات العالم الحديث بينما نعيش في بنية سياسية واقتصادية تشبه القرون الوسطى؟ ذلك السؤال – الذي يبدأ من طفل فوق الأنقاض – يتحوّل إلى مفتاح لفهم انهيار نموذج الدولة الوطنية القديمة في المنطقة. والأدهى أن التحليل الأكثر دقة لهذا المشهد لم يكتبه خبير من البنتاغون أو صندوق النقد الدولي، بل كتبه شاعر لبناني قبل قرن: جبران خليل جبران، في نبوءته القاسية:
- “ويلٌ لأمةٍ تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.
- ويلٌ لأمةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر.
- ويلٌ لأمةٍ تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح المذل رحيماً.
- ويلٌ لأمةٍ لا ترفع صوتها إلا إذا مشت في جنازة، ولا تفخر إلا بالخراب، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع.
- ويلٌ لأمةٍ سياستها ثعلبة، وفلسفتها شعوذة، وفنها ترقيع.
- ويلٌ لأمةٍ تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعه بالصفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير.
- ويلٌ لأمةٍ حكماؤها خرس من وقر السنين، ورجالها الأشداء لا يزالون في أقمطة السرير.
- ويلٌ لأمةٍ مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة.”

فهل كان جبران مجرّد شاعر؟ أم كان أول محلّل استراتيجي يفكك أزمات الشرق الأوسط قبل أن تظهر قواميس العلوم السياسية الحديثة؟
إسقاط تحذيرات جبران على المشهد السوري
1. الطائفية كهوية بديلة: “بطاقة الهوية القاتلة”
كتب جبران: “ويلٌ لأمةٍ تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين.“ في عالم “مسطح” تتنافس فيه الدول عبر الكفاءة والابتكار، ما زلنا في العالم العربي نطرح السؤال القاتل: “ما هي عشيرتك؟” و”ما هو اسم عائلتك؟” أو “من أي مدينة أو منطقة أنت؟”، لنستنتج الانتماء العصبي والمذهبي قبل أن نسأل عن الكفاءة والمهارة. ما زالت مرجعية السؤال الأول تتمحور حول ثقافة الانتماء الطائفي، حيث تتقدّم على مفهوم المواطنة، وتتحوّل الهوية الشخصية إلى “معيار أمني” يقرّر مصير الفرد.
المثال الواقعي: انظر إلى المحاصصة السياسية في العراق أو لبنان، حيث تُوزع الحقائب الوزارية كغنائم طائفية لا كمسؤوليات ذات معايير تقنية. ومن المفارقات أن “حواجز التفتيش” في سوريا خلال سنوات الحرب كانت تعتمد الهوية الشخصية كوثيقة كافية لتحديد مصير الإنسان بين الحياة والموت.
هذا ما أدى إلى انهيار الدولة الحديثة وتقدّم الولاءات على الوطنية، وجعل أي مشروع إصلاحي أشبه بمحاولة تحديث برنامج قديم لا يقبل التحديث أساساً.
2. لعنة الاقتصاد الريعي: “تلبس مما لا تنسج”
يقول جبران: “تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع.“ هذه هي النقطة الأكثر إيلاماً في تشخيص جبران. نحن نعيش وهم الثراء أو وهم الصمود، لكننا في الحقيقة مكشوفون تماماً أمام “سلاسل التوريد العالمية”. إنَّ الدول التي لا تنتج تتحول تلقائياً إلى رهينة؛ لأنها لا تملك قراراً سياسياً حراً، مما يجعل المجتمع هشاً، ويجعل النظام السياسي أكثر ميلاً للاستبداد، لأنه لا يحتاج المواطنين كممولين عبر الضرائب، بل يعتمد على ريع خارجي ثابت. لهذا تبرز علاقة عضوية بين: الاقتصاد الريعي ← الدولة الأمنية ← انهيار الإنتاج المحلي ← هشاشة القرار السياسي.
المثال الواقعي: سوريا، التي كانت يوماً ما “سلة غذاء” المنطقة وتملك اكتفاءً ذاتياً من القمح، باتت اليوم تستورد رغيف الخبز. المفارقة المؤلمة هي أننا نصدر المواد الخام (نفط، قطن، فوسفات) بأسعار زهيدة، ثم نضطر إلى استيرادها كمنتجات نهائية بأسعار مضاعفة.
3. وهم “الرجل الخارق”: انتظار المنقذ
يقول جبران: “تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح المذلّ رحيماً.“ تنتظر المجتمعات العربية المنقذ كما تنتظر تحديث تطبيق على الهاتف، لكنها لا تدرك أن النظام هو الذي يحتاج تحديثاً، لا القائد. وهذا يُنتج خللاً في “البرمجة السياسية” للشعوب، حيث يصنع الشعب بنفسه ديكتاتوراً يسحَق كرامة مواطنيه ويسرق ثروات الوطن.
الفارق بين نموذجين:
- في الدول المتقدمة: سقوط قائد = تحديث هادئ للنظام.
- في العالم العربي: سقوط القائد = سقوط الدولة.
غياب المؤسسات يجعل البلاد أسيرة مزاج رجل واحد، ويجعل الاستقرار مرتبطاً بعمره البيولوجي لا بعمر الدولة، (حافظ الأسد وابنه بشار مثالاً).
4. البلقنة والكانتونات: “كل جزء يحسب نفسه أمة”
أما في قول جبران: “ويلُ لأمة مقسّمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة.“ نحن في سوريا اليوم نعيش عصر التفتت، ونحتاج للتعامل بثلاث عملات مختلفة (الدولار الأمريكي – الليرة التركية – الليرة السورية “المتهالكة”) مع أنك تتحرك داخل حدود الوطن نفسه! كل “أمير حرب” يفرض ضرائبه وقوانينه. هذا التشرذم يجعل أي مشروع لإعادة الإعمار مستحيلاً، فالاستثمار يهرب من الجغرافيا الممزقة، مما يجعل أي حديث عن إعادة البناء مجرد وهم. لقد أصبح لزاماً علينا استنباط رؤية جيوسياسية لأنَّ الدول التي فقدت مركزيتها تتحول إلى “أسواق مفتوحة لأمراء الحرب” وليس لرجال الأعمال.
5. “الفرصة السورية”: تحويل الركام إلى منصة انطلاق
هنا يجب أن نتوقف قليلاً عند الحالة السورية كنموذج صارخ. إن المشهد في سوريا، بأجزائها التي تنضوي تحت سيادة الحكومة وتلك الأجزاء التي ما زالت متمردة وتسعى للانفصال، لا يزال مثقلاً بالتحديات التي تحتاج إلى إيجاد حلول جذرية في مجالي الاقتصاد والسياسة الواقعية، لكنها قد تحمل في طياتها فرصة “البدء من الصفر” (Ground Zero Opportunity).
على السوريين – حكومة وشعباً – أن يدركوا حقيقة مرّة ولكنها مُحررة: إن النظام الاستبدادي الساقط لم يدمر الأبنية فقط، بل دمر الهياكل البيروقراطية والنفسية التي كبلت البلاد لعقود وأفقدتها ألقها التاريخي. اليوم، سوريا عبارة عن “أرض خالية” (Greenfield) بالمعنى الاستثماري. المطلوب ليس “إعادة الإعمار” بمعنى إعادة بناء الجدران نفسها والأنظمة البالية ذاتها التي أنتجت الاستبداد، بل تحويل الدمار إلى واقع جديد. على السوريين استغلال سقوط الهياكل القديمة لبناء دولة تشبه تاريخهم التجاري والحضاري العريق، لا تشبه حقبة الاستبداد المظلمة.
إنه الوقت لدفن الأساليب القديمة تحت الأنقاض، وبناء سوريا حديثة، مرنة، ومنتجة، تستعيد دورها كعقدة وصل تجارية وثقافية، وليس كقلعة أمنية معزولة.
أما التوصيات الاستراتيجية التي يجب أن تكون في أولوياتنا:
- لا يجب إعادة بناء ما هُدم، بل إعادة اختراع ما يجب أن يكون.
- الهدف ليس “إعادة الإعمار”، بل “إعادة تصميم الدولة”.
- سوريا قادرة أن تستعيد دورها كعقدة وصل تجارية وثقافية، لا كقلعة أمنية معزولة.
الخاتمة – خارطة طريق للنجاة
نحن لا نملك ترف الوقت، والعالم لا ينتظرنا. نحن بحاجة إلى إجراءات جراحية عاجلة.
أولاً: رسالة إلى القادة في سوريا والعالم العربي وصناع القرار: إن أساليب الحكم السابقة التي قامت على “القبضة الأمنية” هي نظام تشغيل عتيق (Legacy System) انهار لم ولن يعود للعمل. لن يحمي دولكم سوى “شرعية الإنجاز”. الاستقرار الحقيقي يأتي من التنمية، التعليم العصري، وسيادة القانون. توقفوا عن الاستثمار في الشعارات وابدأوا الاستثمار في العقول، وإلا فإن التاريخ سيطوي صفحاتكم بلا رحمة.
ثانياً: رسالة إلى الشعوب العربية: ليعلم الجميع أنَّ أسلوب مقاطعة البضائع الأجنبية لا ينجح ما لم يتم تطوير خطوط الإنتاج الوطني. نداء إلى كل مواطن غيور يدعو لمقاطعة المنتجات الأجنبية: حماسك وطني، ولكن أدواتك يجب أن تتطور. المقاطعة الحقيقية هي “خلق البديل“. أصلحوا أراضيكم التي أهملتموها وازرعوها قمحاً وخضاراً، لنأكل مما نزرع ولا ننتظر سفن الإغاثة والغرق في الديون الخارجية ما دامت ثرواتنا الوطنية ملك أيدينا. حولوا الورش الصغيرة إلى مصانع تنتج بجودة تنافسية، لنلبس مما ننسج.
يوم أن يصبح “المصنع العربي والسوري” ومرابع الزراعة السورية تتجدّد في كل موسم لتصبح هي البديل الحقيقي، حينها فقط نكون قد انتقمنا من تاريخ الاستبداد والخراب، وبنينا أمة لا تخجل من قصيدة جبران، بل تفخر بأنها تجاوزتها.







