مالات .. سورية رؤى مستقبلية

سورية.. رؤى مستقبلية

Search
Close this search box.
Facebook X-twitter Youtube
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
Facebook X-twitter Youtube
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
الرئيسية ملفات

معركة المصطلحات: كيف تشكّل الكلمات ملامح المقالات السياسية والاقتصادية 

صناعة الوعي في عصر العولمة مرهونة بفهم جوهر المصطلحات بعمق

فريق تحرير مآلات فريق تحرير مآلات
2025-11-25
في ... ملفات
0 0
A A
0
معركة المصطلحات: كيف تشكّل الكلمات ملامح المقالات السياسية والاقتصادية 

معركة المصطلحات: كيف تشكّل الكلمات ملامح المقالات السياسية والاقتصادية 

0
شارك
238
المشاهدات

مقدمة

في السنوات الاخيرة شاع في كثير من المقالات السياسية والاقتصادية نوع من “التكنّي بالمصطلحات” أو التزيّن بها؛ اذ تُزج في النص عبارات رنانة مثل العولمة، الحوكمة الرشيدة، النيوليبرالية، الدولة العميقة، الاقتصاد الرقمي، وغيرها، احياناً من اجل اضفاء بُعد إحترافي أو مظهر رفيع المستوى على المقال، حتى لو لم تكن هذه المصطلحات مستعملة بدقة أو في موضعها الصحيح. تبدو الجملة انيقة على مستوى الشكل، لكن القارئ يخرج في كثير من الاحيان وهو لا يعرف تماما ماذا يعني هذا المصطلح أو ذاك، ولا ما هي الفكرة الفعلية التي اراد الكاتب توصيلها من خلاله.

المشكلة تصبح أعمق حين يكتفي الكاتب بالاستعراض اللغوي ويُكثر من استعمال المفاهيم الاجنبية المنقولة من أدبيات الغرب من دون أنْ يتوقف ولو لمرة واحدة لتعريفها أو ربطها بسياقها التاريخي والجيوسياسي. هنا يجد الكثير من القراء انفسهم امام نص يبدو متخماً بالمفردات “الحديثة” لكنه فقير في الشرح والتفكيك، فيترددون بين قبول الخطاب كما هو بدافع الثقة بالمؤلف أو تجاهل هذه المصطلحات بالكامل باعتبارها زينة لغوية لا اكثر.

لهذا جاء هذا المقال: محأولة منظمة وهادئة لفتح “صندوق المصطلحات” الذي يهيمن على خطاب السياسة والاقتصاد في الاعلام الراهن، واعادة ترتيب اهم المفاهيم الرائجة فيه عبر ثلاث حقب زمنية متعاقبة. لا يكتفي النص بتعريف المصطلحات، بل يحأول اعادة وصلها بجذورها الفكرية وبالسياقات العملية التي ظهرت فيها، وبالنتائج التي ترتبت عليها في العالم عموما والعالم العربي خصوصا. الهدف ليس تفكيك اللغة من اجل التفكيك في حد ذاته، بل مساعدة القارئ العربي على امتلاك مفتاح الفهم النقدي.

مفتاح الفهم النقدي هو إدراك ما الذي يختبئ خلف هذه الكلمات، ومن صاغها، ولصالح اي رؤية للعالم يتم ترويجها. من هنا تبدأ معركة الوعي، ومن هنا أيضا تبدأ رحلة هذا المقال.

الفصل الأول: حقبة العولمة والتحول الليبرالي (أواخر القرن العشرين)

شهدت أواخر القرن العشرين صعود مجموعة مصطلحات تعكس انتشار النموذج الليبرالي اقتصادياً وسياسياً مع نهاية الحرب الباردة. ولعل أبرزها مصطلح «العولمة» الذي اجتاح الخطاب العالمي في تسعينيات القرن العشرين، وبلغ ذروة شعبيته حول عام 2000.

اقترن انتشار العولمة بترويج اقتصاد السوق المفتوح وتحرير التجارة، وتجسّد ذلك في إنشاء منظمة التجارة العالمية (1995) واتساع حركة السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود. ورغم أنَّ العولمة كمفهوم يشير إلى تكامل الأسواق والتقنيات عالمياً، فقد أثار أيضاً نقاشات حول سيادة الدولة والهوية الثقافية مع انفتاح المجتمعات بعضها على بعض. على الصعيد العربي، انعكست العولمة في انضمام دول عديدة إلى الاقتصاد العالمي وتبنّيها سياسات الانفتاح الاقتصادي، لكنها أثارت كذلك مخأوف بشأن التأثير على الهيكلية الاجتماعية والقيم المحلية.

إلى جانب العولمة، برزت الخصخصة كسياسة محورية في تلك الحقبة، بدفع من مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن ما عُرف بـ«إجماع واشنطن». يشير هذا الإجماع إلى حزمة من عشرة إجراءات إصلاحية وُضعت عام 1989 لتطبيق اقتصاد السوق في الدول النامية، تشمل الانضباط المالي وتحرير التجارة وتحرير الأسعار والخصخصة الواسعة للمؤسسات الحكومية.

دول الخصخصة

اندفعت دول كثيرة – من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا الشرقية – في طريق بيع الأصول الحكومية وتشجيع القطاع الخاص، باعتبار الخصخصة مفتاحاً لرفع الكفاءة وجذب الاستثمارات. في العالم العربي أيضاً، شهدت التسعينيات موجة خصخصة للمؤسسات العامة في دول كمصر والأردن والمغرب ضمن برامج إصلاحية. غير أن النتائج لم تكن دائماً وردية؛ إذ تفيد دراسات مقارنة بأنَّ «الخصخصة الشاملة» في بعض الاقتصادات الانتقالية أدت إلى تراجع النمو وزيادة الفقر. على سبيل المثال، انخفض إنفاق الحكومات التي طبّقت خصخصة واسعة بأكثر من 20% مقارنة بدول انتهجت إصلاحات تدريجية، كما تدنّى متوسط دخل الفرد فيها بحوالي 16% عمّا كان سيكون عليه دون تلك الخصخصة.

تعزو هذه الدراسات الإخفاق إلى تفكيك موارد الدولة دون بناء بدائل قوية، ووقوع الأصول بيد قلة احتكرت المنافع.

وبذلك اتضح أنَّ تحويل ملكية الدولة إلى القطاع الخاص ليس عصاً سحرية للنمو، بل قد يفاقم اللامساواة ويضعف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد إذا نُفّذ دون حوكمة رشيدة. ارتبطت حزمة الإصلاحات النيوليبرالية أيضاً بترويج مصطلحات سياسية جديدة في التسعينيات. فمع انتشار الديمقراطية في بلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، شاع الحديث عن «الديمقراطية التمثيلية» كصيغة مثلى للحكم. تحدث المفكرون عن «الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي» (بتعبير صامويل هنتنغتون) للإشارة إلى انتقال عشرات الدول من الأنظمة السلطوية إلى نظم متعددة الأحزاب خلال 1974–1990.

في هذا السياق، ازدادت التوقعات بأنَّ نموذج الديمقراطية الليبرالية الغربية واقتصاد السوق هو المصير المحتوم للدول (وفق أطروحة «نهاية التاريخ» لفوكوياما). تعزيزاً لهذا التوجه، برزت مفاهيم كـ«الحوكمة الرشيدة» التي تبنّتها المؤسسات الدولية لتعزيز الإدارة الشفافة والمسؤولة. تبنّى البنك الدولي والأمم المتحدة هذا المصطلح منذ 1989 باعتباره شرطاً لتأهيل الدول النامية للحصول على المساعدات. والمقصود بـ«الحوكمة الرشيدة» ترسيخ حكم القانون ومكافحة الفساد وإشراك المجتمع المدني في صنع القرار لضمان التنمية المستدامة.

لقد برز المصطلح في تسعينيات القرن العشرين خاصة لدى الجهات المانحة بفعل القلق من سيطرة الدولة المفرطة وضعف المساءلة.

وهكذا أصبح تحسين الشفافية والمساءلة هدفاً معلناً لحكومات عديدة، بما فيها بعض الحكومات العربية التي أطلقت برامج إصلاح إداري لمجاراة المعايير الدولية. وبالتوازي، ازداد تداول مصطلحات اقتصادية كليّة مثل الاقتصاد الكلي – الذي يعني التركيز على استقرار المؤشرات العامة كالأسعار والنمو والعجز – تماشياً مع نصائح صندوق النقد لتحقيق استقرار اقتصادي.

في المحصلة، مثّلت أواخر القرن العشرين حقبة هيمنة النيوليبرالية اقتصادياً وسياسياً. مفردات مثل «اقتصاد السوق» و«الخصخصة» و«التحرّر» غدت أشبه بشعارات رسمية تصيغ خطابات القادة ووثائق الإصلاح. استفادت بعض الدول من هذه السياسات في دفع النمو (كما في تجارب شرق آسيا)، لكن دولاً أخرى واجهت تحديات في العدالة الاجتماعية وتداعيات تفكيك القطاع العام. أما على المستوى السياسي، فقد سادت قناعة بأنَّ الديمقراطية الليبرالية هي الوصفة النموذجية للحكم الرشيد، ما دفع لاعتماد دساتير تعددية وانتخابات دورية في بلدان عديدة.

في السنوات التالية بدأت تتكشَف محدودية بعض هذه الوعود، مع بروز مصطلحات جديدة تراجع بعضها طروحات التسعينيات أو يطرح أسئلة مختلفة تماماً.

الفصل الثاني: عالم أحادي القطب وصراعات جديدة (ما بعد الحرب الباردة وبدايات القرن 21)

مع الانتقال إلى القرن الحادي والعشرين، ظهرت مصطلحات تعكس تحوّل الاهتمام من الصراع الأيديولوجي بين معسكرين إلى تحديات أمنية وسياسية جديدة في عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة. كان تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991 إيذاناً بانفراد واشنطن بالهيمنة العالمية، لكن هذه الهيمنة رافقتها ظواهر مفاجئة أعادت تشكيل الخطاب. في مقدمة تلك الظواهر صعد مصطلح «الإرهاب الدولي» إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. لقد أصبح الإرهاب العدو العالمي رقم واحد، ودُشّنت «الحرب العالمية على الإرهاب» بقيادة أميركا، مما أثّر بعمق على أولويات السياسة الدولية. وغدا من المصطلحات الأكثر رواجاً بعد الحرب الباردة في الأوساط الأكاديمية والرسمية والإعلامية

وفي المنطقة العربية، عانت دول عديدة من تبعات هذا الخطاب؛ سواء عبر انخراطها في تحالفات أمنية أو مواجهتها مباشرة لظاهرة التنظيمات الإرهابية عابرة الحدود. أفرزت تلك المرحلة أيضاً مفهوم «الحرب الوقائية» أو الاستباقية الذي تبنّته إدارة جورج بوش الابن لتبرير غزو العراق عام 2003. يقوم هذا المبدأ على توجيه ضربة عسكرية لإزالة تهديد محتمل قبل أنْ يتحقق، حتى لو لم يكن الخطر وشيكاً.

تفسير يثير الجدل

وهكذا شاهد العالم حرباً تُبرَّر بدوافع “منع الخطر قبل وقوعه”، كتفسير جديد للدفاع الشرعي. شكّل ذلك خروجاً عن القواعد التقليدية وأثار جدلاً حول شرعية التحرك المنفرد لضمان الأمن، لكنه رسّخ مصطلح «الحرب الوقائية» في قاموس العلاقات الدولية المعاصرة. في الوقت نفسه، وبينما كانت الولايات المتحدة تخوض حروباً ضد الإرهاب، كان النظام الدولي يشهد تململاً تحت السطح مع صعود قوى كبرى جديدة. هنا برزت فكرة «التعددية القطبية» للتعبير عن ظهور عالم تتقاسم فيه عدة دول كبرى النفوذ بدلاً من القطب الأوحد. فمع مطلع العقد الثاني من القرن الجديد، بزغت الصين كعملاق اقتصادي، واستعادت روسيا موقعها على المسرح الدولي، ونمت أدوار دول كالهند والبرازيل. وأمام هذا الواقع، اضطر الخطاب السياسي الغربي نفسه للاعتراف ببداية نظام دولي أكثر تنوعاً وتنافسية. فعلى سبيل المثال، أخذ قادة كالرئيس الروسي يروّجون لضرورة نظام عالمي «عادل ومتعدد الأقطاب» في مواجهة المساعي الغربية للإبقاء على التفوق القديم.

يصف محللون هذه التحولات بأنها نهاية عصر الهيمنة الأحادية وبداية حقبة التعددية القطبية، حيث تغير ميزان القوة العالمية بدخول لاعبين جدد. وقد تجسد ذلك في تحالفات وتكتلات اقتصادية (كمجموعة بريكس) ومواقف سياسية جماعية تتحدى التفرد الغربي.

ولادة مصطلح “الشعبوية”

لم تقتصر التحديات الجديدة على مستوى الدول؛ ففي داخل كثير من البلدان، شهدنا صعود قوى سياسية تُعارض النخب التقليدية تحت شعار «الشعبوية». يُطلق وصف الشعبوية على حركات وقادة يدّعون تمثيل “الشعب” النقي ضد “النخبة” الفاسدة، وغالباً ما يتبنون خطاباً تبسيطياً انقسامياً. على المستوى العالمي، تجلى المد الشعبوي في نجاحات انتخابية مدوية مثل استفتاء بريكست في بريطانيا (2016) وفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية (2016)، إلى جانب تنامي نفوذ أحزاب يمينية متشددة في أوروبا وأخرى يسارية في أمريكا اللاتينية. وقد بيّنت منظمة الشفافية الدولية أنَّ تفاقم الفساد والظلم الاجتماعي خلق تربة خصبة لصعود السياسيين الشعبويين سنة 2016.

استخدم هؤلاء لغة التنديد بـ«النخبة الفاسدة» وتهميش الطبقة العاملة، ما جذب شرائح واسعة من المحبطين. بيد أنَّ تجارب الحكم أظهرت أنَّ كثيراً من الأحزاب المناهضة للمؤسسات عجزت عن مكافحة الفساد فعلياً عند وصولها للسلطة.

الشعبوية أصابت العرب

في المنطقة العربية، أخذت الشعبوية أشكالاً مختلفة؛ فبعض الزعماء تبنوا خطاباً شعبوياً قومي النزعة أو ديني المرجعية لحشد التأييد، وادّعوا الوقوف ضد «مؤامرات» النخب القديمة أو الدولة العميقة. وهنا برز أيضاً مصطلح «الدولة العميقة» – الذي ظهر أصله في التسعينيات في تركيا – ليصف شبكات نفوذ خفية متغلغلة في أجهزة الدولة تقأوم التغيير وتحمي مصالحها. شاع استخدام هذا المصطلح عربياً خلال اضطرابات الربيع العربي وبعدها، عند الحديث عن دور قيادات عسكرية وأمنية في كواليس الحكم. مثلاً، وصف باحثون المجلس العسكري في مصر بعد 2011 بأنه دولة عميقة تضم «قادة غير ديمقراطيين داخل الدولة، سلطتهم مستقلة عن أي تغييرات سياسية». وفي التحليلات السياسية، بات يُنظر إلى تحالف المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإدارية القديمة باعتباره عائقاً أمام التحول الديمقراطي في دول كمصر وتونس واليمن.

بهذا المعنى، مثّل مفهوم الدولة العميقة إطاراً لفهم أسباب انتكاسة ثورات الربيع العربي، حيث نظّمت النواة الصلبة للأنظمة القديمة ثورات مضادة ناجحة حفاظاً على امتيازاتها.

على صعيد موازٍ، استمر الجدال حول «النيوليبرالية» كنموذج اقتصادي مهيمن منذ الثمانينات. فبعد عقدين من تطبيق سياسات تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة، ظهرت مؤشرات على أوجه قصور بنيوية. لقد اتّسعت الهوّة الطبقية وتفاقمت اللا مسأواة في كثير من المجتمعات.

الأزمات تتالى

ووقع عدد من الاقتصادات في أزمات مالية حادة (أزمة آسيا 1997، ثم الأزمة العالمية 2008) بسبب انفلات الأسواق من الضوابط. وصار مصطلح النيوليبرالية ذاته يُستخدم بلهجة نقدية من قبل حركات مناهضة العولمة والنخب الفكرية اليسارية. أشار ناقدون مثل “نعوم تشومسكي” إلى أنَّ النيوليبرالية تمثّل «عدواً مباشراً للديمقراطية الحقيقية القائمة على المشاركة»،بحكم أنها تمنح الشركات الكبرى والطبقات الغنية سلطة غير متكافئة على مقدّرات المجتمع.

خطاب المثقفين العرب

وفي العالم العربي، برز هذا النقد في أوساط المثقفين الذين رأوا في برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي فرضاً خارجياً زاد معاناة الفئات الفقيرة وساهم في تأجيج الغضب الشعبي الذي انفجر في 2011. ومع ذلك، بقيت النيوليبرالية التيار الرسمي في سياسات معظم الدول الكبرى، وإنْ أخذت تطعيمات أكثر اجتماعية بعد 2008 للتخفيف من غلوائها. رافقت هذه التحولات مصطلحات فكرية حأولت تفسير التغير في بؤرة الصراعات العالمية. ففي 1993 طرح صامويل هنتنغتون أطروحته الشهيرة «صدام الحضارات»، مجادلاً بأنَّ النزاعات الرئيسية بعد الحرب الباردة ستكون ثقافية حضارية وليست أيديولوجية. ولاقت هذه الفكرة رواجاً إعلامياً واسعاً خصوصاً بعد 2001، حيث اعتبرها البعض نبوءة تفسّر الاستقطاب بين الغرب والعالم الإسلامي. يؤكد هنتنغتون في كتابه (1996) أنَّ العالم دخل طور صراع جديد على أساس الدين والثقافة والتاريخ، بعد نهاية الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية، ويُبرز أنَّ الحضارة الغربية العلمانية والعالم الإسلامي سيمثلان الطرفين الأبرز في هذا الصراع، مستشهداً بحروب وأزمات شهدتها تسعينيات القرن العشرين (كحرب البوسنة) حيث انحازت القوى الكبرى وفق خطوط حضارية.

ورغم الانتقادات الأكاديمية الشديدة التي طالت هذه النظرية – خاصة من مفكرين عرب وغربيين اعتبروها تبريراً اختزالياً يُغذّي سردية العداء الحضاري – فإنَّ مصطلح «صراع الحضارات» رسخ في الخطاب الإعلامي والسياسي.

لقد دفع ذلك أصواتاً أخرى للترويج لمفاهيم بديلة مثل «حوار الحضارات» و«تحالف الحضارات» كجهد دولي لتجأوز منطق الصدام، كما ظهر في مبادرات الأمم المتحدة مطلع الألفية.

مبادئ تنبثق خجلى

شهدت تلك الفترة تركيزاً أكبر على مبادئ مثل «الشفافية» وحق الوصول إلى المعلومات، كجزء من مساعي مكافحة الفساد وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. أنشئت منظمات دولية كمنظمة الشفافية الدولية (1993) لترصد مؤشرات الفساد وتنشر تقارير سنوية تصنّف الدول، ما وضع الحكومات تحت ضغط أخلاقي لتحسين ترتيبها عبر سياسات أكثر انفتاحاً. صار يُنظر إلى الشفافية بوصفها شرطاً لازماً لـ«الحوكمة الجيدة»، وارتبطت بإصلاحات تترأوح من إعلان الميزانيات العامة بوضوح، إلى سنّ قوانين لحرية تدأول المعلومات. وقد أثمر الدفع باتجاه الشفافية عن حراك عالمي كبير؛ فتأسست وحدات مكافحة الفساد في دول عديدة، وازدادت أنشطة الإعلام الاستقصائي والمنصات الرقمية التي تراقب أداء السلطات.

بفضل هذا الزخم، أخذ الرأي العام العالمي يتبنّى سقف توقعات أعلى من حكوماته فيما يخص نزاهة الأداء ووضوحه.

مصطلحات تتوالى تباعاً

على الجانب الآخر، أضيف تعبير «حكومة الظل» أو الدولة الموازية ضمن المفردات المكمّلة لنقد الدولة العميقة، في إشارة إلى قوى سياسية موازية – ليست بالضرورة سرية – تحظى بدعم نخب النظام القائم نفسه وتؤثر على القرار من وراء الستار. لكن تلك المفاهيم ظلت أقل شيوعاً مقارنةً بمصطلحات المواجهة المباشرة كالدولة العميقة. وبالتوازي مع كل ما سبق، كان هناك شعور عام بما يمكن تسميته «اللايقين الجيوسياسي». فبين 2008 و2016 مثلاً، عاش العالم سلسلة مفاجآت: أزمة مالية عالمية، ثورات عربية قلبت أنظمة حكم، اجتياح روسيا لجورجيا ثم أوكرانيا لاحقاً، صعود قيادات غير متوقعة في ديمقراطيات راسخة.

هذا المناخ المتقلب ولّد إدراكاً بأننا في مرحلة انتقالية بين نظامين عالميين؛ قدرة القوى الكبرى على فرض النظام القديم تتراجع دون أن يتبلور بديل مستقر بعد.

تجسّد هذا اللايقين في تقلب التحالفات الدولية وصعوبة التنبؤ بالخطوات القادمة للقوى الفاعلة. لذا شاع وصف الحالة بأنها «عالم ما بعد أمريكي» عنوانه الغموض. وأمام هذا الوضع، تزايد الحديث عن ضرورة تعزيز «الحوكمة العالمية» عبر مؤسسات متعددة الأطراف أكثر فاعلية. فالمشكلات العابرة للحدود – من تغير المناخ إلى الإرهاب السيبراني – تستلزم تنسيقاً عالمياً. وتعني الحوكمة العالمية الانتقال نحو تعأون سياسي دولي لإدارة الشؤون المشتركة. ورغم أنَّ مؤسسات كالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وصندوق النقد هي أدوات هذه الحوكمة العالمية، فإنها محدودة الصلاحيات.

 دعوات تترنح

تصاعدت الدعوات تباعاً مترنحة لإصلاح منظومة المؤسسات الدولية لتكون أكثر تمثيلاً وعدالة. على سبيل المثال، طُرحت مبادرات لتوسيع عضوية مجلس الأمن الدولي أو تعديل آليات التصويت في صندوق النقد الدولي لتعكس ثقل الاقتصادات الناشئة. بيد أنَّ إحراز تقدم فعلي في هذه الملفات ظل بطيئاً، لتعارض مصالح الدول الكبرى حولها.

خلاصة القول، اتسمت حقبة ما بعد الحرب الباردة بتوليفة مصطلحات تعكس اندماج العالم اقتصادياً تحت راية النيوليبرالية من جهة، وتشتته سياسياً وأمنياً تحت وطأة الإرهاب والنزاعات الهوياتية من جهة أخرى. لقد تبيّن أنَّ الانتصار الأيديولوجي الغربي لم يجلب معه نهاية التاريخ أو وفرة السلام المرجوة، بل ظهر على المسرح لاعبون جدد ومخاطر مستجدة احتاجت لقاموس جديد من المفاهيم لفهمها والتعامل معها. وقد مهدت تلك المرحلة الطريق بالكامل لدخول العصر الرقمي بكل تحولاته، وما رافقه من مفردات غير مسبوقة في القاموس السياسي الاقتصادي.

الفصل الثالث: عصر ما بعد الجائحة والتحول الرقمي (القرن الـ21 الحالي)

في السنوات الأخيرة – خاصة منذ جائحة كورونا (2020) – تسارعت التحولات الرقمية والوعي بالتحديات البيئية، مما أفرز مجموعة مصطلحات جديدة تعكس أولويات مختلفة جذرياً عمّا ساد سابقاً. لقد كشفت الجائحة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وعمّقت الشعور بضرورة بناء «مرونة اقتصادية» على مستوى الدول والمجتمعات.

يُقصد بالمرونة الاقتصادية قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات والتعافي السريع منها، عبر تنويع القاعدة الإنتاجية وتأمين الاحتياطيات وتطوير شبكات حماية اجتماعية فعالة.

دفع هذا الإدراك الأمم المتحدة ومختلف الحكومات إلى إدماج مفهوم المرونة في خططها؛ فنجد مثلاً مشروعاً أممياً لتعزيز المرونة الاقتصادية الحضرية خلال وبعد الجائحة حيث اتخذت دول عديدة خطوات لبناء احتياطيات استراتيجية من الغذاء والدواء، وتنويع مورّديها لتجنب الاعتماد المطلق على طرف واحد.

رؤى عربية للتجدد

في العالم العربي، برزت المرونة الاقتصادية كهدف استراتيجي في رؤى التنمية الخليجية (مثل رؤية السعودية 2030) عبر تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط وضمان استمرارية الأعمال تحت شتى الظروف. على صعيد متصل، تسارع التحول نحو «اقتصاد المعرفة» و«الاقتصاد الرقمي» باعتبارهما ركيزة المستقبل. اقتصاد المعرفة يشير إلى اقتصاد ترتكز إنتاجيته على المعرفة والإبداع والتقنية المتقدمة، أكثر من اعتماده على المواد الخام أو العمالة الرخيصة.

لقد أدركت الدول أن امتلاكها رأس مال بشري متعلم وتقنيات حديثة هو مفتاح تنافسيتها.

وهكذا صارت سياسات تطوير التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال في التكنولوجيا من أولويات الخطط الوطنية (كما هو معلن في سياسات الإمارات وقطر مثلاً لجذب اقتصاد المعرفة).

أما الاقتصاد الرقمي فيصف الانتقال الواسع لأنشطة الاقتصاد إلى الفضاء الإلكتروني – من التجارة الإلكترونية إلى الخدمات المصرفية الرقمية والعمل عن بُعد. فمع إجراءات الإغلاق أثناء الجائحة، شهد العالم انفجاراً في استخدام المنصات الرقمية للتسوق والعمل والتعليم، مما كرّس قناعة بأنَّ الرقمنة لم تعد ترفاً بل أساس البنية الاقتصادية. دول عديدة (ومنها عربية) سارعت إلى:

  • تحديث بنيتها التحتية الرقمية
  • وتعزيز الخدمات الحكومية الإلكترونية ضمن توجه شامل لبناء مجتمعات رقمية.

وبطبيعة الحال، أثار صعود الاقتصاد الرقمي قضايا جديدة تتعلق بـ«سيادة البيانات» وحقوق الخصوصية. برز مصطلح «سيادة البيانات» ليعكس مطلب الدول بفرض سيطرتها القانونية على البيانات التي تنشأ ضمن أراضيها.

المعلومات التي يجمعها المستخدمون أو تنتجها الشركات يجب أنْ تخضع لقوانين وأنظمة الدولة المحلية.

نشأ هذا المفهوم بقوة في الاتحاد الأوروبي مع سنّ قوانين حماية البيانات (كـGDPR) التي تقيّد نقل بيانات المواطنين إلى خارج الحدود دون ضمانات. كما تبنّت دول مثل الهند والصين سياسات تلزم بتخزين بيانات مواطنيها على خوادم محلية، حمايةً لأمنها القومي الرقمي.

وفي العالم العربي، بدأت تظهر تشريعات لضبط انتقال البيانات الحساسة إلى الخارج ووضع معايير لاستخدامها بما يصون السيادة الوطنية. وتعكس هذه الخطوات مخأوف مشروعة من هيمنة الشركات التقنية العالمية – ومعظمها أميركية – على كنوز من المعلومات الشخصية والاقتصادية دون رقابة محلية كافية. فـ«البيانات هي نفط القرن الـ21» كما يُقال، والسيطرة عليها تمنح نفوذاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً. ومن قلب الثورة الرقمية، أخذ الذكاء الاصطناعي (AI) موقع الصدارة بوصفه التقنية الأبرز القادرة على تغيير قواعد اللعبة في الاقتصاد والإدارة والحياة اليومية.

صحيح أنَّ مصطلح الذكاء الاصطناعي ظهر منذ عقود، لكن العقد الأخير شهد طفرة تطبيقية جعلته حديث الساعة. بات الذكاء الاصطناعي يدخل في كل شيء: تحليل البيانات الضخمة، السيارات ذاتية القيادة، التشخيص الطبي، وصولاً إلى نماذج المحاكاة اللغوية (كبرنامج ChatGPT وغيره) التي أثارت دهشة العالم بقدراتها.

هذا الانتشار السريع فرض طرح أسئلة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومستقبل الوظائف وضرورة التنظيم القانوني. وبرزت مفاهيم جديدة مثل «العدالة الخوارزمية» في محأولة لضمان أنْ تكون القرارات التي تتخذها الخوارزميات عادلة وغير منحازة.

لقد تبيّن أنَّ بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي تحمل تحيّزات كامنة (نتيجة انحياز البيانات التي تدربت عليها) مما يؤدي إلى تمييز ضد فئات معينة – كأقليات عرقية أو جنس معين – في التوظيف أو القروض أو حتى الأحكام القضائية. لذا ينادي الخبراء اليوم بدمج مبادئ العدالة وعدم التمييز في تصميم الخوارزميات ونماذج التعلم الآلي منذ البداية، وبالشفافية في معايير عملها. واتخذت دول خطوات في هذا السياق؛ مثل:

  • إصدار الاتحاد الأوروبي مسودة تشريعات للذكاء الاصطناعي تفرض تقييم المخاطر الأخلاقية
  • وتقنين استخدامه في مجالات حساسة.
  • اصطلاح «العدالة الخوارزمية» ذاته بات شائعاً في الدوائر الأكاديمية والقانونية.
  • تحقيق إنصاف إنساني في قرارات تُتخذ آلياً عبر الذكاء الاصطناعي.

مصطلح جديد يتعزز

ومن زاوية أخرى، أفرز الاقتصاد الرقمي موارد غير ملموسة تُنافِس في أهميتها الموارد التقليدية، فيما يمكن اعتباره «رأس المال المعلوماتي» الجديد. فشركات التكنولوجيا العملاقة اليوم تستمد قيمتها السوقية الضخمة أساساً من المعلومات والبيانات التي تسيطر عليها وتحسن استغلالها.

وفي هذا الإطار ظهر مصطلح «رأسمالية المراقبة» الذي صاغته الباحثة شوشانا زوبوف لوصف نمط اقتصادي قائم على تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة خام لتحقيق الربح. تعمل رأسمالية المراقبة عبر مراقبة سلوك الملايين من البشر رقمياً (من خلال التتبع وتحليل بياناتهم على الإنترنت) لاستنباط أنماط وتنبؤات حولهم. ثم تُستخدم هذه المعرفة لتوجيه سلوكهم عبر إعلانات موجهة بدقة وغيرها من أساليب التأثير. بكلمات أخرى، صار الواقع المعاش مادة أولية للشركات التي تستخرج قيمة ربحية من أدق تفاصيل حياتنا الرقمية. وقد أثارت هذه الرأسمالية الرقمية نقاشات عميقة حول:

  • خصوصية الأفراد
  • ومستقبل الديمقراطية
  • وحرية الإرادة في عصر تتسلل فيه الخوارزميات إلى قراراتنا من وراء الستار.

لقد تمخض عن ذلك حركات مطالبة بحماية الخصوصية وتنظيم أقوى لعمل شركات التقنية الكبرى، فضلاً عن تطوير تقنيات مضادة تعزز أمن البيانات الشخصية.

في ظل هذا الاعتماد الهائل على التقنية، تصاعدت كذلك أخطار الجرائم السيبرانية والهجمات الإلكترونية، مما جعل «الأمن السيبراني» مصطلحاً بالغ الأهمية في الأمن القومي للشعوب.

فمن تخريب منشآت حيوية عبر الإنترنت إلى قرصنة بيانات ملايين المستخدمين، باتت الهجمات السيبرانية تكبد العالم خسائر فلكية. تُقدّر دراسات حديثة أنَّ الكلفة السنوية للجرائم الإلكترونية عالمياً قد تتضاعف عدة مرات خلال هذا العقد – من نحو 8.5 تريليون دولار في 2022 إلى ما يقارب 24 تريليون دولار بحلول 2027 – إذا استمرت وتيرة الهجمات بالارتفاع. هذه الأرقام المروعة دفعت الدول والشركات إلى الاستثمار بكثافة في تعزيز أمنها السيبراني عبر تطوير أنظمة حماية متقدمة وتدريب كوادر متخصصة ووضع أطر تعاون دولي لملاحقة القراصنة الرقميين.

جهود عربية طارئة

عربياً، أنشأت دول مثل السعودية والإمارات مراكز وطنية للأمن السيبراني وأطلقت استراتيجيات شاملة لحماية البنية التحتية الرقمية للقطاعات الحكومية والمالية والطاقة وغيرها. كما أضحى مفهوم «الردع السيبراني» وارداً في العقيدة الدفاعية لبعض الدول، أي التلويح برد انتقامي على أي هجوم رقمي يستهدفها، في محأولة لإرساء توازن رادع كما هو الحال في الدفاع التقليدي. لم تكن جائحة كوفيد-19 وحدها العامل المحفّز لهذه المصطلحات.

لقد تزامنت معها تزايد القلق العالمي من التغير المناخي والحاجة الماسة للتنمية المستدامة.

لذا انتعشت بقوة مصطلحات مثل «الاقتصاد الأخضر» و«الاستدامة» لوصف التوجّه نحو نماذج تنموية تراعي البيئة وتصون حقوق الأجيال القادمة. الاقتصاد الأخضر يعني تشجيع الاستثمارات والمشاريع الصديقة للبيئة – كالطاقة المتجددة والنقل النظيف – وتعديل أنماط الإنتاج والاستهلاك لتقليل الانبعاثات والتلوث.

أما “الاستدامة” فهي مفهوم أشمل يدمج الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية لضمان تلبية احتياجات الحاضر دون التضحية بقدرة المستقبل. وقد صارت هذه الأفكار جزءاً أصيلاً من خطابات الحكومات والشركات، بل وحتى الوعي الشعبي. رأينا دولاً تلتزم بأجندة صفر انبعاثات كربونية بحلول منتصف القرن، ومصارف تربط تمويلها بمعايير بيئية (ظاهرة التمويل المستدام)، ومنظمات دولية تدفع نحو اتفاقات مناخية أكثر طموحاً.

صحوة جاءت متأخرة

في العالم العربي، أطلقت دول الخليج خططاً للطاقة الشمسية وطموحات للاقتصاد الدائري وتقنيات التقاط الكربون، إدراكاً بأنَّ عصر النفط الأحفوري يتراجع وأنَّ التحول الأخضر ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية. أخيراً.

من النتائج المهمة للجائحة وما صاحبها من توترات، عادت للسطح مفاهيم إعادة توطين الصناعات والحماية التقنية.

فبعد أنْ كشفت الأزمة الصحية عن خطر الاعتماد المفرط على مراكز تصنيع بعيدة (مثل اعتماد العالم على الصين في المستلزمات الطبية والرقائق الإلكترونية)، بدأت دول كبرى تتبنى سياسات «إعادة التوطين الصناعي» (Reshoring) لنقل بعض سلاسل الإنتاج إلى أراضيها أو إلى دول حليفة أقرب.

أقرّت الولايات المتحدة وأوروبا برامج لتحفيز تصنيع أشباه الموصلات محلياً، وتأمين مستلزمات الأدوية داخلياً، لضمان الاكتفاء الاستراتيجي في القطاعات الحيوية.

قيود جديدة.. ذات مرونة

ظهرت بوادر «الحمائية التقنية» عبر فرض قيود على تصدير التقنيات الحساسة أو استحواذ شركات أجنبية عليها. في السنوات الأخيرة، رأينا مثلاً قيوداً أميركية على شركات اتصالات صينية وقيوداً أوروبية على عمالقة التكنولوجيا بشأن المنافسة والضرائب وخصوصية البيانات. الهدف المعلن هو حماية الأمن القومي الرقمي والقدرة التكنولوجية المحلية من هيمنة الخارج. لكن منتقدي هذه التوجهات يحذّرون من أنَّ تجزئة الإنترنت وتقنيات الاتصالات وفق اعتبارات جيوسياسية قد تعوق الابتكار وتضرّ التعأون العلمي العالمي. ومع ذلك، يبدو أننا دخلنا بالفعل عصراً يفرض إعادة تقييم العولمة المفرطة التي سادت سابقاً، لصالح شيء من الاكتفاء الذاتي المدروس في التقنيات والإمدادات الإستراتيجية. وسط كل هذه التطورات، واجه سوق العمل هو الآخر تحولات جذرية استدعت الحديث عن «مرونة سوق العمل» كمتطلب أساسي.

الانتقال الكبير إلى العمل عن بُعد، وصعود اقتصاد الوظائف الحرة (Gig Economy)، وثورة الأتمتة والذكاء الاصطناعي – كلها عوامل هزّت النمط التقليدي للتوظيف.

أصبح يُطلب من أسواق العمل أنْ تكون أكثر قدرة على التكيّف مع التغيرات السريعة؛ عبر:

  • تحديث التشريعات لتسهيل التحوّل بين الوظائف،
  • وتمكين عقود عمل مرنة،
  • وتوفير برامج إعادة تأهيل مهني مستمرة للعاملين.

بعض المؤسسات الدولية (كـمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) أوصت الدول منذ ما قبل الجائحة بتحرير قوانين العمل الجامدة لتقليل البطالة وزيادة التنافسية. وبعد الجائحة، تسارعت وتيرة هذه الإصلاحات في دول كثيرة لتشمل تنظيم العمل عن بعد والمرن وحماية العاملين المستقلين. بيد أنَّ هذا السعي للمرونة يواجه معضلة الموازنة مع الأمان الوظيفي؛ إذ تخشى النقابات العمالية أنْ تؤدي المرونة الزائدة إلى تقويض حقوق العمال وتكريس هشاشة التوظيف.

بالتالي يدور النقاش اليوم حول إيجاد نموذج وسط يؤمن مرونة كافية لأصحاب العمل والاقتصاد، وفي الوقت نفسه يوفر شبكة أمان اجتماعي تقي العمال تبعات التقلبات.

باختصار، أعادت مرحلة ما بعد 2020 ترتيب الأولويات والمفاهيم بقدر كبير. صعدت التقنية والبيئة والصحة إلى قلب الاهتمام العالمي، وانعكس ذلك في مصطلحات الخطاب السائد. وأصبحنا نسمع يومياً عن مصطلحات جديدة:

  • «التحول الرقمي»،
  • «الأمن السيبراني»,
  • «الذكاء الاصطناعي المسؤول»,
  • «الحياد الكربوني»,
  • «سلاسل الإمداد الذكية»,
  • وغيرها من التعابير الجديدة التي كانت نادرة قبل عقد واحد فقط.

وهذا يؤكد أنَّ اللغة السياسية والاقتصادية كائن حيّ يتطور باستمرار وفق ما يستجد من تحديات وإنجازات.

خاتمة: معركة المصطلحات وصناعة الوعي

تبيّن جولتنا عبر مفردات الحقب المختلفة أنَّ اللغة ليست مجرد وعاء محايد للفكر، بل هي ساحة معركة تتنافس فيها القوى المختلفة على تحديد إطار النقاش العام. فاختيار مصطلح معين للتعبير عن ظاهرة سياسية أو اقتصادية يمكن أنْ يوجّه فهم الجمهور لها في اتجاه محدد. على سبيل المثال:

عندما وُصفت إصلاحات الثمانينات بأنها «تحرير اقتصادي» برزت إيحاءات إيجابية بالحرية والتقدم، بينما وسمها آخرون بـ«سياسات تقشف» فركزت الوصف على كلفتها الاجتماعية السلبية.

كذلك فإن تبنّي عبارة «الحرب على الإرهاب» عالمياً صاغ الاستجابة للعنف السياسي في قالب عسكري أمني تغليباً على معالجة الجذور الأعمق، تماماً كما أثّر وصف بعض الدول بأنها «محور شر» على شيطنتها وعزلها بغض النظر عن تعقيدات السياسة الدولية.

مصطلحات منحوتة حديثاً

من زاوية أخرى، فإن نحت مصطلحات كـ«الدولة العميقة» منح الحركات المطالبة بالتغيير أداة خطابية لتفسير تعثّر التحول الديمقراطي، لكنه في الوقت ذاته قد يستخدم لوصم أي معارضة بيروقراطية مشروعة على أنها مؤامرة خفية.

هذا التقاذف الاصطلاحي ليس أمراً شكلياً، بل هو في جوهره صناعة وعي وتوجيه الإدراك الجمعي.

في عالم اليوم، تلعب مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وشركات الاستشارات دوراً محورياً في صقل المفاهيم وتعميمها. فبعض المصطلحات يُولد في تقارير أكاديمية أو بيانات رسمية ثم يُضخّم إعلامياً ليصبح على كل لسان. وغالباً ما ترافق هذه العملية انتقائية مقصودة – حيث يتم التركيز على تعبير دون آخر لتحقيق غايات أيديولوجية أو سياسية. من ذلك مثلاً شيوع مفهوم «الاقتصاد التشاركي» لتوصيف منصات مثل Uber وAirbnb، مما يضفي عليها طابع التعأون المجتمعي الإيجابي، في حين يشير نقادها إلى «اقتصاد الأعمال الحرة المؤقتة» (Gig Economy) لتسليط الضوء على انعدام الأمان الوظيفي فيها. كل طرف إذن يعمد إلى تأطير الواقع بالمصطلح الذي يخدم روايته ومصالحه.

لذا تصبح معركة المصطلحات جزءاً لا يتجزأ من أي معركة سياسية أو اقتصادية كبرى. على مستوى صناعة القرار، يدرك الساسة قوة المصطلح في تهيئة الأجواء لتغيير ما.

إنَّ طرح برنامج إصلاحي باسم «رؤية وطنية» أو «خطة تنموية» يختلف وقعه تماماً عن وصفه بسياسة تقشف أو خصخصة موجعة، حتى لو تشابه المحتوى. وفي العلاقات الدولية، يجري التلاعب بالمفاهيم لتبرير تحركات معينة؛ كتسمية تدخل عسكري بـ«مهمة إنسانية»، أو حرب تجارية بـ«إجراءات حماية وطنية». وفي خضم ذلك، قد تُهمّش الحقائق المعقدة تحت وطأة الشعارات اللامعة.

إنَّ صناعة الوعي الجماهيري هنا تمر عبر تبسيط المفاهيم وتسويقها عاطفياً، مستغلةً ميل الإنسان لتبنّي الأطر السائدة في محيطه دون تمحيص نقدي. من ثمّ، فإنَّ المسؤولية تقع علينا كأفراد في أنْ نتلقى هذه المصطلحات بوعي نقدي، فنفهم خلفياتها ومن روّجها ولماذا، وما البدائل الممكنة لها. إنَّ تأمل مسيرة المصطلحات الرائجة عبر العقود يكشف أنها أشبه بمرآة للتحولات الكبرى: تعكس نهاية الحرب الباردة أو انطلاق ثورة الإنترنت أو ظهور تهديدات المناخ. لكنها في الوقت نفسه أشبه ببوصلة يوجهها الفاعلون المؤثرون حيث يشاؤون.

ليست كل المصطلحات محايدة أو علمية الدلالة، بل إنَّ كثيراً منها وُلد في خضم سعي أطراف لتعزيز نفوذها – سواء كانت دولاً عظمى تفرض رؤيتها للتنمية، أو شركات ضخمة تصوغ طبيعة العصر الرقمي، أو حركات اجتماعية تخلق لغة جديدة للتعبير عن مظلوميتها.

بالتالي، إنَّ إدراك البنية الخفية للخطاب يعيننا على عدم الانسياق الأعمى وراء أي موجة كلامية جديدة دون تفكيك مضامينها. وفي ظل تسارع الأحداث والابتكارات، سنشهد بلا شك ميلاد المزيد من المصطلحات مستقبلاً – ربما «الميتافيرس» (العوالم الافتراضية) أو «الذكاء العام الاصطناعي» وغيرها – وستبدأ رحلتها هي الأخرى في تشكيل الواقع وصناعة القناعات.

في الختام: يمكن القول إنَّ معركة المصطلحات هي معركة على الوعي والفهم قبل أنْ تكون خلافاً لفظياً. وكلما تعمّقنا في تحليل معاني هذه الكلمات الرنانة وسياقاتها، تضاءلت قدرتها على تضليلنا أو توجيهنا قسراً. لقد صار من الضروري للمثقف والقارئ العربي، بل وللمواطن العادي المهتم، أنْ يتحلّى بملكة نقد الخطاب وتفكيك المفاهيم بدلاً من اجترارها. فوسط طوفان المعلومات في عصرنا، الوعي اللغوي النقدي هو طوق النجاة الذي يمكّننا من المشاركة الواعية في النقاش العام وصناعة القرار. والتسلح بهذا الوعي يضمن ألا نبقى مجرد متلقين سلبيين للأفكار المستوردة، بل نصبح قادرين على إنتاج مفاهيمنا ورؤانا الخاصة التي تعبّر عن واقعنا وطموحاتنا بمنتهى الوضوح والرُشد

          
Tags: إجماع واشنطنإعادة التوطين الصناعياقتصاد السوقاقتصاد المعرفةالأمن السيبرانيالإرهاب الدوليالاستدامةالاقتصاد الأخضرالاقتصاد الرقميالتعددية القطبية.الحرب الوقائيةالحمائية التقنيةالحوكمة الرشيدةالحوكمة العالميةالخصخصةالدولة العميقةالديمقراطية التمثيليةالذكاء الاصطناعيالشعبويةالشفافيةالعدالة الخوارزميةالعولمةاللايقين الجيوسياسيالمرونة الاقتصاديةالنيوليبراليةرأس المال الاجتماعيرأس المال المعلوماتيرأسمالية المراقبةسيادة البياناتصراع الحضاراتمرونة سوق العمل
المقالة السابقة

نبوءة جبران وسوريا: هل نحن “الأمة” التي حذر منها؟

المقالة التالية

تقرير حول التكلفة الجيوسياسية لـ “العالم الثالث” – تحليل خطاب الهجرة الأمريكي المعاصر

فريق تحرير مآلات

فريق تحرير مآلات

Maalat.com مآلات..رؤى سورية مستقبلية

متعلق بـ المقاله

حمص مهد الوعي والطاقة الحيوية يمتد لمليون ونصف المليون عام
ملفات

حمص: مهد الوعي والطاقة الحيوية يمتد لمليون ونصف المليون عام

د. عزام كروما
2025-12-09
هل تقودنا الثورة المضادة إلى الانفصال؟ حكاية جبل العرب تقول الكثير
ملفات

هل تقودنا الثورة المضادة إلى الانفصال؟ حكاية جبل العرب تقول الكثير

فريق تحرير مآلات
2025-04-14
الأضاحي في الحضارة السورية وتأثيرها على الديانات
ملفات

الأضاحي في الحضارة السورية وتأثيرها على الأديان

د. جورج توما
2024-08-22
المحكمة الجنائية الدولية.. تعزيز العدالة
ملفات

المحكمة الجنائية الدولية.. تعزيز العدالة

صفاء مقداد
2024-08-22
حسابات إسرائيلية لصيد السوريين وخلط الحابل بالنابل
ملفات

حسابات إسرائيلية لصيد السوريين وخلط الحابل بالنابل 

فريق تحرير مآلات
2024-07-26
تحليل مقارن: أدب الأطفال بين الصهاينة والعرب وتأثيره على الأجيال
ملفات

أدب الأطفال عند الصهاينة والعرب وتأثيره على الأجيال

فريق تحرير مآلات
2024-07-02
المقالة التالية
تقرير حول التكلفة الجيوسياسية للعالم الثالث - تحليل خطاب الهجرة الأمريكي المعاصر

تقرير حول التكلفة الجيوسياسية لـ "العالم الثالث" - تحليل خطاب الهجرة الأمريكي المعاصر

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
guest
0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

أحدث المقالات

  • فنزويلا كنقطة تحوّل في الصراع الأمريكي الصيني: النفط كأداة إدارة سياسية
  • تاريخ السجق والنقانق: كيف وُلدت فكرة “اللحم المحفوظ” في الهلال الخصيب؟
  • «إدارة التوحّش»: كيف تتحول الفوضى إلى سلطة قسرية؟ قراءة نقدية في منطق التنظيمات المتطرفة
  • تفكيك الميليشيات شرط فهم الفوضى… ولماذا يتضاعف الجدل بعد انتصار الثورة؟
  • أكيتو بريخو: أنثروبولوجيا التجدد من سماء سوريا القديمة إلى أسئلة 2026

أحدث التعليقات

  1. مآلات على مؤتمر “أربعاء حمص” يجمع أكثر من 13 مليون دولار لدعم التعليم والصحة والبنى التحتية في المدينة
  2. مآلات على مؤتمر “أربعاء حمص” يجمع أكثر من 13 مليون دولار لدعم التعليم والصحة والبنى التحتية في المدينة
  3. مآلات على مؤتمر “أربعاء حمص” يجمع أكثر من 13 مليون دولار لدعم التعليم والصحة والبنى التحتية في المدينة
  4. مآلات على مؤتمر “أربعاء حمص” يجمع أكثر من 13 مليون دولار لدعم التعليم والصحة والبنى التحتية في المدينة
  5. Henry Schumm على مؤتمر “أربعاء حمص” يجمع أكثر من 13 مليون دولار لدعم التعليم والصحة والبنى التحتية في المدينة

ارشيف مآلات

4793 - 477 (267) 1+
E-mail - support@maalat.com
مالات .. سورية رؤى مستقبلية
DMCA.com Protection Status
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
Menu
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
جميع الحقوق محفوظة © بموجب قانون الألفية لعام 2023 - مآلات - سورية .. رؤى مستقبلية

إضافة قائمة تشغيل جديدة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. قم بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.