المقدمة
يشكل الإعلان عن “وقف دائم للهجرة من جميع دول العالم الثالث” 1 خروجاً خطيراً عن الأعراف الدبلوماسية المستقرة والتصنيفات الجيوسياسية المعاصرة. يوضح هذا التقرير كيف أن توظيف مصطلح “العالم الثالث” البالي هو بمثابة سلاح سياسي متعمد يهدف إلى إرضاء قاعدة سياسية داخلية، متجاهلاً التداعيات الدولية الخطيرة.
يقوم هذا الخطاب، الذي صدر في بيان متأخر عشية عيد الشكر 2، بتصنيف دول بأكملها بشكل تعسفي ضمن إطار “متخلف” و”معادٍ“، مما يقوض عقوداً من العمل الدبلوماسي الذي يهدف إلى بناء الشراكات. إن استخدام مصطلح “العالم الثالث” ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو إشارة واضحة إلى نية الولايات المتحدة في فرض تسلسل هرمي عالمي أحادي الجانب. ويكشف تحليل الأهداف الضمنية للسياسة – المتمثلة في “الهجرة العكسية” (REVERSE MIGRATION) 3 – أنها تستهدف بشكل غير متناسب الفئات الأكثر ضعفاً في العالم (الدول الأقل نمواً) بالتزامن مع استهداف الخصوم السياسيين، مما يوحد كتلة الجنوب العالمي المتنوعة ضد الهيمنة الأمريكية.
أولاً: تفكيك إعلان السياسة الصادر في 28 نوفمبر
أ. الإطار الخطابي: الوقف الدائم وهدف “الهجرة العكسية“
يعكس البيان الصادر عن الرئيس السابق دونالد ترامب في 28 نوفمبر حول الهجرة تحولاً جذرياً في السياسة تجاه مفهوم الاستبعاد الشامل. تمحور الالتزام السياسي الأساسي حول فرض “وقف دائم” للهجرة القادمة من مجموعة الدول غير الواضحة المعرّفة بـ “دول العالم الثالث”.1 وتتجاوز اللغة المستخدمة مجرد الضبط التنظيمي أو التدقيق الأمني، متجهة نحو هدف صريح وهو “الهجرة العكسية”.3 يشير هذا المصطلح إلى نية واضحة لتخفيض صافي عدد السكان المهاجرين، وهو ما يتجاوز آليات السيطرة المعتادة إلى منهجية تهدف إلى تقليل عدد السكان المقيمين بشكل منهجي.
وقد اعتمد الخطاب على سرد يربط الهجرة بـ “تآكل المكاسب التقنية وظروف المعيشة للعديد من الأمريكيين“.3 واستخدم الرئيس ترامب “خطاباً معادياً للمهاجرين لاذعاً” 2 لتحميل المهاجرين واللاجئين المسؤولية عن قضايا مجتمعية معقدة، مثل ارتفاع معدلات الجريمة والعجز المتزايد في الميزانية وتواجد “السكان المخلين بالنظام وغير القانونيين”.2 من الأهمية بمكان ملاحظة أن هذه الادعاءات حول تأثير الهجرة على التوظيف والجريمة ظلت محل خلاف طويل الأمد في النقاش العام، وكثيراً ما تُطرح “دون دليل” ملموس.2 إن ربط الهجرة من تصنيف جغرافي عام (“العالم الثالث”) بشكل مباشر بالإجرام والسرقة والتدمير 4 يخدم هدفاً استراتيجياً يتمثل في نزع الشرعية عن دول بأكملها في نظر الجمهور المحلي. يسمح هذا التأطير للحكومة بتبرير سياسة تمييزية قصوى دون الحاجة إلى تقديم بيانات أمنية تجريبية دقيقة. لو كانت السياسة تستند فقط إلى تقييمات المخاطر الأمنية، لكانت قد استهدفت مناطق نزاع أو منظمات محددة، لكن استخدام المصطلح المهين اقتصادياً/سياسياً “العالم الثالث” يشير إلى أن السبب الجذري المفترض هو الطبيعة المتأصلة للمجتمعات الأصلية، محولاً بذلك السياسة الخارجية إلى قضية حرب ثقافية داخلية.
ب. الفراغ السياسي: الغموض كأداة سياسية
إن الغموض هو سمة أساسية في هذا الإعلان، حيث يشكل نقطة ضعف تشريعية ولكنه يُعتبر في الوقت نفسه ميزة سياسية استراتيجية. لم يتم توضيح المعايير التي تحدد ما هو “دولة عالم ثالث“.2 هذا الفشل في تقديم تعريف واضح يجعل التخطيط الإداري والامتثال القانوني أمراً مستحيلاً، ويسمح للإدارة باتخاذ قرارات مستقبلاً بناءً على أسس سياسية أو مزاجية.
عندما سُئلت وزارة الأمن الداخلي (DHS) عن توضيح حول الدول المستهدفة، أشارت إلى قائمة حظر سفر سابقة شملت 19 دولة.2 هذه القائمة، التي تتضمن دولاً مثل أفغانستان ولاوس وبوروندي وتوغو وفنزويلا 6، هي التعريف العملي الوحيد المتاح لنطاق السياسة المستهدفة. ويُظهر هذا الاعتماد على قائمة مسبقة، تتألف من دول ذات تحديات تنموية (مثل أفغانستان وبوروندي) ودول ذات خلاف سياسي مع واشنطن (مثل فنزويلا)، أن مصطلح “العالم الثالث” يُستخدم كواجهة لتجميع أهداف سياسية واقتصادية غير مترابطة تحت مظلة واحدة من الإقصاء.

ثانياً: الإرث التاريخي: لماذا “العالم الثالث” مصطلح جيوسياسي عفا عليه الزمن
أ. صياغة ألفريد سوفي: الثلاثية التي نشأت في الحرب الباردة
لفهم الضرر الذي يلحقه الخطاب المعاصر، لا بد من العودة إلى الأصل الدقيق للمصطلح. يعود الفضل في صياغة مصطلح “العالم الثالث” إلى عالم الديموغرافيا والاجتماع الفرنسي ألفريد سوفي في عام 1952، ضمن مقال بعنوان “ثلاثة عوالم، كوكب واحد“.7 كان الهدف الأصلي سياسياً بحتاً، يصف الدول التي لم تكن منحازة أيديولوجياً لا للعالم الأول (الديمقراطيات الصناعية بقيادة الولايات المتحدة) ولا للعالم الثاني (الدول الشيوعية والاشتراكية تحت النفوذ السوفيتي) خلال الحرب الباردة.5
ضمن إطار سوفي، كانت دول العالم الأول تشمل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان وأستراليا، بينما شمل العالم الثاني الجمهوريات السوفيتية وحلفاءها في أوروبا الشرقية وآسيا.5 أما العالم الثالث، فكان يضم مجموعة واسعة ومتنوعة من الدول، معظمها مستعمرات سابقة أو دول حديثة الاستقلال في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. على سبيل المثال، كانت الهند، التي تبنت عدم الانحياز، تندرج فنياً تحت هذا التصنيف في سياقه الأصلي.5 كان التعريف إذن تعريفاً سياسياً، غير مرتبط بالضرورة بالفقر أو التنمية.
ب. التآكل الدلالي والإجماع الدولي
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، فقد مصطلح “العالم الثالث” معناه السياسي الأصلي وأصبح عفا عليه الزمن بشكل متزايد.8 حدث تحول دلالي جعله مرادفاً للتخلف، انخفاض الدخل، والفقر.5 وبات المصطلح يُستخدم بشكل شائع، وإن كان غير دقيق، لوصف البلدان النامية أو منخفضة الدخل.7
لقد اتفقت المؤسسات الدولية والخبراء على نبذ هذا المصطلح. يُعتبر “العالم الثالث” اليوم مصطلحاً قديماً ومسيئاً، وتم استبداله بتصنيفات أكثر دقة وحيادية مثل “البلدان النامية” أو “البلدان منخفضة الدخل“.7 إن القرار الواعي بإحياء واستخدام هذا المصطلح البالي والمُسيء 5 من قِبل الخطاب السياسي يمثل دلالة واضحة. إنه يشير إلى رفض متعمد للتقدم الدبلوماسي الذي حدث بعد الحرب الباردة، ورغبة في العودة إلى نظرة عالمية هرمية و اختزالية. هذا الاختيار يتجاوز عمداً جميع التصنيفات الجيوسياسية المعاصرة والمبنية على البيانات. ولأن صناع السياسة في الولايات المتحدة مطلعون جيداً على تاريخ المصطلحات العالمية وتطورها.
إنَّ الاختيار الواعي لاستخدام مصطلح “عفا عليه الزمن” هو إشارة واضحة للمجتمع الدولي بأن الولايات المتحدة تعتزم فرض هيكل تسلسل هرمي عالمي يُعرّف بمصالحها، متجاهلة بذلك السيادة والهوية السياسية لهذه الدول.
ثالثاً: الخرائط الجيوسياسية الحديثة: استبدال معجم الحرب الباردة
أ. إطار الأمم المتحدة: التمييز بين الدول الأقل نمواً والأسواق الناشئة
تعتمد المنظمات الدولية الحديثة اليوم على تصنيفات دقيقة ومبنية على بيانات اقتصادية يمكن التحقق منها.7 توفر منظمة التجارة العالمية والهيئات الأخرى أطراً لتصنيف الدول بناءً على مستويات التنمية والدخل.
تصنيف الدول الأقل نمواً (LDCs):
أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة فئة الدول الأقل نمواً في عام 1971 اعترافاً بالحاجة إلى تدابير دعم خاصة لمساعدة الدول الأكثر تخلفاً بين الدول النامية.9 التعريفات صارمة وتستند إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية11:
- الدخل (GNI): يجب أن يقل متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي (GNI) عن حد معين (1,088 دولاراً أمريكياً في مراجعة 2024).9
- الأصول البشرية (HAI): يجب أن تحقق هذه الدول درجات منخفضة في مؤشر الأصول البشرية، الذي يقيس مخرجات الصحة والتعليم (مثل معدلات وفيات الأمهات والأطفال، ومعدلات محو الأمية).9
- الضعف الاقتصادي: يشمل مؤشرات مثل عدم استقرار الإنتاج الزراعي، تركيز الصادرات، وحجم الاقتصاد الصغير، ونسبة السكان النازحين بسبب الكوارث الطبيعية.11
تتميز هذه الدول بعقبات هيكلية خطيرة أمام التنمية المستدامة.9 واعتباراً من ديسمبر 2024، تندرج 44 دولة في فئة الدول الأقل نمواً، أغلبها في أفريقيا وآسيا.10 إن استخدام مصطلح عشوائي مثل “العالم الثالث” يتجاهل هذا التمييز الدقيق ويزيل الفروق الجوهرية بين الاقتصادات التي تحتاج إلى دعم تنموي خاص وتلك التي تصنف كأسواق ناشئة.
ب. صعود الجنوب العالمي: هوية سياسية تتجاوز المؤشرات الاقتصادية
يمثل “الجنوب العالمي” مفهوماً لا يمكن فصله عن “العالم الثالث” ولكنه نشأ كنقد للتحديات التي واجهها المشروع التنموي والتحول نحو النيوليبرالية في منتصف السبعينات.12 على عكس التصنيفات الاقتصادية البحتة، يعد الجنوب العالمي تكتلاً ذا أهمية سياسية ورمزية، يمثل مجموعة من الدول التي تتقاسم تاريخاً من الاستغلال والاستعمار.8
الجنوب العالمي ككتلة سياسية:
يُعرّف هذا التكتل بهويته السياسية الموجهة نحو القيمة 8، مدفوعة بوجهة نظر هيكلية ترى أن دول الجنوب تقع على هامش “المركز الشمالي” المتطور الذي يتحكم في التدفقات المالية والابتكار التكنولوجي، مما يعيق تحولها.14 وعلى الرغم من التنوع الاقتصادي الهائل داخل هذه الكتلة – حيث تضم دولاً ذات بنية تحتية ضعيفة ومستويات دخل منخفضة 15 إلى جانب قوى اقتصادية كبرى ضمن البريكس (BRICS) ومنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) 16 – إلا أنها تتوحد في السعي لإعادة تشكيل نظام الحوكمة العالمية.
على الرغم من أن دول الجنوب العالمي تمثل نسبة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي والسكان، فإن صوتها لا يزال مهمشاً في المؤسسات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.16 على سبيل المثال، تحتفظ الولايات المتحدة بحصة تصويت في صندوق النقد الدولي تمنحها حق النقض على القرارات الرئيسية، بينما تمتلك أكثر من 40 دولة أفريقية من جنوب الصحراء أقل من 5% من حصص التصويت مجتمعة.16 هذا التفاوت هو الدافع وراء المطالب بالإصلاح ويعزز الشعور بأن القواعد تُكتب في الشمال بينما تُفرض التكاليف بشكل غير متناسب على الجنوب.16
من خلال وصف هذه الدول بـ “العالم الثالث” بشكل فظ، تخاطر الولايات المتحدة بتنفير هذه الكتلة المتنوعة والمتحدة سياسياً. هذا الإهانة الخطابية تدعم النقد الأساسي لتلك الدول بأن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة “بالٍ” ومصمم لقمع سيادتها.8 إن استخدام هذا المصطلح المقيت يعطي هدية سياسية لهذه الكتلة، معززاً مكانة منظمات مثل البريكس التي تسعى لتقديم بديل غير مركزي وغربي للهيمنة.
رابعاً: غموض السياسة: تحديد الهدف غير المحدد
أ. رسم خريطة الهدف: قيود الأمن الداخلي مقابل معايير الأمم المتحدة
تكشف مراجعة قائمة الدول التي أشار إليها الأمن الداخلي (DHS) كبديل عملي لتصنيف “العالم الثالث” 2 أن تعريف الإدارة لهذا المصطلح ليس اقتصادياً أو تنموياً، بل هو مزيج استراتيجي بين الفقر/عدم الاستقرار والعداء السياسي.
تحليل الأهداف يكشف عن استراتيجية استهداف هجينة. ففي حين أن القائمة تحتوي على دول تعتبر من الدول الأقل نمواً وتواجه تحديات هيكلية حادة (مثل أفغانستان وبوروندي وتوغو ولاوس) 6، فإنها تشمل أيضاً دولاً لا تندرج ضمن فئة الدول الأقل نمواً ولكنها خصم سياسي للولايات المتحدة (مثل فنزويلا).6 وهذا يؤكد أن الإدارة تستخدم مصطلح “العالم الثالث” كغطاء للجمع بين قيود تعسفية تستند إلى معيارين غير متناسقين: الحرمان الاقتصادي والوضع السياسي المعادي.

ب. تناقض المعايير وعواقب الإقصاء التعسفي
يشير التداخل الكبير بين قائمة DHS وقائمة الدول الأقل نمواً التابعة للأمم المتحدة إلى أن الحظر المقترح يستهدف بشكل غير متناسب الفئات السكانية الأكثر ضعفاً في العالم.9 هؤلاء هم أولئك المؤهلون للحصول على مساعدة دولية خاصة بسبب المعوقات الهيكلية القصوى.
وفي الوقت نفسه، فإن النقطة المحورية للانحراف هي إدراج دول مثل فنزويلا، التي لا تعتبر من الدول الأقل نمواً ولكنها تصنف كدولة ذات نظام معادٍ للولايات المتحدة.6 هذا التناقض يؤكد أن الإدارة تستخدم المصطلح لتجميع الفشل الاقتصادي والمعارضة السياسية تحت مبرر واحد. يتمثل هذا في آلية الإقصاء التعسفي. لو كان الغرض هو الإدارة الاقتصادية، لتم استخدام مقاييس مثل معايير الأمم المتحدة للدول الأقل نمواً. ولو كان الغرض أمنياً بحتاً، لتم تحديد المعايير بناءً على رعاة الإرهاب أو مناطق النزاع. ولكن استخدام قائمة هجينة وذاتية التقدير تحت قناع “العالم الثالث” يهدف إلى تجنب الوضوح القانوني وتعظيم القدرة على المناورة السياسية فيما يتعلق بالأهداف الانتقائية الحقيقية.
وهذا الإقصاء التعسفي ينتهك مبادئ العدالة الدولية والمعايير المتعددة الأطراف، مؤكداً أسوأ مخاوف الجنوب العالمي: أن الولايات المتحدة لا تنظر إليهم من خلال عدسة الشراكة التنموية، بل من خلال العمل العقابي والانفرادي.
خامساً: التحليل الجيوسياسي: تكلفة الخطاب الانقسامي
أ. تآكل القوة الناعمة وتقويض الفعالية الدبلوماسية
إن الخطاب الرئاسي الذي يستخدم لغة مهينة يلحق ضرراً مباشراً بمصداقية الدبلوماسيين الأمريكيين على مستوى العالم.17 يجد المسؤولون الأمريكيون المشاركون في مفاوضات حساسة، سواء حول الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الاستقرار الإقليمي، أن نظرائهم يتحدون دوافعهم، مستشهدين بتناقضات الرئيس أو لغته المسيئة.17
العائق الدبلوماسي: تصبح مهمة وزارة الخارجية الأمريكية شبه مستحيلة عندما يتم استهداف مناطق بأكملها بالإهانة والوصم. يخشى الشركاء من أن الرئيس قد يتناقض مع الدبلوماسيين “في أي نقطة”، مما يؤدي بهم إلى البحث عن تحالفات أكثر استقراراً، حتى لو كانت مختلفة أيديولوجياً.17 إن الدبلوماسية تتطلب إطاراً متسقاً، والسياسة التي يتم التعبير عنها من خلال الإهانات تجعل من المستحيل على وزارة الخارجية بناء “نهج دبلوماسي مستدام”.17 عندما يستخدم زعيم الولايات المتحدة “خطاباً معادياً للمهاجرين لاذعاً” وادعاءات لا أساس لها تربط الهجرة بالجريمة 2، فإن قدرة الولايات المتحدة على القيادة في القضايا العالمية التي تتطلب التزامات أخلاقية مشتركة—مثل الصحة العامة أو المساعدة الإنسانية—تتعرض لضرر بالغ.
ب. التأثير على التجارة العالمية، الأمن، وتعددية الأطراف
إن الهجمات الخطابية على مناطق بأكملها تخلق نقاط ضعف استراتيجية من خلال تنفير الدول التي يعد تعاونها حيوياً للمصالح الأمنية الأمريكية (مثل أفريقيا لمكافحة الإرهاب، وآسيا لاستقرار سلاسل الإمداد). وتستغل القوى المنافسة هذه الفجوة لتقديم المساعدة والشراكة غير الحكمية، مما يقلل من النفوذ الأمريكي بشكل مطرد.16
رد الفعل الاقتصادي ومخاطر المعاملة بالمثل:
إن الطبيعة الأحادية للوقف المقترح للهجرة تذكر بالسياسات التجارية الحمائية، مثل استهداف 194 دولة بالتعريفات الجمركية.18 مثل هذه الإجراءات تهدد بفرض تعريفات متبادلة، مما يعطل سلاسل الإمداد العالمية ويسبب ضرراً اقتصادياً لقطاعات أمريكية رئيسية مثل الزراعة.18
تقويض السيادة المالية:
يتفق الخطاب المهاجم على الهوية مع نهج أمريكي أوسع وأحادي الجانب تجاه الاقتصاد العالمي. تنظر دول الجنوب العالمي إلى آليات معينة – مثل آلية تعديل الحدود الكربونية (CBAM) أو محاولات فرض حد أدنى عالمي لضريبة الشركات – على أنها تفرض عقوبات غير عادلة على صادراتها وتجردها من أدوات مشروعة كانت تستخدمها الدول الغنية نفسها لتحقيق التصنيع وخلق فرص العمل.16 من وجهة نظر الجنوب، هذه “القواعد تُكتب في الشمال”، وتكلفته تقع على عاتقهم بشكل غير متناسب.14
توحيد الجنوب العالمي عبر الإقصاء:
على الرغم من الاختلافات الداخلية الشاسعة، تجد دول الجنوب العالمي وحدة سياسية في معارضة السياسات التي تهدف إلى تقييد تحولها الاقتصادي.16 إن استخدام مصطلح “العالم الثالث” هو بمثابة هدية سياسية موحدة لهذه الكتلة. عندما تفشل الولايات المتحدة في احترام سيادة وهوية هذه الدول، فإنها تسرع من إعادة الاصطفاف الجيوسياسي العالمي، مما يؤكد لأغلبية سكان العالم أن الولايات المتحدة لا تتعامل إلا بطريقة هرمية وعقدية. علاوة على ذلك، من الناحية العملية، فإن “الوقف الدائم” الذي يعتمد على تعريف غير واضح لـ “العالم الثالث” سيواجه تحديات قانونية فورية ومطولة في المحاكم الأمريكية، على غرار حظر السفر السابق 2، مما يؤدي إلى عدم اليقين في السياسة والفوضى الإدارية.
سادساً: الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية للسياسة
أ. الضرر المستمر للتسليح الخطابي
يشكل “الوقف الدائم” المقترح للهجرة ممارسة جيوسياسية في التراجع اللغوي. فمن خلال إحياء تسمية “العالم الثالث”، تستبدل الإدارة الانخراط الدقيق في السياسة الخارجية بالسياسات الداخلية القائمة على المظالم. تنجح هذه الاستراتيجية في استهداف أفقر سكان العالم (الدول الأقل نمواً) والخصوم السياسيين في آن واحد، باستخدام إهانة قديمة لتجنب المساءلة وزيادة الانقسام السياسي.
والنتيجة هي خسارة فادحة في القوة الناعمة للولايات المتحدة، ومصداقيتها الدبلوماسية، وإمكانية التوافق الاستراتيجي مع كتلة الجنوب العالمي الحيوية اقتصادياً والمؤكدة لنفسها بشكل متزايد. إن الخطاب يغذي السرد الذي يروج له المنافسون بأن الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى العالم من خلال عدسة تسلسل هرمي مهيمن، مما يدفع الشركاء المحتملين نحو بدائل غير غربية.
ب. التوصيات الاستراتيجية للسياسة
استناداً إلى التحليل، يجب على واشنطن اتخاذ إجراءات فورية للتخفيف من الأضرار الجيوسياسية وإعادة بناء جسور الثقة مع الجنوب العالمي:
- الالتزام الإلزامي بالمعجم المعترف به: يجب على جميع الاتصالات الرسمية للحكومة الأمريكية والوثائق الرسمية الالتزام الصارم بنظم التصنيف الدولية المعترف بها والمحايدة (مثل الدول الأقل نمواً، الدول النامية، الأسواق الناشئة، الجنوب العالمي) لاستعادة الدقة التحليلية والاحترام الدبلوماسي.
- فصل سياسات الأمن عن التنمية: يجب أن تميز السياسات المستقبلية بوضوح بين القيود القائمة على الأمن (على سبيل المثال، استهداف أنظمة معادية محددة أو منظمات إرهابية) وسياسات المساعدة الإنسانية/التنموية. يجب تجنب الخلط بين هذه القضايا تحت مصطلح مهين وشامل.
- إعادة الانخراط مع الجنوب العالمي: يجب على الولايات المتحدة أن تعمل بشكل استباقي لمواجهة سرد الاستغلال الشمالي من خلال الدعم الواضح لمطالب الجنوب بتمثيل عادل في المؤسسات العالمية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) ومعالجة الاختلالات الاقتصادية الهيكلية التي تضر بدول الجنوب.16
- استعادة مصداقية وزارة الخارجية: يجب مواءمة الخطاب الرئاسي مع الأهداف الدبلوماسية، لضمان عدم تقويض المسؤولين الأمريكيين في الخارج، مما يسمح لهم بإعادة بناء الشراكات المستدامة الضرورية للاستقرار العالمي على المدى الطويل.17 إن الشراكة الموثوقة هي الاستثمار الوحيد القادر على مواجهة التحديات العالمية المشتركة بنجاح.
مصادر توثيقية وردت في النص
- In Thanksgiving Message, Trump Rants Against Immigration | TIME, accessed November 29, 2025, https://time.com/7337279/trump-thanksgiving-message-immigration-pause-third-world-travel-ban-afghanistan/
- Trump says he will ‘permanently pause’ migration from ‘third world …, accessed November 29, 2025, https://www.theguardian.com/us-news/2025/nov/28/trump-says-he-will-permanently-pause-migration-from-third-world-countries-after-national-guard-shooting
- Trump vows to clamp down on migration from developing nations after D.C. attack, accessed November 29, 2025, https://www.cbc.ca/news/world/us-trump-posts-immigration-9.6995862
- ‘I will permanently pause migration from third world countries’ – Will Trump’s fury impact Indians?, accessed November 29, 2025, https://www.financialexpress.com/world-news/us-news/trump-to-permanently-pause-migration-for-third-world-nations-after-green-card-review-everything-hes-said/4058857/
- Trump’s ‘Third World Countries’ Explained: What US President Didn’t Specify, and Why It Matters, accessed November 29, 2025, https://www.outlookbusiness.com/explainers/donald-trumps-third-world-countries-explained-what-us-president-didnt-specify-and-why-it-matters
- Trump launches massive review of immigration cases including Green Card holders of 19 countries, accessed November 29, 2025, https://m.economictimes.com/nri/latest-updates/trump-administration-to-carry-out-sweeping-immigration-review-after-national-guard-shooting/articleshow/125626860.cms
- “Third World” Countries: Definitions, Criteria, and Modern Classifications – Investopedia, accessed November 29, 2025, https://www.investopedia.com/terms/t/third-world.asp
- The Elusive Global South, accessed November 29, 2025, https://www.ui.se/globalassets/ui.se-eng/publications/ui-publications/2024/ui-brief-no.-7-2024.pdf
- LDC Category | Office of the High Representative for the Least Developed Countries, Landlocked Developing Countries and Small Island Developing States – the United Nations, accessed November 29, 2025, https://www.un.org/ohrlls/content/ldc-category
- UN list of least developed countries – UNCTAD, accessed November 29, 2025, https://unctad.org/topic/least-developed-countries/list
- Least developed countries – Wikipedia, accessed November 29, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Least_developed_countries
- From the Third World to the Global South: Lives and afterlives of a global political project, accessed November 29, 2025, https://kapuscinskilectures.eu/lecture/from-the-third-world-to-the-global-south/
- A Closer Look at the Global South | Carnegie Endowment for International Peace, accessed November 29, 2025, https://carnegieendowment.org/research/2024/05/global-south-colonialism-imperialism?lang=en
- Southern discomfort: is there value in the concept of the Global South?, accessed November 29, 2025, https://www.qeh.ox.ac.uk/blog/southern-discomfort-there-value-concept-global-south
- Global North and Global South – Wikipedia, accessed November 29, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Global_North_and_Global_South
- Recalibrating global governance: Giving the Global South its seat at the table, accessed November 29, 2025, https://www.chinadaily.com.cn/a/202511/27/WS6927f01da310d6866eb2bb67.html
- THE COST OF TRUMP’S FOREIGN POLICY: DAMAGE AND CONSEQUENCES FOR U.S. AND GLOBAL SECURITY – GovInfo, accessed November 29, 2025, https://www.govinfo.gov/content/pkg/CPRT-116SPRT44275/html/CPRT-116SPRT44275.htm
- From Tariffs to Cyber Threats: The Global Fallout of Trump’s Foreign Policy – The Fulcrum, accessed November 29, 2025, https://thefulcrum.us/governance-legislation/trump-foreign-policy







