تمهيد
قبل أن يُطلق البيت الأبيض عملية عين الصقر في شمال وشرق سوريا الجمعة الماضية، ربما كان السؤال الأكثر أهمية، يدور حول مستقبل العلاقة بين دمشق وقسد، مع اقتراب مهلة تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، على النفاذ مع نهاية العام الحالي، عما إذا كانت التسوية، سوف تتغلب على فكرة إعمال القوة، لإخضاع من يعرقل تسوية هذا الملف الشائك والمعقد، في المشهد السوري الراهن.
«ربما كان السؤال الأكثر أهمية، يدور حول مستقبل العلاقة بين دمشق وقسد… عما إذا كانت التسوية، سوف تتغلب على فكرة إعمال القوة».
عملية “عين الصقر” كحدث ورسائل
تُعدّ العملية الانتقامية التي نفذتها القيادة المركزية الامريكية SENTCOM، ضد داعش، عملية نوعية، ليس بالمفهوم العسكري، فحسب، وإنما من حيث الرسائل والدروس المستفادة منها. قد لا تكون النتائج على الأرض ذات أثر كبير، لكنه ضروري. لأن داعش كتنظيم لم يعد موجوداً، وليس لديه معسكرات أو مقرات واضحة يمكن استهدافها، وبالتالي استئصال نشاطها. ما هو موجود اليوم هي ” الفلول ” بقايا العناصر التي كانت جزءا من التنظيم الإرهابي الذي روّع المدنيين في سوريا والعراق، وهدد الاستقرار والمصالح الاستراتيجية الدولية، في المنطقة.
لماذا تبرز أهمية العملية الآن؟
إنَّ أهمية عملية عين الصقر، يمكن تلمسها، عبر جملة من المعطيات، أهمها، هو استمرار حرص الإدارة الأمريكية، على مواجهة اي احتمال لإعادة إحياء وبناء هذا التنظيم، وبالتالي، منع اي محاولات لتقويض استراتيجيات فرض الاستقرار في المنطقة، خاصة بعد سقوط التحالف الإيراني – الروسي – الأسدي، والذي أسس لانتشار الفوضى، على قاعدة الفراغ الذي كانت تشيع أنها تملؤه، على الرغم من خروج منطقة البادية من تحكم أي سلطة، باستثناء القوة الجوية الفعّالة، والتي تحوزها قوات التحالف الدولي دون غيرها.

مسرح البادية: فراغ أمني وحركة خلايا
في هذا الفضاء الممتد في الصحراء والبادية السورية مابين حمص و الرقة و دير الزور، كانت الخلايا النائمة تتحرك بصورة انفرادية، في ما تبقى من مواقع عسكرية إيرانية وسورية مشتركة، دون اي شبكة تنظيمية، ودون أي رقيب، كما يفترض، وتلك مسألة أولى.
المسألة الثانية: تعاون أمني سوري–أميركي ضد الإرهاب
المسألة الثانية تتمثل في أنها، تعطي صورة مهمة عن التعاون الأمني بين السلطة السورية، والولايات المتحدة، بشأن محاربة الإرهاب، وهو ما تمثل في الإعلان مؤخراً عن انضمام دمشق للتحالف الدولي لمحاربة داعش. وقد اعتبر الرئيس الأمريكي ترامب أن الاعتداء الإرهابي، طال الجنود السوريين كما الأمريكيين على حدّ سواء. وفي الواقع، فإن هذا التعاون كان من ثمراته تبادل المعلومات، وتنسيق الجهود، فيما يبدو عليه الأمر في عملية عين الصقر، بل إن الخارجية الأمريكية التقطت على الفور موقف الخارجية السورية بشأن تلك العملية، ورأت فيه ” موافقة سورية على تعقب الأنشطة الإرهابية وتقويضها، فوق الأراضي السورية“، دون أن يعقب ذلك أي تصريح من الخارجية السورية، بالنفي أو التاكيد، وهو ما يعني القبول ضمناً.
مؤشرين في سياق التعاون وتبدل الأولويات
وفي هذا السياق مؤشران هامّان، في اعتقادنا:
أولاهما: أن واشنطن تمضي بجدية في التعاون مع دمشق في محاربة الإرهاب، وفي فرض الإستقرار الأمني في المنطقة، وعلى أن الدولة السورية يجب تمكينها من فرض سيطرتها وسلطتها على كامل الاراضي، بما يخدم تلك المصالح المشتركة.
الثاني: وهو يتصل بقوات سوريا الديمقراطية -التي تعدّ أداة التحالف الدولي المحلية، وذراعه الضاربة على الارض خاصة في جميع المناطق التي تحتلها- في أنها لم تستطع حماية القوات الأمريكية من أي هجمات تشنها داعش، خاصة عملية تدمر في 13 كانون الأول الماضي، ويبدو التقييم الأولي لتطورات الوضع يفيد بوضوح الى أن قسد فشلت في مهمة تعقب الخلايا النائمة ومحاربتها في مناطق عملياتها وسيطرتها. ويعطي ذلك مؤشراً مهماً في أن الولايات المتحدة، ماضية في تأسيس شراكة أمنية استراتيجية مع دمشق، مع تقليص واضح في الاعتماد على الميليشيا التي تبدو أن وظيفتها لم تعد ذات فاعلية.
فرضية “من المستفيد؟” وتشكل سرديات الاتهام
في حقيقة الأمر، سرت خلال الاسبوع الذي تلى عملية داعش ضد الدورية الامريكية – السورية، كثير من التحليلات التي ترى في أن قسد قد تكون على علاقة ما في تلك الهجمة الإرهابية، لأن الإجابة المباشرة لسؤال بسيط: من المستفيد، سوف تقودنا الى جهة واحدة هي قسد، لتقول ” لقد حذرنا دائما من استمرار وجود داعش، وأن قوات سوريا الديمقراطية يقظة على الدوام لمحاربة الإرهاب” وهي الدعاوة الاعلامية والسياسة التي طالما تحدثت بها قسد، في مواجهة أي دعوات لتفكيكها، بانتهاء دورها الوظيفي، وتحوّلها إلى أداة قمع وترهيب، ضد أهالي منطقة الجزيرة السورية.
«لقد فشلت قسد في تعقب أي ” فلول ، أو خلايا، أو أفراد ” داعشيين خلال السنوات الأخيرة.»
سجلّ الأداء: فشل التعقب مقابل حملات الداخل
لقد فشلت قسد في تعقب أي ” فلول ، أو خلايا، أو أفراد ” داعشيين خلال السنوات الأخيرة. وعلى العكس من ذلك، كانت تقوم بحملات ضد السكان المدنيين، وتعتقل وتقتل دون أي محاسبة دولية، وذلك بحجة محاربة الإرهاب، وتستخدم في ذلك قوتها الأمنية لاستمرار فرض تكميم الأفواه، وتجنيد المزيد من الشباب والقاصرين بالإكراه، وحفر الأنفاق داخل المدن ” الرقة ” بصورة خاصة، في ظل تمنعها عن الالتزام باتفاق العاشر من آذار 2025 مع دمشق، لإنهاء الحالة الإحتلالية الشاذة وتسوية ملف وجودها، بعد أن حل حزب العمال الكردستاني نفسه، وتخلى عن “النضال” المسلح.
خاتمة
عملية عين الصقر، انتقامية، رد مباشر لم يتأخر، لكنها محدودة، وهذا مؤشر، على تغيّر في الرؤية، وفي استراتيجات العمل الأمني والعسكري، بالتعاون مع دمشق، وليس مع قسد، التي يجب أن تلملم عتادها وأن تطوي أحلامها، وأن تعود من حيث جاءت، كما وجهها الآخر: داعش!
«وهذا مؤشر، على تغيّر في الرؤية، وفي استراتيجات العمل الأمني والعسكري، بالتعاون مع دمشق، وليس مع قسد»







