في 20 ديسمبر 1989، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة أطلقت عليها اسم “القضية العادلة“، أطاحت خلالها بالديكتاتور البنمي مانويل نورييغا. لم تكن جريمته الوحيدة هي قمع شعبه، بل تورطه المباشر في تهريب المخدرات، وهي التهمة التي أدت في النهاية إلى القبض عليه ومحاكمته في ميامي.
وتُعد هذه العملية، وفق دراسات القانون الدولي الأمريكي، أول تطبيق صريح لمفهوم “تدويل الجريمة المنظمة حين تتحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي”.
هذه العملية أرست سابقة مفصلية، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد زعيم دولة تعتبره تهديداً لأمنها القومي عبر بوابة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، وهو ما ينسجم مع ما تسميه أدبيات الأمن القومي الأمريكي: “Criminalized State Threat” أي الدولة التي تتماهى بنيتها السيادية مع النشاط الإجرامي.
“طبيعة السلوك هي التي تحدد الوضع القانوني، وليس المنصب الرسمي. لا يمكن لسيادة الدولة أن تكون درعاً لحماية الاتجار بالمخدرات”.
القاضي الفيدرالي ويليام هوفيلر (William Hoeveler) الذي حاكم نورييغا ورفض منحه حصانة رئيس الدولة.
نورييغا… النموذج الأول
كان مانويل نورييغا، الملقب بـ “وجه الأناناس”، عميلاً مزدوجاً بامتياز. فبينما كان يترأس جهاز المخابرات سيئ السمعة في بنما، كان أيضاً على جدول رواتب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
وتشير دراسات العلاقات الدولية إلى أن هذه النماذج تُصنّف ضمن ما يُعرف بـ “التحالفات الوظيفية المؤقتة”، التي تنتهي فور تحوّل الشريك من أصلٍ استراتيجي إلى عبء أمني،.
لكن طموحه وجشعه دفعاه لتجاوز الخطوط الحمراء، حيث تورط في تهريب المخدرات وغسيل الأموال، وباع أسراراً أمريكية لكوبا. وعندما ألغى نتائج الانتخابات وأعلن حالة الحرب مع الولايات المتحدة، وقتل جنوده جندياً من مشاة البحرية الأمريكية، انتقل من خانة “الاحتواء السياسي” إلى خانة “الاستهداف القانوني والعسكري”
أصدر الرئيس جورج بوش الأب أوامره، وبدأت عملية القضية العادلة (Operation Just Cause).
دخل 25 ألف جندي أمريكي إلى بنما، وقُبض على نورييغا، الذي حوكم وأدين بتهم تهريب المخدرات، في تطبيق لما تصفه وزارة العدل الأمريكية بـ: “Primacy of Criminal Jurisdiction over Political Status” (أولوية الولاية الجنائية على الصفة السياسية).
وصف الصحفي كيفن باكلي (Kevin Buckley) مؤلف كتاب “Panama: The Whole Story”:
“صناع القرار في الولايات المتحدة كانوا على دراية تامة بأنشطة نورييغا في تهريب المخدرات وارتباطه بكارتل ميديلين في الوقت الذي كانوا يعملون معه كأصل استخباراتي”.
مادورو… تكيّف الاستراتيجية
في فنزويلا، واجهت الولايات المتحدة سيناريو مشابهاً. اتهمت وزارة العدل الأمريكية الرئيس نيكولاس مادورو وعدداً من كبار مسؤولي نظامه بتحويل فنزويلا إلى منصة لتهريب الكوكايين، وهو توصيف يندرج ضمن مفهوم “Narco-State” المعتمد في تقارير الأمم المتحدة المعنية بالمخدرات والجريمة.
وكما حدث مع نورييغا، صدرت لائحة اتهام رسمية، وعُرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل رأسه. غير أن واشنطن، ووفق تقييمات مراكز التفكير الاستراتيجي، اختارت هذه المرة “الضغط العسكري غير الغزوي”.
في 3 يناير 2026، أطلقت إدارة ترامب عملية عسكرية لمكافحة المخدرات في منطقة البحر الكاريبي، في أكبر انتشار عسكري أمريكي منذ غزو بنما، بما يعكس ما تسميه الدراسات العسكرية الحديثة:
“Deterrence by Interdiction” (الردع عبر قطع الشبكات لا إسقاط النظام).
إليك اقتباس جوهري يغطي الجانب القانوني والسياسي لوصف نظام مادورو بـ “دولة المخدرات” (Narco-State)، وهو من ويليام بار (William Barr)، وزير العدل الأمريكي الأسبق، لحظة إعلان لائحة الاتهام التاريخية، حيث ربط بدقة بين استراتيجية الدولة والنشاط الإجرامي:
“لقد سمح مادورو ومسؤولون آخرون رفيعو المستوى باستخدام فنزويلا كقاعدة آمنة لتهريب الكوكايين بمقاييس هائلة… إنهم لا يتاجرون بالمخدرات لإثراء أنفسهم فحسب، بل يستخدمون الكوكايين كسلاح لتسميم الولايات المتحدة وتقويض استقرارها، فيما يُعرف بـ ‘إرهاب المخدرات’ (Narco-Terrorism)”.
من بيان وزارة العدل الأمريكية الرسمي (إعلان لائحة الاتهام ضد نيكولاس مادورو).
حول “الاستراتيجية العسكرية دون غزو”
لتعزيز فكرة “الضغط العسكري غير الغزوي” والفرق بين نورييغا ومادورو، إليك تحليل للخبير الاستراتيجي إيفان إليس (R. Evan Ellis) من معهد الدراسات الاستراتيجية التابع للجيش الأمريكي:
“على عكس حالة بنما، فإن استراتيجية واشنطن تجاه فنزويلا تعتمد على خنق التدفقات المالية غير المشروعة للنظام عبر التواجد العسكري المكثف في الكاريبي، وليس تغيير النظام عبر التدخل المباشر، مما يحول الجيش الأمريكي إلى أداة لإنفاذ القانون الدولي في أعالي البحار”.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول استراتيجية الضغط على فنزويلا.
الأسد… من دولة منهكة إلى اقتصاد جريمة
لم يكتفِ نظام الأسد على مدى عقود بالتنكيل بالسوريين وقتلهم وتهجيرهم وتدمير بلادهم، بل أضاف إلى سجله جريمة جديدة وهي تحويل سوريا إلى “إمبراطورية الكبتاغون”.
لقد حوّل بلد الحضارة، وعاصمة الأمويين، وطريق الحرير، إلى أكبر منتج ومصدر لهذه المادة المخدرة في العالم، بإيرادات سنوية قد تتجاوز 5 مليارات دولار، وهو ما يندرج وفق أدبيات الجريمة المنظمة ضمن نموذج: “State-Captured Illicit Economy”، أي اقتصاد غير مشروع تسيطر عليه النخبة الحاكمة مباشرة.
قامت بغسيل هذه الأموال إمبراطورية اقتصادية أدارتها أسماء الأسد ومن عاونها، كواجهات مالية لبشار وماهر الأسد، في نمط مطابق لما وثقته دراسات البنك الدولي حول “غسل الأموال في الدول المنهارة مؤسسياً”.
قانون الكبتاغون: نقل الملف من السياسة إلى إنفاذ القانون
في ديسمبر 2022، أقر الكونغرس الأمريكي قانون مكافحة الكبتاغون (H.R. 6265)، الذي يطالب الحكومة الفيدرالية بوضع استراتيجية شاملة لتفكيك شبكات إنتاج المخدرات المرتبطة مباشرة بنظام بشار الأسد.
ذكر القانون اسم الأسد 11 مرة، وهو أمر نادر في التشريعات الأمريكية، ويُعد مؤشراً على انتقال الملف من نطاق السياسة الخارجية إلى نطاق القانون الجنائي الفيدرالي، وفق ما تصفه الدراسات القانونية بـ: “Legislative Criminalization of Political Actors”. وأُدرج الملف ضمن اختصاص OCDETF – Organized Crime Drug Enforcement Task Forces.
“هذا يعكس سابقة قانونية في التعامل مع رؤساء الدول كـ ‘Kingpins’ (زعماء عصابات) بموجب قانون Kingpin Act“
السؤال المركزي
إذا كانت الولايات المتحدة قد أصدرت لوائح اتهام ومكافآت مالية بحق نورييغا ومادورو، فلماذا لم تُتخذ خطوة مماثلة حتى الآن بحق المسؤولين السوريين المباشرين عن إمبراطورية الكبتاغون؟
تشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن هذا النوع من التأخير غالباً ما يرتبط بـ توازنات دولية مؤقتة لا بغياب الأدلة، خاصة أن قانون الكبتاغون يوفر الغطاء القانوني اللازم، ويضع النظام السوري ضمن توصيف “High-Value Criminal Network”.
قد يبدو تكرار “عملية القضية العادلة” في سوريا مستبعداً، لكن التجارب المقارنة تؤكد أن الاستهداف القانوني الدولي غالباً ما يسبق التحولات السياسية الكبرى.
إن إصدار لوائح اتهام رسمية بحق بشار وماهر وأسماء الأسد سيحوّلهم إلى مجرمين دوليين، ويعيد تعريف موقعهم في النظام الدولي، لا كفاعلين سياسيين، بل كموضوعات ملاحقة قضائية.
الأكيد أن تحوّل الأسد من مجرم حرب إلى فاعل مركزي في اقتصاد المخدرات الإقليمي قد أغلق دائرة الإفلات من العقاب،
وفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها: “واجِه قدَرَكَ العادل – Face your just destiny”.






