بعد ما يقارب عقداً على تأسيسه، يقف تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أمام لحظة مصيرية تشبه إلى حدٍّ بعيد مشهد انهيار القوات المسلحة التابعة لنظام الأسد وحلفائه الإيرانيين، أمام قوات ردع العدوان في ديسمبر/كانون الأول 2024. فالتسارع الميداني، وسرعة التفكك، وغياب الإرادة القتالية، كلها عناصر أعادت إنتاج مشهد السقوط ذاته، ولكن هذه المرة في شمال وشرق سوريا.
مسار الانهيار: من شرق حلب إلى الرقة
بدأ التقدم العسكري من ريف حلب الشرقي، مروراً بخط المواصلات الدولي، وصولاً إلى الحدود العراقية، حيث التقت القوات المحرِّرة عند مدينة الرقة. هناك، وفي المدينة التي شكّلت ذات يوم عاصمة لمشروع قسد السياسي والعسكري، تلاشى عملياً حلم “الحكم الذاتي” و”الفدرالية” و”الإدارة الذاتية” في ما كان يُسمّى بـ“كردستان الغربية”، تماماً كما تلاشى النظام الأسدي الذي راهن عليه التنظيم طويلاً.
لم يكن هذا السقوط مفاجئاً من حيث المآلات، بقدر ما كان صادماً من حيث السرعة، إذ لم تصمد قوات قسد سوى ساعات قليلة في مناطق غرب الفرات وجنوبه، قبل أن تنسحب بشكل فوضوي، كاشفة هشاشة بنيتها العسكرية رغم سنوات من الاستعراض الإعلامي.
حزب العمال الكردستاني: الجذور الأولى للمشروع
لفهم هذا الانهيار، لا بد من العودة إلى الجذور. فقد تأسس حزب العمال الكردستاني، الذي انبثقت عنه معظم تشكيلات قسد، بمبادرة ودعم مباشر من حافظ الأسد، وتحت رعاية القيادة القومية لحزب البعث، وبإدارة المخابرات السورية، كأداة وظيفية في الصراع الإقليمي مع تركيا.
وفّر النظام السوري للحزب المال والسلاح، وفتح له معسكرات التدريب في سوريا والبقاع اللبناني، ما سمح له بتأسيس شبكة تنظيمية أفرزت لاحقاً كيانات مثل: حزب الاتحاد الديمقراطي، وحدات حماية الشعب، وحدات حماية المرأة، وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب مجلس سوريا الديمقراطي.
من سقوط النظام إلى معاداة الثورة
مع وفاة حافظ الأسد وسقوط نظامه لاحقاً، كان من المنطقي أن تسقط أدواته، إلا أن حزب العمال الكردستاني وتنظيماته فضّلت الاستمرار في أداء الدور ذاته. فعلى الرغم من توقيع اتفاقية أضنة عام 1998، وإغلاق المعسكرات، ومغادرة عبدالله أوجلان الأراضي السورية، بقي الحزب مرتبطاً عضوياً بالنظام.
ومع اندلاع الثورة السورية، وقف التنظيم موقفاً معادياً لها، وساهم عام 2012 في ملء الفراغ الأمني الذي خلّفته قوات النظام، بطلب مباشر منه. ولم يقتصر دوره على السيطرة الإدارية، بل تورّط في قمع السوريين بمختلف انتماءاتهم، بما فيهم الكرد، واستهداف الرموز الوطنية، وكان اغتيال الشهيد مشعل تمو مثالاً صارخاً على ذلك المسار.
القوة الكرتونية وسقوط الهيبة
كما سقط نظام الأسد دون معارك فاصلة، سقطت قسد بالطريقة ذاتها. وكانت معركة الأشرفية والشيخ مقصود نقطة التحوّل الأبرز، إذ كشفت بشكل عملي أن ما بدا قوةً منظمةً ومدججة بالسلاح، لم يكن سوى بنية هشة، تفتقر إلى العقيدة القتالية والاستعداد لتحمّل كلفة المواجهة.
وعلى الرغم من المؤشرات الواضحة، استمر التنظيم في سياسة الإنكار، وواصل استعراض القوة، وتقديم مقاتليه بوصفهم “أعشاش دبابير” قادرة على نشر الفوضى، في محاولة لردع أي مواجهة محتملة.
المماطلة السياسية وافتعال الأزمات
منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار، انتهجت قسد سياسة التعطيل والمماطلة، عبر مفاوضات شكلية، وشروط تنتقص من السيادة الوطنية، وتصريحات متناقضة صادرة عن قياداتها العسكرية والسياسية.
بالتوازي مع ذلك، افتعل التنظيم أحداثاً أمنية، واستهدف المدنيين، خصوصاً في حلب ومحيطها، ثم في المناطق التي تمدد إليها غرب الفرات بعد سقوط النظام، كما دعم حركات تمرد مسلحة في مناطق الأقليات، ونسّق أمنياً على مستويات متعددة، وصولاً إلى علاقات مع إسرائيل.
تنظيم وظيفي بامتياز
تأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 كإطار عسكري يخدم وظيفة محددة لدى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، هي محاربة تنظيم “داعش” على الأرض. ولم تكن قسد، في جوهرها، سوى أداة ميدانية ضمن القيادة المركزية الأمريكية.
ورغم الادعاءات المتكررة حول “بناء سوريا ديمقراطية علمانية فدرالية”، لم تخض قسد مواجهات حقيقية مع داعش، بل سمحت له في حالات عدة بالانسحاب نحو البادية السورية، فيما أدى اعتمادها على الإحداثيات الجوية إلى تدمير واسع، كما حدث في مدينة الرقة.
لاحقاً، تولت قسد إدارة السجون والمعتقلات وملاحقة الخلايا الداعشية، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً في حماية المناطق التي سيطرت عليها، وهو ما كشفته العمليات المتكررة للتنظيم الإرهابي، وسط اتهامات متزايدة بتورط قسد في تحريك تلك الخلايا.
الموقف الأمريكي ونهاية المهمة
منذ إسقاط النظام الأسدي في ديسمبر 2024، صدرت مواقف أمريكية واضحة، من البيت الأبيض ومسؤولين رفيعين، تؤكد وحدة سوريا وسيادة الدولة على كامل أراضيها. وتُوّج ذلك برعاية واشنطن لاتفاق العاشر من آذار، الذي قبلت به قسد شكلياً، ثم تنصلت من التزاماته لاحقاً.
ومع انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ الاتفاق، بات واضحاً أن الدور الوظيفي لقسد قد انتهى، وأن واشنطن لم تعد بحاجة إلى تنظيم أدّى مهمته الأساسية.
خاتمة: سقوط الوهم
رفضت قسد الاعتراف بانتهاء دورها، واستمرت في التمسك بأوهام “روج آفا” و”كردستان الغربية”، لكنها لم تصمد حتى لساعات قليلة أمام التحولات الميدانية. ومع هذا السقوط السريع، تهاوى المشروع بأكمله، ليتأكد أن ما بُني على وظيفة مؤقتة، لا يمكن أن يتحول إلى كيان دائم.
![]()







