ملخّص تنفيذي:
يرى المقال أن الشرق الأوسط يقف عند لحظة انسداد استراتيجي تجعل أي حادث محدود قابلاً للتحول إلى حرب إقليمية واسعة. ويحدد سورية بوصفها عقدة جيوسياسية قادرة على توسيع الصراع إقليمياً، فيما قد يجعل دخول كوريا الشمالية المشهد أقرب إلى مواجهة عالمية متعددة الجبهات.
في التاريخ كثيراً ما تبدأ الحروب الكبرى بشرارة صغيرة، حادثة محدودة ، أو اشتباك يبدو في لحظته عابراً. لكن خلف تلك الشرارة تكون التراكمات السياسية والعسكرية قد بلغت حداً من الانسداد يجعل أي احتكاك قابلاً للتحول إلى حريق واسع. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يشبه إلى حد بعيد هذه اللحظة التاريخية، لحظة استعصاء سياسي كامل يقابله استعصاء ميداني على الأرض، حيث لا طرف قادر على الحسم ولا طرف مستعد للتراجع ، حتى الآن تبدو أطراف القتال واضحة نسبياً.
“في التاريخ كثيراً ما تبدأ الحروب الكبرى بشرارة صغيرة، حادثة محدودة، أو اشتباك يبدو في لحظته عابراً.”
محمد وليد اسكاف
إيران تقاتل دفاعاً وهجوماً في آنٍ واحد، وإسرائيل كذلك تدافع وتهاجم ضمن معادلة ردع متبادلة، بينما الولايات المتحدة تتحرك في موقع الهجوم الاستراتيجي المباشر، في المقابل يتخذ الخليج موقع الدفاع الحذر، في محاولة لاحتواء النيران ومنع انتقالها إلى عمقه الحيوي، لكن المشهد لا يقف عند هذه الحدود، فالحروب الكبرى لا تُدار فقط باللاعبين الموجودين داخل الملعب بل أيضاً باللاعبين الذين ينتظرون على خط التماس، أولئك الذين لم يدخلوا بعد لكن وجودهم المحتمل قد يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
اليمن على سبيل المثال، يبدو حتى الآن في حالة حياد نسبي لكنه يبقى أحد الأوراق القابلة للتحريك في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية قد يكون تبديل اللاعبين جزءاً من إدارة المعركة فحين يضعف الزخم في جبهة ما تُفتح جبهة أخرى لإعادة توزيع الضغط وإرباك الخصوم .
وهناك دول أخرى تقف في منطقة رمادية تركيا وأذربيجان على سبيل المثال تملكان قدماً داخل المشهد وأخرى خارجه ، ليس واضحاً إن كان ذلك نتيجة حسابات ذاتية أو نتيجة انتظار قرار من “المدرب الأكبر” داخل منظومة التحالفات الدولية ، لكن وسط هذا المشهد المعقد تبرز نقطتان مفصليتان قد تغيران طبيعة الصراع جذرياً .
الأولى هي سورية
دخول سورية إلى الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر لن يكون حدثاً عادياً. سوريا ليست مجرد دولة في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل هي عقدة استراتيجية في قلب الممر الذي يربط العراق بلبنان، أي في قلب المجال الحيوي للحلفاء الإقليميين لإيران. لذلك فإن دخولها المعركة سيحوّل الصراع فوراً إلى حرب إقليمية مفتوحة، حيث تختفي الحدود التقليدية بين الجبهات وتصبح الأجواء والمجالات البحرية مسرحاً موحداً للعمليات.
الأهم من ذلك أن سورية بحكم موقعها الجغرافي قادرة على تغيير إعدادات الحرب
فوجودها بين العراق ولبنان يجعل أي اشتباك فيها متصلاً مباشرة بعدة ساحات في آن واحد، وهو ما قد يدفع جميع الأطراف إلى الذهاب نحو الحد الأقصى في المواجهة.
المفارقة أن دخول سورية قد يكون مريحاً نسبياً لواشنطن وتل أبيب وبعض دول الخليج، لأنه سيضع ضغطاً استراتيجياً كبيراً على إيران وحلفائها عبر فتح جبهة إضافية في قلب شبكة تحالفاتهم، حتى الآن لم تعلن القيادة السورية نيتها دخول الحرب، لكن اللافت أيضاً أنها لم تعلن بوضوح نيتها النأي بنفسها عنها.
“دخول سورية إلى الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر لن يكون حدثاً عادياً، بل سيحوّل الصراع فوراً إلى حرب إقليمية مفتوحة.”
محمد وليد اسكاف
تأويلات …
هذا الصمت الاستراتيجي يفتح الباب أمام كثير من التأويلات، خصوصاً أن بعض القوى الإقليمية تبدو متحمسة لدفع الأمور في هذا الاتجاه في هذا السياق جاء تصريح الرئيس المصري حول ضرورة تحييد سورية عن الحرب لافتاً للنظر، فالقاهرة تدرك أن دخول دمشق إلى المعركة قد يحول الصراع من مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية شاملة قد تشمل كامل الشرق الأوسط.
أما النقطة المفصلية الثانية، تقع خارج الشرق الأوسط كوريا الشمالية في الحسابات الجيوسياسية الكبرى، قد تبدو هذه اللحظة فرصة نادرة لمحور الشرق الآسيوي الصين وروسيا وكوريا الشمالية لمواجهة الضغط الغربي.
فالقوة العسكرية الأمريكية في القسم الشرقي من العالم باتت مركزة بشكل كبير حول إيران ومحيطها، بما في ذلك بعض الأصول التي كانت متمركزة قرب الصين وشبه الجزيرة الكورية ، إذا قررت بيونغ يانغ استغلال هذه اللحظة وفتح جبهة ضد كوريا الجنوبية أو حتى ضد اليابان، فإن الصراع سيتحول فوراً إلى حرب عالمية حقيقية، عندها لن تبقى أي جبهة محلية بل ستتداخل كل المسارح العسكرية في نظام صراع كوني واحد.
صحيح أن الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط حتى لو دخلت سورية قد لا تتحول بالضرورة إلى حرب عالمية، لكن دخول كوريا الشمالية سيعني عملياً فتح جميع الجبهات في وقت واحد بما فيها جبهات الشرق الأوسط .
المراهنة …
التاريخ يعلّمنا أيضاً درساً مهماً لا أحد يجب أن يراهن على الاصطفافات الحالية ، ففي اللحظة التي تبدأ فيها الحروب الكبرى تتغير التحالفات بسرعة مذهلة، هذا ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين انتقلت دول كاملة من معسكر إلى آخر وفقاً لمصالحها اللحظية.
وفي مثل هذه الحروب تكون الدول الصغيرة هي الأكثر تعرضاً للخسائر، فالمعارك الكبرى لا تُخاض عادة فوق أراضي القوى العظمى، بل فوق جغرافيا الدول الأضعف والأكثر هشاشة.
ولهذا يبدو لبنان بحكم موقعه وتوازناته الداخلية الهشة، واحداً من أكثر الساحات عرضة للدمار إذا توسعت الحرب، فحين تتحول المنطقة إلى مسرح صراع مفتوح، تصبح الدول الصغيرة خطوط تماس دائمة بين القوى الكبرى.
هكذا تقف المنطقة اليوم على حافة لحظة خطيرة شرارة صغيرة قد تكون كافية لإشعال حريق كبير، حريق قد لا يبقى محصوراً في الشرق الأوسط بل قد يمتد ليعيد تشكيل ميزان القوى في العالم كله.
![]()






