السردية الشاملة للدولار الأمريكي:
من بريتون وودز إلى معضلة تريفن الدائمة وتأثيرها على الأزمات العالمية
تمثل قصة الدولار الأمريكي العمود الفقري للنظام المالي العالمي المعاصر، وهي سردية تتجاوز مجرد كونها تاريخاً لعملة وطنية لتصبح سجلاً للتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. تبدأ هذه الرحلة من غابات “نيوهامبشير” في عام 1944، حيث وُضع حجر الأساس لنظام “بريتون وودز“، وصولاً إلى التحديات الراهنة في عام 2025، والتي تشهد تحولات عميقة في سياسات التجارة الدولية وظهور تكتلات نقدية بديلة وتحديات جمركية غير مسبوقة. إن فهم هذه السردية يتطلب غوصاً عميقاً في التناقضات الهيكلية التي تنبأ بها الاقتصادي روبرت تريفن، وكيف أدت هذه التناقضات إلى أزمات متتالية، من صدمة نكسون في عام 1971 إلى “يوم التحرير” الجمركي في عام 2025، مما يعكس صراعاً مستمراً بين المصالح الوطنية الأمريكية والالتزامات الدولية لعملة الاحتياط العالمية. (1)
الفصل الأول: ولادة الهيمنة في بريتون وودز (1944)
تأسس نظام بريتون وودز في أعقاب الكوارث الاقتصادية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف الأساسي منه هو منع تكرار سياسات “إفقار الجار” والكساد الكبير الذي ميز فترة الثلاثينيات. اجتمع مندوبو 44 دولة في عام 1944 لتصميم نظام نقدي دولي جديد يضمن الاستقرار والنمو.(4) في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تمتلك اليد العليا اقتصادياً وعسكرياً، حيث كانت تسيطر على أكثر من نصف احتياطيات الذهب الرسمية في العالم، والتي قُدرت بنحو 574 مليون أونصة بنهاية الحرب.(5)
صراع الأفكار: كينز مقابل وايت
شهد المؤتمر صراعاً فكرياً بين رؤيتين مختلفتين تماماً. اقترح الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز إنشاء عملة دولية محايدة تسمى “بانكور” (Bancor)، تدار من خلال اتحاد مقاصة دولي، وذلك لتجنب الاعتماد المفرط على أي عملة وطنية واحدة ومنع تفاقم الاختلالات بين الدول الدائنة والمدينة.(2) في المقابل، دفع هاري ديكستر وايت، ممثل وزارة الخزانة الأمريكية، باتجاه نظام يرتكز على الدولار الأمريكي والذهب. انتصرت الرؤية الأمريكية في النهاية، وتأسس النظام على ربط الدولار بالذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة، بينما رُبطت باقي العملات العالمية بالدولار بهوامش تذبذب ضيقة.(4)
«صحيحٌ أنَّ لديهم أكياس المال، لكنَّنا نملك كلَّ العقول» — اللورد هاليفاكس مخاطباً كينز؛ عبارةٌ اختزلت موازين القوى في “بريتون وودز”، حيث اصطدم الطموح البريطاني في بناء نظامٍ “محايد” بواقع الهيمنة المالية الأمريكية التي كانت تمتلك وحدها القدرة على تمويل إعادة إعمار العالم.
“د.جورج توما”
كان هذا النظام يتطلب من الولايات المتحدة توفير السيولة للعالم عبر خطة مارشال والمساعدات الخارجية والإنفاق العسكري، لضمان قدرة الدول الأخرى على تمويل وارداتها وإعادة بناء اقتصاداتها.(2) ومع ذلك، كان هذا التدفق المستمر للدولارات إلى الخارج يحمل في طياته بذور الأزمات القادمة، حيث بدأت الالتزامات الدولارية الخارجية تتزايد بشكل يفوق نمو مخزون الذهب الأمريكي.(7)
الفصل الثاني: معضلة تريفن – التناقض البنيوي للسيولة
في عام 1960، قدم الاقتصادي روبرت تريفن شهادة تاريخية أمام الكونجرس الأمريكي، صاغ فيها ما يُعرف بـ “معضلة تريفن” (Triffin Dilemma). أوضح تريفن أن النظام القائم على عملة وطنية كاحتياطي عالمي يواجه تناقضاً لا يمكن حله: لكي ينمو العالم وتزدهر التجارة الدولية، يجب على الولايات المتحدة أن تستمر في إدارة عجز في ميزان مدفوعاتها لتوفير السيولة الدولارية اللازمة.(1)
جوهر المعضلة وتداعياتها
حدد تريفن مسارين كلاهما يؤدي إلى أزمة:
- نقص السيولة: إذا توقفت الولايات المتحدة عن تقديم موازين دولارية كافية (عبر خفض العجز)، فسيؤدي ذلك إلى نقص السيولة العالمية، مما يسبب ركوداً تجارياً وانكماشاً اقتصادياً عالمياً.(1)
- فقدان الثقة: إذا استمرت الولايات المتحدة في توفير السيولة عبر عجز مستمر، فإن كمية الدولارات المتداولة ستتجاوز قدرة الذهب على تغطيتها، مما يؤدي في النهاية إلى فقدان الثقة في قيمة الدولار والتحويل إلى الذهب، وهو ما يهدد بانهيار النظام بالكامل.(1)
بحلول أواخر الخمسينيات، أصبح هذا التناقض واقعاً ملموساً. بدأ العالم يشهد ظهور “سوق الدولار الأوروبي” (Eurodollar market)، وبدأت القوى الأوروبية، وخاصة فرنسا تحت قيادة شارل ديغول، في التعبير عن استيائها مما أطلقت عليه “الامتياز الباهظ” (Exorbitant Privilege) للولايات المتحدة.(4) كان هذا المصطلح، الذي صاغه وزير المالية الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، يصف قدرة واشنطن على طباعة النقود لشراء سلع حقيقية وتمويل حروب (مثل حرب فيتنام) دون الخوف من استنزاف احتياطياتها، طالما أن العالم يتقبل الدولار كذهب.(4)

الفصل الثالث: صراع الذهب وانهيار بريتون وودز (1961-1971)
حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون إنقاذ النظام عبر تدابير مؤقتة. في نوفمبر 1961، تم إنشاء “مجمع الذهب في لندن” (London Gold Pool) للتدخل في الأسواق الخاصة ومنع سعر الذهب من تجاوز 35 دولاراً للأونصة.(2) ومع ذلك، فإن القوى الهيكلية كانت أقوى من هذه المحاولات. في عام 1967، أرسل كارل بليسينج، رئيس البنك المركزي الألماني، رسالة شهيرة (Blessing Letter) تعهد فيها بأن ألمانيا لن تتبع خطى فرنسا في تحويل دولاراتها إلى ذهب، وذلك في محاولة لدعم الاستقرار الدولي.(4)
صدمة نكسون: عطلة نهاية الأسبوع التي غيرت العالم
بحلول عام 1971، أصبح الوضع غير مستدام. كان التضخم في الولايات المتحدة يرتفع، والعجز التجاري يتفاقم، ومخزون الذهب انخفض إلى مستويات حرجة (حوالي 10 آلاف طن متري) مقابل التزامات دولارية هائلة.(5) في 13 أغسطس 1971، دعا الرئيس ريتشارد نكسون فريقه الاقتصادي المقرب، بما في ذلك جون كونالي وبول فولكر وآرثر بيرنز، إلى اجتماع سري في “كامب ديفيد”.(5)
في مساء الأحد 15 أغسطس 1971، وجه نكسون خطاباً للأمة أعلن فيه “سياسته الاقتصادية الجديدة“. كانت النقاط الأكثر أهمية هي:
- إغلاق نافذة الذهب: تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب بالنسبة للبنوك المركزية الأجنبية بشكل نهائي.(5)
- الرسوم الجمركية: فرض ضريبة استيراد بنسبة 10% لإجبار الشركاء التجاريين على إعادة تقييم عملاتهم.(5)
- تجميد الأجور والأسعار: إجراء محلي لمحاربة التضخم.(5)
حول هذا القرار الدولار رسمياً إلى “عملة ورقية” (Fiat Currency) مدعومة فقط بـ “الثقة والائتمان الكاملين” للحكومة الأمريكية.(5) ورغم أن نكسون وصف هذه الإجراءات بأنها مؤقتة لتقوية الدولار، إلا أنها كانت نهاية فعلية لنظام بريتون وودز وبداية عصر من تقلبات أسعار الصرف العالمية.(7)
“إذا كان البريطانيون سيسحبون الذهب مقابل دولاراتهم؛ فقد انتهت اللعبة بالفعل.”
– بول فولكر، واصفاً اللحظة التي أدركت فيها واشنطن حتمية انهيار النظام النقدي العالمي. –
الفصل الرابع: عصر البترودولار والديون العالمية
لم يؤدِ انهيار القاعدة الذهبية إلى تراجع الدولار، بل أعيد إنتاج هيمنته عبر آلية جديدة عُرفت بـ “نظام البترودولار“. في عام 1974، وفي خضم أزمة النفط، توصلت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى اتفاق غير رسمي ولكنه حاسم.(12) بموجب هذا الترتيب، وافقت السعودية على تسعير صادراتها النفطية حصراً بالدولار الأمريكي، وفي المقابل، قدمت واشنطن ضمانات أمنية ودعماً عسكرياً للمملكة.(12)
تدوير الفوائض والتبعية النقدية
أدى هذا الاتفاق إلى خلق طلب عالمي دائم على الدولار؛ فكل دولة في العالم تحتاج إلى النفط، وللحصول عليه، يجب أن تمتلك الدولار.(13) تم استثمار الفوائض المالية السعودية والنفطية الأخرى في سندات الخزانة الأمريكية، مما ساعد في تمويل العجز المالي الأمريكي والحفاظ على أسعار فائدة منخفضة.(13)
أصبحت معضلة تريفن في هذا العصر تأخذ شكلاً جديداً: لم يعد القلق بشأن الذهب، بل بشأن استدامة الديون الأمريكية والقدرة على استيعاب الفوائض العالمية. تشير الأبحاث إلى أن الولايات المتحدة بدأت تعمل كـ “بنك العالم“، حيث تقترض في شكل التزامات قصيرة الأجل (دولارات وسندات) وتقرض أو تستثمر في أصول طويلة الأجل في الخارج.(6) ومع ذلك، فإن هذا النظام أدى إلى تآكل القاعدة الصناعية الأمريكية تدريجياً، حيث أن قوة الدولار الناتجة عن دوره كعملة احتياط جعلت الصادرات الأمريكية أقل تنافسية، مما عمق العجز التجاري السلعي.(2)
الفصل الخامس: الأزمة المالية العالمية وفائض الادخار (2008)
ارتبطت معضلة تريفن بشكل وثيق بالأزمة المالية لعام 2008 من خلال مفهوم “فائض الادخار العالمي” (Global Saving Glut) الذي طرحه بن برنانكي.(2) جادل برنانكي بأن تراكم الاحتياطيات الهائلة من قبل الأسواق الناشئة (وخاصة الصين والدول المصدرة للنفط) بعد الأزمات المالية في التسعينيات أدى إلى تدفقات رأس مال ضخمة نحو الولايات المتحدة.(16)
الدولار كمحرك للاختلالات
تسببت هذه التدفقات في خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل وشجعت على تحمل المخاطر المفرطة في سوق العقارات الأمريكي، مما مهد الطريق للانهيار.(16) في عام 2009، صرح محافظ بنك الشعب الصيني، تشو شياو تشوان، بأن الأزمة هي نتيجة مباشرة لمعضلة تريفن؛ حيث أن اعتماد النظام العالمي على عملة وطنية واحدة يجعل العالم بأسره عرضة للسياسات النقدية والداخلية لدولة واحدة.(2) اقترح تشو تعزيز دور “حقوق السحب الخاصة” (SDRs) التابعة لصندوق النقد الدولي كبديل محايد، وهو صدى متأخر لمقترح كينز في عام 1944.(2)

الفصل السادس: تحولات 2025 – “يوم التحرير” والزلزال الجمركي
دخلت السردية الدولارية مرحلة جديدة من الاضطراب في عام 2025 مع تبني إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسات تجارية عدوانية تهدف إلى معالجة العجز التجاري المزمن بشكل جذري.(3) في الثاني من أبريل 2025، وهو اليوم الذي أطلق عليه ترامب “يوم التحرير” (Liberation Day)، تم إعلان حالة الطوارئ الوطنية بموجب قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لعام 1977.(3)
“أمريكا لم تعد غنيةً بما يكفي لتحمل عبء العالم الحر بمفردها.”
– جيفري جارتن، ملخصاً الأثر الجيوسياسي لقرار نكسون بإغلاق “نافذة الذهب”. –
الرسوم الجمركية المتبادلة وآلية التنفيذ
أصدرت الإدارة الأمريكية الأمر التنفيذي رقم 14257، والذي فرض رسوماً جمركية أساسية بنسبة 10% على كافة الواردات من جميع الدول تقريباً، مع استهداف الدول التي تمتلك عجزاً تجارياً كبيراً مع الولايات المتحدة برسوم “متبادلة” إضافية.(3)
- التوقيت: بدأ تطبيق التعريفة الأساسية (10%) في 5 أبريل 2025، بينما كان من المقرر بدء الرسوم المحددة لكل دولة في 9 أبريل.(3)
- الصدمة السوقية: أدى الإعلان إلى سقوط حاد في البورصات العالمية؛ حيث فقد مؤشر S&P 500 أكثر من 274 نقطة (4.88%) في يوم واحد، وسجل مؤشر ناسداك أكبر خسارة نقطية في تاريخه.(3)
- الاستثناءات والضغوط: تم استثناء كندا والمكسيك مؤقتاً، بينما واجهت دول مثل الصين والهند رسوماً إجمالية تجاوزت 50% في بعض القطاعات.(18)
تعكس هذه السياسة محاولة أمريكية لفك الارتباط بـ “معضلة تريفن“؛ فبدلاً من الاستمرار في إدارة العجز لتوفير السيولة، اختارت واشنطن إعطاء الأولوية للقطاع التصنيعي المحلي وخفض التبعية للواردات.(18) ومع ذلك، فإن هذا التحول أدى إلى تقلبات هائلة في قيمة الدولار، حيث تراجع في البداية أمام العملات الرئيسية مثل اليورو بسبب مخاوف الركود، قبل أن يرتفع لاحقاً بفعل الطلب على الملاذات الآمنة.(3)
الفصل السابع: البنية التحتية البديلة والهروب من الدولار
رداً على سياسات “سلاح الدولار” والتعريفات الجمركية، تسارعت جهود دول “البريكس+” (BRICS+) في عام 2025 لبناء نظام مالي موازٍ.(23) لم يعد الحديث عن “عملة موحدة” هو الأولوية، بل التركيز على أنظمة الدفع والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) لتجاوز نظام سويفت والهيمنة الأمريكية.(24)
مشروع ميدبريدج (mBridge): الثورة التقنية
يُعد مشروع “ميدبريدج” أحد أكثر التطورات تأثيراً في عام 2025. وهو تعاون بين بنك التسويات الدولية (BIS) والبنوك المركزية في الصين و هونج كونج و تايلاند و الإمارات، وانضمت إليه السعودية كعضو كامل في يونيو 2024.(27)
- الهدف: تمكين تسويات فورية وعالية الكفاءة للتجارة العابرة للحدود باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية دون الحاجة إلى البنوك المراسلة الأمريكية أو نظام سويفت.(27)
- الأداء: بحلول منتصف 2025، وصل المشروع إلى مرحلة “المنتج الأدنى القابل للتطبيق” (MVP)، حيث نفذت بنوك تجارية معاملات حقيقية.(27)
- الأهمية الجيوسياسية: يمثل هذا المشروع أداة قوية لدول الجنوب العالمي لتأمين استقلالها المالي، خاصة مع تهديد ترامب بفرض رسوم 100% على الدول التي تتخلى عن الدولار.(26)
توسع البريكس والديناميكيات الجديدة
بحلول يناير 2025، أصبحت إندونيسيا العضو العاشر في التكتل، وانضمت دول أخرى مثل ماليزيا و فيتنام و تايلاند كـ “شركاء“.(23) تشير البيانات إلى أن 90% من التجارة البينية بين روسيا وشركائها في البريكس تمت بالعملات الوطنية بنهاية عام 2024.(24) ومع ذلك، فإن التحدي يظل في تحقيق التوازن؛ فالهند مثلاً تتردد في استبدال هيمنة الدولار بهيمنة اليوان الصيني، مما يجعل التقدم نحو نظام موحد بطيئاً ومعقداً.(25)

الفصل الثامن: لغة الأرقام – حصة الدولار في 2025
على الرغم من الزخم السياسي المحيط بـ “إلغاء الدولار“، تُظهر البيانات الرسمية أن العملية هي “تآكل تدريجي” وليست “سقوطاً مفاجئاً“. وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي (COFER) للربع الثالث من عام 2025، لا يزال الدولار يحتفظ بحصة الأسد من الاحتياطيات العالمية، وإن كانت في أدنى مستوياتها منذ عقود(30)
بيانات COFER ومنهجية الصندوق الجديدة
في ديسمبر 2025، أطلق صندوق النقد الدولي منهجية جديدة لبيانات COFER تهدف إلى إلغاء الفئة “غير المخصصة” وتوفير رؤية شاملة تغطي 100% من الاحتياطيات العالمية.(30)

تؤكد هذه الأرقام أن الدولار لا يزال “العملة التي لا غنى عنها” في المعاملات المالية، حيث سجلت بيانات سويفت (SWIFT) لشهر ديسمبر 2024 أن الدولار استحوذ على 50.49% من المدفوعات العالمية.(31) ومع ذلك، فإن الارتفاع الملحوظ في فئة “العملات الأخرى” إلى أكثر من 20% يعكس رغبة البنوك المركزية في تقليل الانكشاف على المخاطر السياسية المرتبطة بالعملات الكبرى.(30)
الفصل التاسع: مستقبل النظام النقدي العالمي
تشير التطورات في أواخر عام 2025 إلى أن العالم يتجه نحو “نظام نقدي متعدد الأقطاب” بدلاً من الانهيار الكامل للدولار. إن معضلة تريفن لم تعد تتعلق فقط بالسيولة مقابل الثقة، بل أصبحت تتعلق بالقدرة على إدارة “الانقسام الاقتصادي” بين الكتل المتنافسة.(6)
السيناريوهات المتوقعة 2026-2030
- التجزئة التكنولوجية: قد يصبح العالم مقسماً بين أنظمة دفع غربية (سويفت/دولار) و أنظمة شرقية/جنوبية (ميدبريدج/يوان/عملات رقمية)، مما يزيد من تكلفة المعاملات الدولية ولكنه يقلل من فعالية العقوبات الأحادية.(24)
- عودة “الأصول الحقيقية”: تعكس زيادة حصة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية والتوجه نحو العملات المشفرة مثل البيتكوين (الذي تدرسه السعودية وإدارات أمريكية معينة) رغبة في العودة إلى قواعد نقدية أكثر صلابة بعيداً عن القرارات الورقية السياسية.(14)
- إعادة تعريف القيادة الأمريكية: قد تؤدي سياسات “يوم التحرير” والرسوم الجمركية إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي، ولكن بتكلفة باهظة تتمثل في تراجع دور الدولار كمزود وحيد للسيولة العالمية، مما يفسح المجال لقوى أخرى للمساهمة في استقرار النظام.(3)
الخاتمة والتوصيات
إن السردية الشاملة للدولار الأمريكي تكشف عن نظام بلغ أقصى حدود قدرته على تحمل التناقضات. إن معضلة تريفن التي بدأت كتحذير أكاديمي في عام 1960 أصبحت الآن واقعاً يهدد استقرار التجارة العالمية. لقد أثبتت أحداث عام 2025، من الرسوم الجمركية الأمريكية الصادمة إلى التقدم التقني في مشروع “ميدبريدج“، أن العالم لم يعد يقبل بـ “الامتياز الباهظ” دون ثمن.
بالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، فإن المرحلة القادمة تتطلب:
- التنويع الجغرافي والنقدي: لم يعد الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار وحده استراتيجية آمنة في ظل تقلبات السياسة التجارية.(3)
- مراقبة البنية التحتية الرقمية: إن التحول نحو العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) ليس مجرد تغيير تقني، بل هو إعادة صياغة للقوة الجيوسياسية.(27)
- الاستعداد لبيئة تضخمية: إن تقييد التجارة العالمية عبر الرسوم الجمركية والبحث عن بدائل للدولار قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يتطلب استراتيجيات تحوط تعتمد على الأصول الحقيقية.(13)
في نهاية المطاف، سيبقى الدولار الأمريكي لاعباً رئيسياً، ولكن الهيمنة المطلقة التي بدأت في غابات بريتون وودز تتلاشى لصالح نظام أكثر تعقيداً وتجزئة، حيث تصبح السيادة المالية هي العملة الأغلى في القرن الحادي والعشرين.
“د.جورج توما”
![]()
مراجع البحث
- Triffin Dilemma and Regional Monetary Approach : An Appraisal – IDEAS/RePEc, accessed February 4, 2026, https://ideas.repec.org/p/hal/wpaper/hal-01298999.html
- Triffin dilemma – Wikipedia, accessed February 4, 2026, https://en.wikipedia.org/wiki/Triffin_dilemma
- Liberation Day tariffs – Wikipedia, accessed February 4, 2026, https://en.wikipedia.org/wiki/Liberation_Day_tariffs
- Triffin discovers his dilemma — ingoldwetrust.report, accessed February 4, 2026, https://ingoldwetrust.report/timeline-posts/triffin-discovers-his-dilemma/?lang=en
- Nixon shock – Wikipedia, accessed February 4, 2026, https://en.wikipedia.org/wiki/Nixon_shock
- The Triffin dilemma revisited – European Central Bank, accessed February 4, 2026, https://www.ecb.europa.eu/press/key/date/2011/html/sp111003.en.html
- Nixon Ends Convertibility of U.S. Dollars to Gold and Announces Wage/Price Controls, accessed February 4, 2026, https://www.federalreservehistory.org/essays/gold-convertibility-ends
- Triffin’s Dilemma: Why the U.S. Dollar’s Global Role Is a Double-Edged Sword | Dunham, accessed February 4, 2026, https://www.dunham.com/FA/Blog/Posts/triffins-dilemma?ref=dunham.ghost.io
- Behind Closed Doors – International Monetary Fund, accessed February 4, 2026, https://www.imf.org/en/publications/fandd/issues/2021/09/book-review-three-days-at-camp-david-garten
- Nixon and the End of the Bretton Woods System, 1971–1973 – History State Gov, accessed February 4, 2026, https://history.state.gov/milestones/1969-1976/nixon-shock
- Three Days at Camp David | Jeffrey E. Garten, accessed February 4, 2026, https://jeffreygarten.com/book/three-days-at-camp-david/
- Did a deal between Saudi Arabia and US to sell oil in dollars expire? – Radio Free Asia, accessed February 4, 2026, https://www.rfa.org/english/news/afcl/afcl-us-saudi-oil-deal-07082024043619.html
- Expiration: Saudi & US Petrodollar Agreement – ChAI, accessed February 4, 2026, https://chaipredict.com/resources/expiration-saudi-us-petrodollar-agreement
- Saudi Arabia ends petrodollar agreement: What it means for the USD, Bitcoin, and gold, accessed February 4, 2026, https://lcrcoin.com/blog/saudi-arabia-ends-petrodollar-agreement-what-it-means-for-the-usd-bitcoin-and-gold/
- Saudi Arabia Ended 50-Year Petrodollar Agreement with U.S. – Sarson Funds, accessed February 4, 2026, https://sarsonfunds.com/saudi-arabia-ended-50-year-petrodollar-agreement-with-u-s/
- Global saving glut, monetary policy, and housing bubble: Further Evidence | Brookings, accessed February 4, 2026, https://www.brookings.edu/articles/global-saving-glut-monetary-policy-and-housing-bubble-further-evidence/
- The new map of US goods imports, accessed February 4, 2026, https://www.caixabankresearch.com/en/economics-markets/activity-growth/new-map-us-goods-imports
- ‘Liberation Day’ Reciprocal Tariffs Announced April 2, 2025 | Cassels.com, accessed February 4, 2026, https://cassels.com/insights/liberation-day-reciprocal-tariffs-announced-april-2-2025/
- Liberation Day Tariff Update, accessed February 4, 2026, https://bgrdc.com/wp-content/uploads/2025/04/Liberation-Day-Tariff-Update.pdf
- “Liberation Day” Tariff Timeline – Publications – National Taxpayers Union, accessed February 4, 2026, https://www.ntu.org/publications/detail/liberation-day-tariff-timeline
- Liberation Day: India’s journey from Trump tariff threats to US trade triumph, accessed February 4, 2026, https://m.economictimes.com/news/economy/foreign-trade/liberation-calendar-the-timeline-of-indias-journey-from-tariff-threats-to-us-trade-triumph-chronology-events-deal-trump-modi/articleshow/127877494.cms
- BIS triennial central bank survey of foreign exchange and OTC derivatives: where does Paris rank? | Banque de France, accessed February 4, 2026, https://www.banque-france.fr/en/publications-and-statistics/publications/bis-triennial-central-bank-survey-foreign-exchange-and-otc-derivatives-where-does-paris-rank
- BRICS Expansion and the Future of World Order: Perspectives from Member States, Partners, and Aspirants, accessed February 4, 2026, https://carnegieendowment.org/research/2025/03/brics-expansion-and-the-future-of-world-order-perspectives-from-member-states-partners-and-aspirants
- BRICS making progress on payment system – GIS Reports, accessed February 4, 2026, https://www.gisreportsonline.com/r/brics-payment-system/
- What Is the BRICS Group and Why Is It Expanding?, accessed February 4, 2026, https://www.cfr.org/backgrounders/what-brics-group-and-why-it-expanding
- Hot Topics in International Trade – December 2025 – BRICS and the …, accessed February 4, 2026, https://www.jdsupra.com/legalnews/hot-topics-in-international-trade-2591362/
- mBridge and the Future of Finance: From BRICS Experiment to Global Dialogue, accessed February 4, 2026, https://moderndiplomacy.eu/2025/09/23/mbridge-and-the-future-of-finance-from-brics-experiment-to-global-dialogue/
- Saudi Digital Riyal: M&A Impact by 2026, accessed February 4, 2026, https://saudimergersacquisitions.com/insights/articles/saudi-digital-riyal-for-cross-border-m-a
- UAE, China executes first CBDC transaction on mBridge – CoinGeek, accessed February 4, 2026, https://coingeek.com/uae-china-executes-first-cbdc-transaction-on-mbridge/
- Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves – IMF Data Brief, accessed February 4, 2026, https://data.imf.org/en/news/imf%20data%20brief%20december%2019
- US dollar’s share of global reserves shrinks amid policy uncertainty – Anadolu, accessed February 4, 2026, https://www.aa.com.tr/en/economy/us-dollars-share-of-global-reserves-shrinks-amid-policy-uncertainty/3814225
- Currency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER) – IMF Data, accessed February 4, 2026, https://data.imf.org/en/datasets/IMF.STA:COFER
- Improving the Analytical Usefulness of the IMF’s COFER Data, accessed February 4, 2026, https://www.elibrary.imf.org/downloadpdf/view/journals/005/2025/014/005.2025.issue-014-en.pdf
- World – Official Foreign Exchange Reserves by Currency (Cumulative Total) | MacroMicro, accessed February 4, 2026, https://en.macromicro.me/charts/116487/global-official-foreign-exchange-reserves-by-currency-us-dollars-billions







