نقلة تاريخية وتغير في التوازنات الإقليمية
ينقضي اليوم عام حافل بالتطورات المتلاحقة والأحداث الجسام التي لا تزال تشهدها سوريا، منذ سقوط الحكم الأسدي ومنظومته الأمنية التي تميزت بدمويتها التي لا يمكن تصور بشاعتها أو مداها في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، عانى منها السوريون طوال نصف قرن مضى، منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، حيث حكمها بما يتعارض مع الحقوق والحريات العامة والقوانين الدولية.
لقد شكل الثامن من كانون الأول 2024، نقلة تاريخية هامة، ليس في تاريخ سوريا وحدها فحسب، ولكن في المحيطين الإقليمي والدولي. فقد أدت عملية ردع العدوان إلى إحداث تغيير جوهري في التحالفات والتوازنات الإقليمية التي كانت تسيطر على سوريا والمنطقة، ولم تؤد إلى إسقاط مريع ومذلّ لواحدة من أعتى الديكتاتوريات في المنطقة وحسب، بل أدت كذلك إلى إلحاق الهزيمة بالمشروع الإيراني وإسقاطه، وإخراج روسيا من التأثير، وتحييد دورها في معادلات التوازن في العلاقات القائمة في سوريا وشرق المتوسط، على حدٍّ سواء، وإن كان لأجل قصير.
“منظومته الأمنية التي تميزت بدمويتها التي لا يمكن تصور بشاعتها أو مداها في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، عانى منها السوريون طوال نصف قرن مضى.”
تحديات السلطة الانتقالية: ازدواجية الخطاب و”ديكتاتورية الثقات”
بعد مرور عام على سوريا من دون الأسد، يجدر بنا أن نلقي باهتمامنا الجدّي على تداعيات ذلك الحدث، داخلياً وخارجياً، وأن نطرح الكثير من الأسئلة المتصلة باستعادة سوريا، وبناء الدولة الجديدة، والتغيير المأمول بعد ثورة السوريين التي طالت أربعة عشر عاماً.
وفي حقيقة الأمر، لا يمكننا النظر إلى التقييم باعتباره جردة حساب سنوية لما تم إنجازه أو لما تحقق من أهداف. المسألة مختلفة في إعادة بناء سوريا، وفي إعادة بناء الهوية الوطنية في ظل التحديات الكبيرة التي تعيشها السلطة الجديدة والمجتمع السوري معاً.
أزمة المشاركة: تغليب الولاء على الخبرة الوطنية
لم يعد خافياً على أحد، أن قيادة الشرع للبلاد في المرحلة الانتقالية، تتسم بمسألتين أساسيتين، وهما استحواذها على إدارة البلاد دون مشاركة حقيقية وجادة من قوى المجتمع السوري وفعالياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في ظل تغليب فكرة “الولاء” على الخبرات الوطنية، ويترافق ذلك مع إقصاء منظم ومتعمد لتلك القوى، وخاصة القوى التي تشكل جزءاً حيوياً وفاعلاً في الثورة السورية. وهذا شأن عانت منه قوى الثورة السورية منذ صعود التنظيمات المسلحة، التي عملت دون كلل على استبعاد القوى المدنية عن الحراك الوطني العام.
أداء ناجح خارجياً.. ورؤية قاصرة داخلياً
أما المسألة الثانية، فتتصل بازدواجية خطاب السلطة: خطاب للخارج وآخر للداخل. وفي الواقع فإن أداءها كان مميزاً وناجحاً على الصعيد الدولي، وذلك يعود بصورة أساسية للجهود التي قادتها كل من الرياض وأنقرة والدوحة، وترافقت مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض برؤية جديدة للسياسة الخارجية، مكنت الشرع من تجاوز عقبات كثيرة، والمضي في طريق تطبيع علاقات سوريا مع الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة.
“لم تؤدِ [عملية ردع العدوان] إلى إسقاط مريع ومذلّ لواحدة من أعتى الديكتاتوريات في المنطقة وحسب، بل أدت كذلك إلى إلحاق الهزيمة بالمشروع الإيراني وإسقاطه، وإخراج روسيا من التأثير.”
الإعلان الدستوري وانتخابات مجلس الشعب: عملية “قيصرية منقوصة”
في الداخل تواجه تحديات مختلفة، ناجمة عن قصور رؤيتها لإدارة مجتمع متنوع ومركب مثل سوريا. فقد استندت سلطة الشرع إلى الشرعية الثورية لتعزيز وجودها وإحداث التغييرات الإدارية والهيكلية في الدولة الخارجة للتوّ من حرب شاملة طاحنة لكل شيء. وتمثلت تلك الخطوات بالإعلان الدستوري، الذي حظي بانتقادات واسعة، خاصة من الحقوقيين والقانونيين، والذي جاء بعد مؤتمر شكلي للحوار الوطني، لم يرقَ إلى مستوى حقيقي للحوار الوطني الجاد الذي ما تزال سوريا بحاجة إليه. ولاحقاً انتخابات مجلس الشعب التي جاءت كعملية قيصرية منقوصة، في ظل المشكلات الكبيرة في الجزيرة السورية، الناجمة عن احتلال “قسد”، وفي الجنوب السوري بعد مجازر تموز الماضي.
العدالة المؤجلة: البطء في تفعيل برامج العدالة الانتقالية
دون شك، لا يملك أحدٌ عصا سحرية، يمكنها أن تحقق وتنجز كل شيء في سوريا خلال عام واحد، وهذا أمر طبيعي في أي بلد في العالم، وفي ظل أي سلطة. إلا أن البطء في تفعيل برامج العدالة الانتقالية، يلعب دوراً سلبياً اليوم، في تقويض الآمال العريضة التي تَسكن قلوب السوريين وعقولهم، بأن تأخذ العدالة مجراها، في محاسبة مجرمي الحرب، وجميع المتورطين بجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك جرائم ذات طابع سياسي وإعلامي وجنائي، ساندت نظام الأسد وبررت له استخدام العنف بالغ الإفراط ضد المدنيين، بصورة جعلت من نظام الأسد يرتكب المزيد من المجازر بشكل منظم. على النقيض من ذلك، فتحت السلطة الجديدة باب التسوية، الذي شكل ملاذاً للإفلات من العقاب.
“لم يعد خافياً على أحد، أن قيادة الشرع للبلاد… تتسم بمسألتين أساسيتين، وهما استحواذها على إدارة البلاد دون مشاركة حقيقية وجادة، في ظل تغليب فكرة ‘الولاء’ على الخبرات الوطنية.”
التحديات الداخلية والخارجية: استقرار هش وصراع الأقليات
لقد حظيت السلطة بالتفاف وإجماع شعبي غالب، لا سيما خلال الأشهر الثلاثة الأولى، لكن ذلك شهد تراجعاً نسبياً لاحقاً، ولذلك أسبابه الموضوعية. في الواقع، فإن التحديات الداخلية كانت أشد قوة ووطأة وتأثيراً على سلطة الشرع، والتي اعتقدت أنه باستطاعتها تأمين الداخل السوري، ومنع أي اختراق أمني يهدد البلاد في ظل الاستقرار النسبي الهشّ، وفي ظل استمرار وجود السلاح خارج سيطرة الدولة.
الانكفاء الطائفي والتمرد المسلح: تهديد وحدة الأراضي
تجلّت التحديات الداخلية في الأحداث الدامية التي جرت في الساحل السوري: مذابح بحق المدنيين، بعد محاولة تمرد مسلح لفلول النظام الأسدي، في مارس الماضي. وتكرر الفعل ذاته في السويداء، فارتُكبت مجازر بحق المدنيين من قبل جميع الأطراف في ظل تمرد مسبق للشيخ الهجري على السلطات الجديدة في سوريا، بدعم إسرائيلي.
وفي الواقع، إن تحرك الأقليات في سوريا، يشكل خطراً حقيقياً على وحدة الأراضي السورية، كما أنه فتح الباب واسعاً أمام العنف المسلح، وانتشار الكراهية، والانكفاء الطائفي والقومي والمذهبي، وهو ما لا يبشر بالخير إذا لم تنجح السلطات السورية في معالجة هذا الملف، الذي بات مُدوَّلاً، شاء السوريون ذلك أم أبوا.
العدوان الإسرائيلي وإدارة الملفين الروسي والإيراني
في المقابل، تبدو التحديات الخارجية أقلّ حدة وتأثيراً منها على الساحة السورية الداخلية، وهي متمثلة بالعدوان الإسرائيلي المستمر، وانتهاكاته المتواصلة لاتفاقية الهدنة لعام 1974. إضافة إلى التعامل مع الملفين الروسي و الإيراني، وإعادة بناء الثقة مع الأطراف الدولية، والتي تلعب فيها العلاقة مع البيت الأبيض دوراً إيجابياً بارزاً اليوم، بعد الدعم السعودي – القطري – التركي، المشار إليه آنفاً للرئيس الشرع.
مع تأييدنا للسلطة الجديدة في سوريا، لا قلق لدي من تولي التيار الإسلامي السلطة ، مؤكدا على أهمية المسار الديمقراطي، ودور المجتمع المدني. إلا أنني أرفض السياسات والممارسات الخطأ، ومن واجبنا كمواطنين سوريين، ومن مسؤولياتنا، التقييم والمراجعة المستمرة، وأن النقد الإيجابي الذي ينطلق من الحرص على مستقبل سوريا، مجتمعاً ودولة، هو أمر مهم، من أجل دعم عملية التغيير والبناء الوطني. وهناك الكثير من الملفات التي يتوجب علينا مناقشتها، مثل حرية التعبير، وحرية العمل السياسي وتكوين الأحزاب، وبالطبع العدالة الانتقالية، الحرية والديمقراطية دائماً وأبداً,
“النقد الإيجابي الذي ينطلق من الحرص على مستقبل سوريا، مجتمعاً ودولة، هو أمر مهم، من أجل دعم عملية التغيير والبناء الوطني.”







