سوريا بين الرجاء والألم
يحل شهر مقدس عند السوريين وهم يستقبلونه بقلوب تخفق بين رجاء يتنامى وألم لم يجف بعد. يأتي رمضان 2026 في سوريا وهي تنهض من بين ركام دمار النظام البائد، تحاول أن تضمّد جراحها، وأن تستعيد معنى الدولة والبيت والكرامة معاً، في زمن تتزاحم فيه الآمال مع التحديات، وتتقاطع فيه لحظة الإيمان مع واجب العمل.
رمضان مدرسة للروح والضمير قبل أن يكون موسماً للطقوس
رمضان ليس موسماً عابراً ولا مناسبة للشكل وحده، بل هو مدرسة للروح والضمير، تتجدد فيها الصلة بالله، ويصفو فيها القلب، وتسمو فيها القيم التي لا تقوم الأوطان من دونها: الرحمة، والعدل، والصبر، والإحسان. وفي بلد أرهقته سنوات القهر والفساد، يصبح رمضان فرصة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، وإصلاح ما انكسر في النفوس قبل الحجر، والعودة إلى جوهر الإنسان حين تضيق به الدنيا.
“رمضان ليس طقساً عابراً، بل مدرسة توقظ الروح وتصلح الضمير.”
في رمضان تتجلى الرحمة في الفعل لا في القول
تستقيم روحانية الشهر حين تتحول العبادة إلى أثر إنساني: كف يد الجائع، ستر المحتاج، ومواساة المكلوم. فالورع الحقيقي لا ينفصل عن جبر الخواطر، ولا يكتمل دون نصرة الضعفاء.
التحديات الثقيلة: ضيق العيش وتراكمات الفساد وغياب الأولويات
ورغم ما يعيشه السوريون من ضيق معيشة، وغلاء، وتعب يومي، فإن أصعب ما يواجهونه اليوم ليس الفقر وحده، بل تراكمات الفساد واللامبالاة وغياب الأولويات الواضحة. فإعادة البناء لا تكون بالواجهات ولا بالديكورات، بل بالإنصاف، وبخطة عادلة، وبإدارة ترى الناس قبل الحجر، وتضع الكرامة قبل المظهر، وتقدم حاجات المواطنين على كل اعتبار.
أولوية البناء الحقيقي: الإنسان قبل الحجر
إن معيار نجاح المرحلة الجديدة ليس في تحسين الصورة الخارجية، بل في تمكين الناس من استعادة حياتهم: سكن، خدمة، أمن، وعدالة.
النازحون في الداخل: امتحان أخلاقي ووطني حاسماً
ومن هنا يبرز ملف النازحين في الداخل بوصفه امتحاناً أخلاقياً ووطنياً حاسماً. فما زالت نسبة كبيرة من أهلنا تعيش في الخيام، تقاوم البرد والحر والمرض، وتنتظر من الحكومة الجديدة أن تجعلهم أولوية أولى، لا عنواناً في نشرات الأخبار. هؤلاء ليسوا رقماً ولا هامشاً، بل هم قلب الجرح السوري، ومن حقهم أن يروا خطة واضحة تساعدهم على ترميم بيوتهم أو بناء مساكنهم المدمرة، وتعيدهم إلى حياة طبيعية تليق بإنسانيتهم.
خطة سكنية عادلة: ترميم وبناء بدل تزيين واجهات
لا يستقيم معنى المرحلة الجديدة إذا انشغلنا بتجميل الأبنية الحكومية، أو إعادة ديكورات المقرات، أو ترميم شقق فارهة كانت سكناً لبطانة النظام البائد ثم وُزعَت على من شارك في معركة ردع العدوان، فيما تبقى العائلات في المخيمات معلقةً بين السماء والتراب. فكرامة الناس لا تعوض، وتأخير الأولويات يراكم ظلماً جديداً فوق ظلم قديم.
فضائل رمضان: مساعدة المساكين وجبر عثرة المعوزين
وفي رمضان تتضاعف مسؤولية المجتمع والدولة معاً. ففي هذا الشهر الكريم تبرز فضيلة إطعام الجائع، ومساعدة المساكين، وجبر عثرة المعوزين الذين ليس لهم بعد الله إلا باب يطرقونه، ويد تمتد إليهم. إن الزكاة والصدقة ليستا ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح وحفظ السلم الاجتماعي. كما أن الرحمة ليست عملاً فردياً فقط، بل سياسة عامة أيضاً، حين تتحول الدولة إلى معين للضعفاء، وحين تكون خططها منصبة على من هم أشد حاجة، لا على من هم أكثر قرباً أو نفوذاً.
العبادة أثر إنساني: الصيام يقود إلى الإحسان
رمضان يعلمنا أن العبادة لا تكتمل دون أثر إنساني، وأن التقوى ليست انعزالاً عن الناس بل قرباً منهم، وأن الدعاء الصادق يرافقه سعي صادق.
خاتمة: تهنئة من هيئة الإشراف وفريق تحرير منصة مآلات
وبمناسبة حلول شهر رمضان 2026 في سوريا، تتقدم هيئة الإشراف وفريق تحرير منصة مآلات بأصدق التهاني والتبريكات إلى أهلنا السوريين وإلى المسلمين جميعا أينما كانوا، سائلين الله أن يجعله شهراً مباركاً عامراً بالإيمان والرحمة والخير، وأن يكتب لسوريا فرجاً قريباً وشفاءً للقلوب، ونهضةً تليق بتضحيات أبنائها، وأن يلهم القائمين على الشأن العام رشداً وعدلاً، وأن يكرم النازحين بعودة آمنة وبيوت عامرة وعيش كريم. رمضان مبارك مقدماً، وكل عام وأنتم بخير دائماً.
![]()







