مقدمة:
بينما كنتُ أراقب اكتمال غروب الشمس في سماء هيوستن/تكساس، وبدأت النجوم تتناثر رويداً رويداً مع انسدال الظلمة، أخذت تتجلى في ذاكرتي بعض السرديات المتراكمة حول ما يجري من تصدّعٍ متسارع في تحالف المال والسلطة داخل دهاليز السياسة الأميركية. وكأنّ المشهد يُشبه انفراط عقد اللؤلؤ بين الرئيس دونالد ترامب وإيلون ماسك، الذي لم يعد سراً، بل بات ماثلاً للعيان.
في تلك اللحظة، أيقنت أن النفوذ في أميركا لا يُبنى فقط على صناديق الاقتراع، بل على تحالفات خفيَّة وعلنيَّة بين قوى المال، والتكنولوجيا، والسلطة.
فهل حقاً تلاشى أحد أبرز تلك التحالفات بين رجل الأعمال الذي اقتحم البيت الأبيض، دونالد ترامب، والملياردير الحالم بغزو المريخ، إيلون ماسك؟
علاقة بدأت بالمديح والدعم المتبادل، لكنها اليوم تتفكك أمام أعين الجميع، وسط تبادل اتهامات، وتصريحات نارية، وارتدادات اقتصادية تهز الأسواق.
فما الذي حصل حقاً؟ وما الذي دفع أغنى رجل في العالم إلى الوقوف في وجه أقوى رجل في أميركا؟
مناصرة ثم خيانة: صعود ماسك إلى فريق ترامب
لم يكن إيلون ماسك في البداية سوى أحد أبرز حلفاء ترامب الاقتصاديين. دعمه خلال حملته الانتخابية عام 2024، واستضافه في لقاءات كبرى على منصة “إكس”، بل وعُيّن في لجنة خاصة لمشورة الرئيس حول “مستقبل الابتكار والاقتصاد الرقمي”.
صرّح ترامب حينها:
“إيلون عبقري، وهو مثال على ما يمكن أن تفعله العقول الحرة في أميركا. إنه بطل حقيقي للرأسمالية الأميركية.”
لكن تلك الكلمات الودودة تحوّلت لاحقاً إلى نيران سياسية واقتصادية.
بداية الانفجار: قانون ترامب يُقصي ماسك من المشهد
أقر ترامب في ولايته الثانية قانوناً جديداً للإنفاق العام، تضمّن تقليص الحوافز للسيارات الكهربائية والطاقات النظيفة، وهو ما اعتُبر طعنة مباشرة لاقتصاد “تسلا“.
ماسك انفجر غاضباً عبر منصة “إكس”، وكتب:
“القانون الكبير ليس سوى طريق مباشر إلى إفلاس أمريكا. ما نعيشه اليوم ليس ديمقراطية، بل احتكار حزبي بوجهين.”
هذه التغريدة كانت بداية الشرخ الحقيقي بين الرجلين.
ولادة “الحزب الأمريكي”: تمرد علني على قطبي الحكم
ماسك، في خطوة مفاجئة، أطلق استطلاعاً على “إكس” يسأل فيه: “هل تحتاج أميركا إلى حزب ثالث؟” أكثر من 1.2 مليون صوت، 65% منهم قالوا نعم. بعدها أعلن تأسيس حزب “America Party” بمبادئ تركز على حرية التعبير، مقاومة الإنفاق الحكومي المفرط، وإنهاء سطوة جماعات الضغط.
قال ماسك في بيان التأسيس:
“إذا بقيت الأمور على ما هي عليه، سنشهد أزمة أخطر من أزمة 2008. أنا لا أؤمن بالشعارات، بل بالأفعال.”
ترامب يرد بالسيف: دعم الدولة سيتوقف
لم يتأخر ترامب في الرد، وهاجم ماسك مباشرة عبر “تروث سوشيال”:
“إيلون يتحدث عن إفلاس، بينما شركته هي التي تحتاج الإنقاذ. أمريكا ستظل قوية، ولن تدار من قبل رجل فقد امتيازاته.”
ثم تابع في تصريح لاحق:
“ماسك لا يستحق سنتاً واحداً من أموال دافعي الضرائب بعد اليوم.”
مقربون من البيت الأبيض كشفوا أن الإدارة بدأت بالفعل بمراجعة العقود الفيدرالية مع شركات ماسك، وخصوصاً “سبيس إكس” و”تسلا” و”X.AI“.
الأسواق تهتز: تغريدة تطيح بالمليارات
رد الفعل لم يكن سياسياً فقط، بل مالياً:
- سهم تسلا انهار بنسبة 6% خلال ساعات
- خسرت الشركة أكثر من 150 مليار دولار من قيمتها السوقية
- ثروة ماسك الشخصية انخفضت بمقدار 34 مليار دولار في يوم واحد
في المقابل، شهدت “تروث سوشيال” ارتفاعاً بنسبة 130% في الإيرادات، وكتب ترامب بفخر:
“الإعلام الحقيقي اليوم معنا. ومنصات ماسك… بضاعتها أصبحت صامتة.”
هل يستطيع ماسك النجاة دون شبكة الأمان الحكومية؟
رغم تصريح ماسك:
“لا أريد دعماً من أحد… أريد فقط حرية الابتكار.”
إلا أن الحقائق المالية تُكذّب ذلك. فشركاته تستند على أكثر من 38 مليار دولار من العقود والدعم الحكومي، تشمل:
- حوافز ضريبية
- قروض طاقة متجددة
- عقود دفاعية وفضائية حيوية
أي تعطيل لهذه السلسلة قد يشل “تسلا” و”سبيس إكس” في السوق المحلي والدولي.
ردود فعل دولية: هل هي بداية نهاية الهيمنة الأمريكية في التكنولوجيا؟
لم تكن المعركة بين ترامب وماسك شأناً داخلياً فقط، بل تحوّلت إلى ملف يثير اهتمام عواصم العالم:
- بكين: ترى في تراجع “تسلا” فرصة استراتيجية لزيادة صادرات سيارات “BYD” والسيطرة على سوق البطاريات العالمي.
- بروكسل: بدأت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إعداد حزم دعم لشركاتها التكنولوجية، أملاً في تقليص هيمنة “سبيس إكس” و”ستارلينك” على الفضاء السيبراني.
- موسكو: وسائل إعلام روسية وصفت الأزمة بأنها “نهاية الحلم الأميركي بالتفرد في الفضاء”.
- إسرائيل: مصادر تحدثت عن “قلق استراتيجي” من احتمال تراجع خدمات الإنترنت العسكري الفضائي الذي توفره “ستارلينك” للجيش الإسرائيلي.
المؤكد أن دولاً كثيرة تتابع هذا الانفراط التاريخي في عقد العلاقة بين رمزيْ المال والسلطة الأميركية، وتتأهب لاستغلال لحظة الارتباك.
خاتمة: عقد اللؤلؤ الذي تناثر… فهل يُجمَع من جديد؟
ما بين الطموحات الفضائية وخطابات القومية الاقتصادية، يتشكل أمام أعيننا صراع نادر لا يُحسم بالصناديق الانتخابية وحدها، بل عبر إعادة تعريف دور رأس المال في الحكم.
قد يكون ماسك قد خسر بعض المليارات، لكنه كسب سلاحاً جديداً: التعاطف الشعبي كمتمرد على النظام. أما ترامب، فربما وجد في معركته هذه فرصة لإعادة صياغة مفهوم “أميركا أولاً” بعيداً عن عباءة وادي السيليكون.
لكن تبقى الحقيقة الأهم: إذا سقطت تسلا وسبيس إكس، فلن تتأثر بورصة نيويورك وحدها، بل سيتغير ميزان القوة التكنولوجية العالمي. فكل دولة تترقب هذا الصراع بحذر، ليس حباً في أحد الطرفين، بل خشية من التداعيات.
وفي عالم ما زال هشاً اقتصادياً، لن يكون ما يحدث بين ترامب وماسك شأناً داخلياً فحسب. فقد صدق المثل السياسي القديم حين قال:
"إذا عطست أمريكا، أُصيب العالم بالزكام." - "When America sneezes, the world catches a cold." فعندما تحدث أزمة اقتصادية أو سياسية في الولايات المتحدة، فإن تداعياتها تمتد بسرعة إلى الأسواق العالمية.