تقديم
بعد أنْ تشكلت خبرة الأكاديمي السياسي “نيقولاوس فان دام” خلال العقود السته، واكتسابه مكانة مرموقة مكنته من الفهم العميق للشأن السوري أثناء تشكل السمة الجديدة التي آلت إليها السياسيه والاجتماعيه والثقافيه بل وحتى الطائفيه والعرقيه في مرحلة الصراع على السلطة فيها بعد أنْ تربَّع حزب البعث سدَّة الحكم في سورية 1963.

وقد لخص كل ذلك في كتابين مرجعِييّن هما “الصراع على السلطة في سوريا” الصادر عام 79 ” و “تدمير وطن: الحرب الأهلية في سوريا“ عام 2017.
ويُحتسَب لهذا الدبلوماسي الهولندي السفير “فان دام” انصافه حيث ألفَ على الإتيان بذكر سجايا الشعب السوري وأحواله كلما ظهر في وسائل الميديا بين فترة وأخرى.
نقتطف هنا بعض الإقتباسات للأفكار التي درج على طرحها مراراً بأسلوبه الشيق ونطقه اللغة العربية بشكل سليم.
افتخاره بالانغماس في الثقافة السورية
بدأ ت بالتعرف على سوريَّة إلى عام 1964 -يعني تقريبا 60 سنه 59 سنه بالتحديد – عندما زرتها لأول مره 1964 راغباً التعمق في معرفة العالم العربي بعد أنْ درست من قبل اللغه العربيه الفصحى قليلا عن والدي الذي كان يدرس اللغه العربيه ويُبحِر في قواميسيها. وهذا شجعني على التعرَّف عن قرب على العالم العربي.
صادف عندما اقتربت من الحدود السوريه في باب الهوى في هذه السنه أنْ كانت الحدود مغلقة، ولأنَّ الشرطه الحدوديَّه كانوا نياماً، اضطررت للنوم ضيفاً عند “مصطفى” أو “علي”. وفي اليوم الثاني كنت قد فقدت خلال نومي محفظتي وجواز سفري لأنها سقطت على الأرض.
وفي الصباح اقترب مني واحد سوري وقال لي: هنا فلوسك ومحفظتك وجواز سفرك!
كان اسم القرية “كفر قرمين”. وقد بتُّ فيها يومان أو ثلاثه، شعرت عندها لأول مرَّه بالضيافة الكريمه الممتازه من قبل السوريين. فهذه جعلت تجربتي ايجابية للغاية -طبعا ما حكيت العربي يعني بس بعض الكلمات- ولكن تشبَّعت من الجوّ الاجتماعي الحلو.
وبعدها سافرت إلى دمشق ومن ثمَّ إلى لبنان، وبعدها إلى الإردن وإلى الضفه الغربية الغير محتله انذاك قبل 1967. فهذه كانت رحلة مهمة بالنسبة لي. وخلال هذه الرحلات، تعلّمت الكثير طبعا أكثر من لو كنتُ في الجامعة وأجلس في مكتبة.
في عام 1970 كان عليَّ أنْ أكتب أطروحتين أكاديميتين الأولى (تاريخ حزب البعث في سوريا) والثانية (موضوع حول أيديولوجية البعض). وكنت آنذاك أمام خيارين، فإما أبقى في أمستردام مكان دراستي -في مكتبة الجامعة-، أو أن أسافر إلى سوريا أعيش هناك لمدة سنه وعندي مجال لإجراء مقابلات، اقرأ كل شيء يتوفر لي.
قضيت وقت من هذه السنة في حلب، ووقت آخر في دمشق حيث أجريت الكثير من المقابلات المهمة، خاصة مع بعض البعثيين القدامى الذين كانوا يعيشون -آنذاك- في الأردن والعراق.
تركزت دراستي على معرفة الهويات الاجتماعية أكثر بكثير من الصراع الطبقي -طبعا الطبقة مصطلح مهم – ولكن الأهم دراسة الاختلاط بين هويات عديدة مثل الهويات الطائفية وهويات الأقليات وهويات العشائر.
مما شجعني على هذا التركيز في دراسة الأقليات، هو انتشار شعارات تخص تلك المرحلة وأهمها (لا للطائفية) حيث كانت لفظة الطائفية محرمة -أيّ ممنوعة- رغم أنها موجودة خاملة في الخفاء. ولولا وجودها لما ظهرت تلك الشعارات.
لقد حالفني الحظ، خاصة عند وجودي في دمشق، أنْ أتعرف على كثير من الأشخاص المقرَّبين من الحكام -وكانوا طبعاً حزب البعث وصل الى السلطه عام 63 قبل سنه من وصولي إلى دمشق، حيث أتاحوا لي أنْ أعيش أجواء تلك الفترة بشكل واقعي.
فان دام من الدراسة نحو الدبلوماسيَّة
عندما رجعت إلى هولندا من لبنان حيث حضّرتُ أطروحة الدكتوراه، لم تكن متاحة لي فرصة العمل في الجامعة. وبالصدفة، تيسرت لي وظيفة في وزارة الخارجية، مما أتاح لي الانخراط في الحياة الدبلوماسية التي هيأت لي الفرصة أنْ أعيش في البلدان التي أحبُّ، خاصة البلدان العربية. وابتدأت بلبنان والأردن وفلسطين وبعدها في ليبيا، ومن ثمَّ في العراق حيث كنت سفير اً. وبعدها في مصر وتركيا وألمانيا وإندونيسيا واخيرا مبعوثاً خاصاً لسوريا.
خبرة فان دام أفادت الحكومة الهولنديَّة
لم تكن الحكومه الهولنديه تتوقع في أي وقت من الأوقات مدى الإستفادة من الخبرة والتعمق الذي أملكه بما يخصُّ الشأن السياسي والثقافي والاجتماعي في سوريا، فلو حصل ذلك لكنت تعيَّنتُ بمنصب سفير لهولندا. ولكن ما حدث أني أرسلتُ كي أكون في فريق العمل مع السفير الهولندي في دمشق الذي اقترح اسمي كي اشتغل معه هناك. وفي آخر المطاف أصبحت مبعوثاً خاصا لسوريا. وقد كنت أرافق وزير الخارجية الهولندي في زيارته للرئيس حافظ الأسد -المرة الأولى كانت عام 1979- وتكررت بعد ذلك عدة مرات.
في إحدى الزيارات، كانت لنا جلسات طويلة في القاعة التي يستقبل الأسد ضيوفه فيها دائماً. وكانت على جدار القاعة لوحة تُمثل معركة حطين التي هزم العرب فيها الصليبيين.

وكان يفسر لنا بإسهاب ممل سياسته التي كنا نعرفها مسبقاً ورؤيته الإستراتيجية بالنسبة الى إسرائيل بأن يكون هناك توازن في القوى يعني (لديه نفس القوة مثل إسرائيل). شرح تحالفاته، مثلاً تأييده لإيران في حربها مع العراق.
استراتيجية وصول حافظ الأسد للحكم
استطاع حافظ أن يصفي كلَّ من منافسيه من الرفاق الحزبيين من أجل التفرّد في حكم سوريا. وقد كان محفوفاً بعدد كبير ممن كانوا أهمّ منه طائفياً، أو أعلى رتبةً منه حزبياً وحتى عسكرياً وسياسياً. من هؤلاء كان اللواء محمد عمران أحد أعضاء اللجنه العسكريه في مجموعة الشخصيات الحزبية والعسكرية، وكذلك اللواء صلاح جديد، وغيرهم الكثير من الشخصيات الحزبية الذين استطاع الأسد التخلص تدريجيا منهم بسهولة والسيطرة على الحكم بمساعدة قاعدة قوية من الضباط الموالين له.
على سبيل المثال:
- اللواء صلاح جديد -وهو من أبرز العسكريين- ارتكب خطأً عندما ترك منصبه العسكريّ كرئيس الاركان في الجيش، وتفرَّغ ليصبح الأمين العام المساعد لحزب البعث للقياده القطريه، استطاع الأسد سجنه ببساطة حتى قضى نحبه في أقبية الظلام.
- اللواء محمد عمران الذي كان موقعه الديني – من نخبة الوجهاء العلويين- وكان حوله لفيفاً من الضباط العلويين الكبار، قام الأسد بإضعاف دوره تدريجياً حتى تمَّ ابعاده إلى طرابلس حيث أغتيل بعملية غَدرٍ نفذها شقيق الأسد رفعت.
- المقدم سليم حاطوم وهو من أصول درزية، أوصله طموحه في اعتلاء مناصب تدافع الكثير عليها، مما جعل حافظ الأسد يضعف مركزه خشية من نشاطه. لكنَّ اندفاع حاطوم لتشكيل مجموعة من المتحالفين معه .
- عبد الكريم الجندي وهو الضابط السوري الإسماعيلي الذي كان -كما توقع الأشهاد- مرشحاً لتولّي وزارة الدفاع، خلفاً لحافظ الأسد، بعد هزيمة عام 1967. بدأ الجندي يدرك أن مجموعة المتحالفين مع صلاح جديد بدأت تتقلص أعدادهم، وتفقد الكثير من نفوذها بعد حرب حزيران. خاصة بعد أنْ أطيح بقائد الجبهة “أحمد المير” وهو من الطائفة الإسماعيلية. وبعدها جاءت إقالة رئيس الأركان “أحمد سويداني“، واستبداله بمصطفى طلاس. وخلال الفترة ما بين 25-28 فبراير/شباط 1969، تمت الإطاحة برؤساء تحرير الصحف الرسمية المحسوبة على صلاح جديد، وبدأ يضيق الخناق حول عبد الكريم الجندي، واستشعاره بأنه سيكون رهن الإعتقال، أطلق عبد الكريم الجندي الرصاص على رأسه وهو في مكتبه ليلة 2-3/آذار /1969، حسب ما ورد في بيان رسمي أذيع في رسمياً يوم 4 آذار.
زبدة القول
كان حافظ الأسد -فعلا- الشخص الوحيد القابض بيد من حديد على السلطة. كان يقرر كل شيء وحتى بعد أنْ أصبح رئيساً، كان له عالمه الخاص، ويدير من وراء مكتبه الأيدولوجية الطائفية الجديدة، حيث أصبحت الشخصيات العلوية تحتل نسبة أكثر من 60% من مراكز السيادة التي تكفل بقاء الأسد للأبد.
ويدافع السفير الهولندي عن آرائه تلك، بأنها موثقة في أطروحاته الجامعية وفي كتبه التي أصدرها لاحقاً لتوثيق مفرزات حكم آل الأسد في سورية. وسأفرد مقالاً لاحقاً بما قاله هذا السفير عن بشار الأسد والثورة السورية.