تمهيد
لطالما شكّل المطبخ السوري بركائزه المتنوعة من الحبوب والبقوليات وزيت الزيتون والخضار الطازجة أساساً للصحة والعافية. وقد ظلّ القول المأثور “المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.” هذا القول يركز على أن كثيراً من الأمراض تنشأ من سوء أنماط التغذية، وأن التحكم في ما نأكله (الحمية) هو أساس العلاج. جزءاً من ثقافتنا اليومية. غير أنّ دخول الأغذية المصنّعة والإضافات الكيميائية والحبوب المعدّلة على موائدنا طرح أسئلة جديدة: هل يمكن أن يكون بعض ما نعتبره صحياً – كالقمح أو الحليب – سبباً خفياً لأمراض مزمنة استعصى على الطب تفسيرها؟
وتنشر منصة “مآلات” هذا المقال كي يسلّط الضوء على البيئة السريرية (Clinical Ecology)، وهو حقل طبي مثير للجدل يعيد النظر في علاقتنا بالأطعمة اليومية، ويطرح فرضيات غير مألوفة حول دورها في نشوء أمراض مزمنة في المجتمع السوري الذي عصفت فيه مؤخراً ظاهرة “المأكولات الغربية” احتذاءً بالمثل القائل “كل أفرنجي برنجي“.
مدخل إلى البيئة السريرية (Clinical Ecology)
ظهرت البيئة السريرية لتفسر تعقيدات تشخيص أمراض مثل “الفيبروميالجيا – Fibromyalgia” و “التصلب المتعدد – Multiple Sclerosis” و “الصداع النصفي المزمن – chronic migraine” حيث تتوزع الأعراض على أجهزة متعددة في الجسم. ففي دراسة منشورة في Clinical Allergy (1980) تبيّن أن عدداً من مرضى الصداع النصفي أبلغوا عن تحسّن ملحوظ بعد استبعاد القمح والجبن من نظامهم الغذائي.
يقول الدكتور جوناثان بروستو، أحد رواد هذا المجال:
“إنّ كثيراً من المرضى الذين عانوا لسنوات من أعراض مبهمة أظهروا تحسناً سريعاً عند استبعاد الطعام المسبب.”
الآلية المقترحة
يفترض أن بعض الأطعمة تعمل كمحفّز مناعي خفي، بحيث تحفّز خلايا في الأمعاء (كالخلايا البدينة) على إطلاق وسائط التهابية في الدم. هذه المواد حين تنتقل إلى أنسجة مختلفة، قد تسبّب:
- التهاب المفاصل الروماتويدي (Rheumatoid Arthritis): هو مرض مزمن من أمراض المناعة الذاتية، وهذا يعني أن الجهاز المناعي يهاجم أنسجة الجسم السليمة عن طريق الخطأ، وخاصة المفاصل. يمكن أن يصيب الأشخاص في أي عمر، ولكنه أكثر شيوعاً بين البالغين. يؤثر بشكل أساسي على المفاصل، وخاصة المفاصل الصغيرة في اليدين والقدمين، ويتميز بتأثيره على الجانبين الأيمن والأيسر من الجسم بشكل متماثل. يستمر مدى الحياة ويتطلب علاجاً طويل الأمد لإدارة الأعراض ومنع تلف المفاصل.
- أعراض تنفسية كالربو: وهو مرض تنفسي مزمن يتميز بضيق الشعب الهوائية، مما يسبب أعراضاً مميزة. هناك العديد من الأمراض والحالات الأخرى التي تشترك في بعض الأعراض مع الربو، مما قد يجعل التمييز بينها صعباً. من أعراضه الرئيسية:
- ضيق في التنفس: الشعور بصعوبة في سحب الهواء أو عدم القدرة على التنفس بعمق.
- الصفير (Wheezing): صوت صفير أو أزيز عالي النبرة يخرج من الصدر عند الزفير، وهو علامة مميزة لتضيُّق الشعب الهوائية.
- السعال: قد يكون سعالًا جافاً ومستمراً، خاصة في الليل أو عند ممارسة الرياضة.
- ضيق أو ألم في الصدر: الشعور بالضغط أو الثقل على الصدر.
- اضطرابات عصبية كالصداع أو فقدان التركيز.
نشرت عام (1985) مجلة “Journal of Orthomolecular Medicine”:
تحسّنت حالة مريض روماتوئيدي بعد التوقف عن استهلاك منتجات الألبان، ما يعزز فكرة وجود صلة بين الالتهاب الغذائي وآلام المفاصل.
منهجية التشخيص والعلاج
تعتمد البيئة السريرية (Clinical Ecology) على ثلاث مراحل:
- مرحلة الصوم والتطهير: الامتناع لعدة أيام عن الطعام والاكتفاء بالماء المعدني لإزالة المؤثرات.
- اختبار الاستفزاز: إعادة إدخال الأطعمة تدريجياً أو باستخدام مستخلصات تحت اللسان.
في تقرير صادر عن American Academy of Environmental Medicine (1992)، تبين أن هذا الاختبار كشف حساسية متأخرة لم تُظهرها الفحوص التقليدية.
3. العلاج بجرعة مُكافِئة: إعطاء جرعات مخففة جداً من الطعام المسبب للحساسية لتعريف الجسم عليه تدريجياً، شبيه بالعلاج المناعي التقليدي.
دراسات حالات مَرَضية:
- التصلب المتعدد: أورد الطبيب Theron Randolph حالة شابة شُخّصت خطأً بمرض التصلب المتعدد، لكنها تعافت بعد استبعاد الموز من غذائها.
- الشلل واضطرابات النطق: مريض آخر عانى 16 عاماً من شلل جزئي وفقدان النطق، وتعافى تدريجياً بعد التوقف عن تناول القمح والبرتقال.
يقول راندولف في كتابه Human Ecology and Susceptibility to the Chemical Environment (1962):
“الأطعمة قد تكون في بعض الحالات أشد خطورة من السموم البيئية، لأنها تدخل أجسادنا يومياً تحت غطاء الغذاء الصحي.”

الجدل والانتقادات
واجهت البيئة السريرية رفضاً واسعاً من الأوساط الطبية. ويؤكد الدكتور Raymond Slavin من جامعة واشنطن:
“ما لم تُدعَم النتائج بتجارب مزدوجة التعمية محكمة، فإن قصص الشفاء تبقى روايات مثيرة، لكنها لا تمثل برهاناً علمياً.” (Annals of Allergy, 1990)
الخلاصة
يبقى الطب البيئي السريري مجالاً مثيراً للجدل بين مؤيد يراه مدخلاً لفهم أعمق للصحة، وناقد يراه أقرب إلى “شبه علم”. لكن المؤكد أنّ العلاقة بين الطعام والصحة أكثر تعقيداً مما نتصور، وأن البحث العلمي المستقل هو الطريق الأمثل لتوضيح الصورة.
المراجع
- Randolph, T. G. (1962). Human Ecology and Susceptibility to the Chemical Environment.
- Clinical Allergy (1980). Food Sensitivity and Migraine.
- Journal of Orthomolecular Medicine (1985). Case reports on rheumatoid arthritis and dairy exclusion.
- American Academy of Environmental Medicine (1992). Position Paper on Food Sensitivities.
- Slavin, R. (1990). Critical review on Clinical Ecology, Annals of Allergy.