ما جرى في فنزويلا فجر 3 يناير/كانون الثاني 2026 لم يكن عملية عسكرية بالمعنى التقليدي. لم يكن ردعاً، ولا “إشارة قسرية”، ولا تصعيداً محسوباً. كان ــ في جوهره ــ إعلاناً رسمياً لإنهاء مرحلة. لم تدخل الولايات المتحدة كاراكاس لتفاوض أو تساوم أو تُعيد ضبط ميزان النفوذ؛ بل دخلت لتبلغ رسالة أخيرة: حين تقرّر واشنطن، تُغلق الملفات.
تمثّل عملية «رمح الجنوب» إعادة تفعيلٍ عملياتي لعقيدة أمريكية قديمة طالما كبّلها التردد: عقيدة الحسم السيادي. وفق هذه العقيدة، لا تُستخدم الأدوات النخبوية لإدارة النزاع وتمديده، بل لإنهائه. وتكفّ الدول ذات الخصومة عن كونها أطرافاً سياسية قابلة للمخاطبة، لتتحول ــ بعد فشل الاحتواء ــ إلى أهداف قابلة للإزالة.
«دلتا فورس» ليست قوة مداهمة… بل أداة قرار
الخطأ التحليلي الشائع هو التركيز على الوحدة لا على القرار. «دلتا فورس» لا تُستدعى لصيد الميليشيات أو تصفية قادة من الصف الثاني؛ فهذه مهام روتينية تُفوَّض عادةً. يتم نشر «دلتا» عندما يُسحب الغطاء السياسي بالكامل، وعندما تصير الدولة ذاتها هدفاً.
ما حدث في كاراكاس لم يكن “براعة تكتيكية” بقدر ما كان انهياراً منظماً بالتصميم: شلل جوي ودفاعي، تعطيل القيادة والسيطرة، عزل الحلقة القيادية، ثم “استخراج الهدف” دون اشتباك تقليدي. هذا هو الحسم السيادي: قوة مضغوطة، وتزامن ساحق، ومساحة تفاوض تساوي صفراً. قرار يُنفَّذ ولا يُختبَر.
لماذا فنزويلا؟ ولماذا الآن؟ الطاقة قوةٌ لا تجارة
لم يكن النفط “الدافع” بقدر ما كان “الوظيفة”. فنزويلا ليست مجرد دولة نفطية؛ إنها تمتلك أكبر احتياطيات طاقة مؤكدة في العالم خارج السيطرة الأمريكية المباشرة. وفي زمن إعادة التموضع العالمي في أسواق الطاقة، يصعب ترك هذا الحجم تحت حكم خصمٍ مندمج في اصطفاف صيني ـ روسي ـ إيراني.
إن التحكم بفنزويلا يجهض مسارات طاقة بديلة إلى الأسواق الغربية، ويُعيد مركز الثقل الطاقي إلى داخل النصف الغربي من الكرة الأرضية، ويحوّل الاحتياطيات الفنزويلية من أصل سيادي خصم إلى رافعة أمريكية استراتيجية. هذا ليس “استيلاءً على الموارد” بالمعنى المباشر؛ بل هو إعادة هندسة قسرية لسوق الطاقة.
من كاراكاس إلى هرمز: نهاية الابتزاز الطاقي الإيراني
هنا تكمن الرسالة الأساسية غير المعلنة. لقد قامت العقيدة الاستراتيجية لطهران على فرضية واحدة: اضغطوا على إيران، فتضغط إيران على العالم عبر هرمز. إن السيطرة الأمريكية على “عقدة طاقة” بديلة بحجم فنزويلا تقوّض تلك المعادلة. عندها يصبح هرمز تعطيلاً قابلاً للاحتواء لا “خنقاً استراتيجياً” للعالم.
واشنطن لا تسعى إلى حرب مع إيران، لكنها ــ وفق هذا المنظور ــ نزعت أوراق الضغط. فطهران هشّة اقتصادياً، مرهقة اجتماعياً، وتستمد قدرتها من تصدير الاضطراب أكثر من إنتاج القوة. وإذا سُحبت ورقة الطاقة، تُختزل إيران إلى “ضجيج” بلا قدرة حاسمة. وتدرك الولايات المتحدة كلفة الشرعية والقانون والسمعة… لكنها تقبلها حين ترى أن العائد الجيوسياسي أعلى.
إشارة مباشرة إلى بكين: زمن “الاستثمار المحمي” انتهى
لا تقتصر خسارة الصين في فنزويلا على النفط. الذي انهار هو نموذج نفوذ كامل: قروض مقابل موارد، بنى تحتية مقابل ولاء، وتغطية سياسية دون التزام أمني فعلي. «رمح الجنوب» يرسل رسالة فجة: لا توجد مناطق نفوذ آمنة حين تتعلق المسألة بالمصالح الأمريكية الجوهرية. لم تعد الاستثمارات الصينية الخارجية أصولاً معزولة؛ بل صارت التزامات مكشوفة سياسياً.
نهاية عصر الميليشيات الأيديولوجية
على المستوى الإقليمي، تبدو الرسالة بلا مواربة. لم يعد حزب الله “أصلاً استراتيجياً” بقدر ما أصبح عبئاً: شرعية متآكلة، قواعد دعم منهكة، وقدرة عسكرية منفصلة عن قابلية سياسية للحكم أو الشراكة. والحوثيون يسيرون في المسار ذاته: أدوات صاخبة بفائدة استراتيجية ضئيلة. النتيجة ــ في هذا التصور ــ ليست موضع شك؛ إنما التوقيت فقط هو المتغير، تحكمه عتبات الاستنزاف واستعادة السيادة.
عودة السلطة الأمريكية… بالفعل لا بالخطابة
لا تُستعاد الهيبة عبر الخطب أو السرديات الأخلاقية. تُستعاد حين يُزال رأس دولة دون حرب، وحين تُغلق ملفات امتدت عقوداً خلال ساعات، وحين تُعاد هندسة “حدود المسموح”. ما عجز عنه التردد، يُفرض الآن بمنطق صارم: حين تفشل الأدوات الأخرى، تُعاد رسم الخرائط بالقوة.
ليست «رمح الجنوب» نهاية فنزويلا؛ إنها افتتاح مرحلة عالمية جديدة تُعامل فيها السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها ملفاً سيادياً مغلقاً لا ساحة مساومة. من كاراكاس إلى طهران، ومن بكين إلى ضاحية بيروت الجنوبية، الرسالة واحدة لا لبس فيها: الولايات المتحدة لا تسعى إلى التصعيد… لكنها لم تعد تتسامح مع الابتزاز. والملفات التي تقرر واشنطن إغلاقها تبقى مغلقة.
إسناد وموافقة إعادة النشر: نُشر هذا المقال بالعربية (ترجمةً/إعادة نشر) عن المقال الأصلي للكاتب كرم خليل المنشور على موقع Stand Up America US Foundation: http://www.standupamericaus.org/، وذلك _دون تصرّف في المضمون_ وبموافقة خطّية من الجهة صاحبة حقوق النشر. تم الحصول على الموافقة عبر مراسلة بريدية بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 2026 من اللواء المتقاعد بول فاللي (MG US Army (Ret))، Chairman – Stand Up America US Foundation، President of the MacArthur Society of West Point Graduates. **- للتواصل (بحسب بيانات الجهة): www.standupamericaus.org | suaus1961@gmail.com | standupamericaus@protonmail.com | هاتف: 406 249 1091 (Secure Phone) **-.







