“الازدهار بعد الأزمة ليس معجزة تهبط من السماء، بل هو حصاد “الاستثمار في العقل” والتعلم من مرارة الفشل.”
د. أسامة قاضي
توطئة:
بعد أكثر من عقد على الحرب، تقف سوريا أمام مفترق طرق تاريخي: إما الانكفاء الطويل في دائرة العزلة والعقوبات وتآكل الاقتصاد، أو الشروع في مسار تحوّل استراتيجي يستفيد من تجارب دول خرجت من حروب مدمّرة ونجحت في إعادة بناء نفسها.
تقدّم التجربة الفيتنامية نموذجاً لافتاً لدولة خرجت من حرب شرسة، وعزلة دولية خانقة، واقتصاد منهك، ثم استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول إلى مركز صناعي عالمي وشريك اقتصادي رئيسي للولايات المتحدة.
يستعرض هذا المقال مقارنة تحليلية بين مساري سوريا وفيتنام، مستخلصاً ثمانية عوامل بنيوية حاسمة يمكن أن تشكّل خارطة طريق واقعية لانتقال سوريا من اقتصاد الصراع إلى اقتصاد الإنتاج، ومن العزلة إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
أولاً: المقارنة الديموغرافية والجغرافية بين سوريا وفيتنام
مساحة فيتنام ضعف مساحة سوريا (331,690 ألف كم²)، وعدد سكانها خمسة أضعاف سكان سوريا حيث بلغ 102 مليون نسمة، وتضم 54 مجموعة عرقية معترف بها من قبل الحكومة الفيتنامية، وسبع فئات دينية ولا دينية.
ثانياً: الخروج الأمريكي واستمرار الصراع الداخلي
خرج آخر جندي أمريكي من فيتنام في مارس 1973، لكن الفيتناميين الشماليين ظلوا مصرّين على استرجاع فيتنام الجنوبية، واستمرت الحرب حتى يناير 1975، حيث احتفلوا بدخول سايغون في 30 أبريل 1975. ومع ذلك، استمرت المأساة الاقتصادية وبؤس الشعب الفيتنامي حتى بعد خروج الأمريكيين.
ثالثاً: العزلة الاقتصادية والعقوبات الدولية
اتبعت فيتنام سياسات انعزالية، بينما عملت الولايات المتحدة بجد لعزلها اقتصادياً، ما أدى إلى نتائج كارثية، مشابهة لما تسببت به العقوبات الاقتصادية الغربية والأمريكية على النظام السوري.
في عام 1976 أعلن المؤتمر الوطني الرابع أن فيتنام ستكمل تحولها الاشتراكي خلال عشرين عاماً، لكن هذا التفاؤل ثبت أنه بلا أساس، إذ انتقلت البلاد من أزمة اقتصادية إلى أخرى.
«قادت عزلة فيتنام والعقوبات الاقتصادية التي فُرضت عليها إلى دوّامة من الأزمات المتلاحقة، في تحذيرٍ بليغ يتردّد صداه اليوم في ملامح المعاناة السورية الراهنة.»
د. أسامة قاضي
رابعاً: فشل التخطيط المركزي وتراجع مستوى المعيشة
سارت الخطة الخمسية الثانية بشكل سيئ للغاية، وانهارت 10,000 من أصل 13,246 تعاونية اشتراكية بحلول عام 1980.
كما انخفض دخل الفرد الشهري في الشمال من 82 دولاراً عام 1976 إلى 58 دولاراً عام 1980، وهو قريب من معدل دخل الفرد السوري الحالي (25–50 دولاراً).
خامساً: رفع العقوبات والانفتاح على الاقتصاد العالمي
1. التحول الاقتصادي بعد الانفتاح
بعد إزالة العقوبات الاقتصادية والسياسية، وتوقيع اتفاقيات مع الولايات المتحدة، والانضمام إلى منظمات دولية مثل منظمة التجارة العالمية، ارتفع الناتج القومي الفيتنامي من 14 مليار دولار عام 1985 إلى 261 مليار دولار عام 2019.
وبالعملة المحلية، ارتفع 214 ضعفاً من 28 تريليون دونغ إلى 6 كوادريليون دونغ.
2. النمو الاقتصادي والمؤشرات الكلية
ارتفع معدل النمو الاقتصادي من 3.85% عام 1985 إلى 7% عام 2019، وبلغ ذروته عند 9.54% عام 1995.
كما ارتفعت حصة الفرد من الناتج القومي 21 ضعفاً من 377 دولاراً عام 1985 إلى 8041 دولاراً عام 2019.
3. الصادرات والاحتياطي النقدي
بلغت صادرات فيتنام 248 مليار دولار عام 2019، واحتياطيها النقدي 49.5 مليار دولار عام 2017.
سادساً: التحول الزراعي والصناعي
انتعش إنتاج الأرز بشكل كبير، ما جعل فيتنام من أكبر مصدري الأرز عالمياً، ونمت صادرات الشاي والقهوة، وبدأت المصانع بإنتاج الأحذية والملابس وأجهزة الكمبيوتر للتصدير.
وبحلول عام 2001، كان الاقتصاد الفيتنامي ينمو بنحو 8% سنوياً.
سابعاً: إصلاحات «دوي موي» والتحول إلى اقتصاد السوق
لم تبدأ إصلاحات السوق إلا عام 1986 عبر سياسة «دوي موي»، حيث تم التخلي عن التخطيط المركزي والانفتاح على قوى العرض والطلب، وإنهاء العمل الجماعي الزراعي، والسماح للمزارعين ببيع إنتاجهم في الأسواق.
ثامناً: التطبيع مع الولايات المتحدة وبناء الشراكة الاستراتيجية
1. رفع الحظر وبداية التطبيع
رغم إرث الحرب، بدأت خطوات التطبيع في أوائل التسعينات خلال عهد الرئيس كلينتون.
في عام 1994 رُفع الحظر التجاري، وفي 1995 بدأ مسار التطبيع وبناء الثقة، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة سوريا مع قانون قيصر.
2. الاتفاقيات التجارية وتخفيض الرسوم الجمركية
انضمت فيتنام إلى منظمة التجارة عام 2001، ثم وقعت اتفاق التجارة الثنائية مع الولايات المتحدة عام 2007، وحصلت على صفة الدولة الأكثر تفضيلًا، فانخفضت الرسوم الجمركية من 40% إلى 3%.
(وهي قريبة من الرسوم المفروضة على سوريا حاليًا 41%، مع مساعٍ لتخفيضها إلى 3%).
3. قفزة التبادل التجاري والاستثمارات
قفز حجم التبادل التجاري ليصل إلى 451 مليار دولار.
بلغت صادرات فيتنام للولايات المتحدة 123 مليار دولار عام 2022، بعد أن كانت 1.5 مليار فقط عام 2001، لتصبح فيتنام ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة.
تاسعاً: فيتنام كمركز صناعي عالمي
باتت فيتنام سوقاً جاذبة للاستثمارات الأمريكية (10–12 مليار دولار سنوياً)، وقاعدة تصنيع رئيسية لعلامات مثل نايكي، وآبل، وإنتل، وأمكور تكنولوجي، وغيرها.
عاشراً: الدروس الاستراتيجية لسوريا
1. تصفير المشاكل والانفتاح الدولي
أهم دروس التجربة الفيتنامية هو تصفير المشاكل مع العالم، والتركيز على النهضة الوطنية، والانفتاح على الولايات المتحدة بوصفها بوابة للاستثمار ونقل التكنولوجيا.
2. تأهيل العمالة والميزة التنافسية
متوسط تكلفة العمالة في فيتنام أقل من دولارين في الساعة، بعد عقود من التأهيل والخبرة.
فيتنام خططت لتأهيل 50 ألف مهندس في أشباه الموصلات حتى 2023، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كم مهندساً تحتاج سوريا لتأهيله؟
3. بيئة الاستثمار والنمو المؤسسي
في الأشهر الستة الأولى من عام 2025 وحدها، أُسست أكثر من 152,700 مؤسسة جديدة في فيتنام.
وبنهاية 2024 بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر 322 مليار دولار، أي ما يعادل ثلثي الناتج المحلي تقريباً.
«تُظهر تجربة فيتنام أن الانفتاح والمصالحة والانخراط الفاعل في العالم هي محرّكات أساسية للتنمية الوطنية والتقدم التكنولوجي.»
د. أسامة قاضي
الحادي عشر: العوامل الثمانية لجذب الاستثمار في سوريا
العوامل الأساسية
- الاستقرار السياسي
- قوانين مرنة للاستثمار
- نمو اقتصادي قوي
- تأهيل شريحة سكانية شابة
- تكاليف عمالة تنافسية
- اتفاقيات تجارية دولية
- بنية مصرفية مؤهلة
- بنية رقمية وتكنولوجية متقدمة
«إنّ نهوض سوريا مرهون بالاستقرار، وبقوانين جاذبة للاستثمار، وبشباب مؤهّل، وببنية تحتية حديثة قادرة على استقطاب المستثمرين.»
د. أسامة قاضي
خاتمة: سوريا بين الإمكانية والقرار
إذا عملت سوريا بجد خلال السنوات العشر القادمة على تأهيل العمالة، والانفتاح على العالم، واستقطاب الشركات العالمية، مع الحفاظ على تكلفة عمالة منافسة، فستكون مهيأة لتصبح «فيتنام الشرق الأوسط».






