
![]()
مقدمة
تعد رواية «المصابيح الزرق» واحدة من الأعمال الروائية التي ارتبطت باسم حنا مينة، لا لأنها تروي حكاية حي شعبي في مدينة ساحلية فحسب، بل لأنها تحاول أن تجعل من ذلك الحي فضاءً روائياً واسعاً تنعكس فيه أحوال السوريين تحت الاحتلال الفرنسي، وما رافق تلك المرحلة من فقر ومرض، وأمية وجوع ومقاومة.
ينطلق الكاتب من الأسرة إلى الحارة، ومن الحارة إلى الحي، ومن الحي إلى المدينة، كأنه يوسع عدسة الرؤية تدريجياً ليرصد حركة الناس وتقاطعاتهم، صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً، في زمن مضطرب تتداخل فيه الحرب العالمية الثانية مع الاحتلال الفرنسي، وتتقاطع فيه تفاصيل الخبز والكاز والبطالة مع أحلام الحرية والكرامة والاستقلال.
شخصيات الرواية: حي شعبي يتحول إلى عالم كامل
تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات التي تشكل نسيج حي القلعة في اللاذقية، ومن أبرزها: فارس، أم فارس، أبو فارس، رندة، محمد الحلبي، أبو مرزوق الصفتلي، عبد القادر، عازار الإسكافي، مريم السودا، نايف الفحل، صقر، الشاروخ، جريس المختار، بشارة قندلفت، رشيد أفندي، نجوم، ومكسور المبيض.
هذه الشخصيات لا تبدو في الرواية مجرد أسماءٍ عابرةٍ، بل هي نماذجُ اجتماعيةً تمثل شريحةً واسعةً من الناس الذين طحنهم الفقر وقسوة الاحتلال. فكل شخصية تحمل معها مهنة، وذاكرة، وموقفاً من الحياة، وطريقة خاصة في مواجهة الحاجة والخوف والظلم.
فارس: بطل الرواية بين الحاجة والتحول
فارس هو الشخصية المحورية في الرواية. كان شاباً يافعاً في السادسة عشرة من عمره عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية. يعمل في متجر يديره عسكري متقاعد، ثم يجد نفسه فجأة خارج العمل حين يستدعى معلمه إلى الحرب. يعود فارس إلى البيت حاملا عشر ليرات هي بقية حسابه، فيصطدم من جديد بحياة الفقر التي يعيشها أهله.
مع مرور الأحداث، يتطور وعي فارس تدريجياً. تبدأ حكايته من الحاجة إلى الخبز، ثم تمر بالسجن، ثم تتصل بالمقاومة عبر تعرفه إلى عبد القادر، ذلك المثقف المناضل الذي يترك أثراً واضحاً في شخصيته.
أم فارس وأبو فارس: الفقر بوصفه قدرا يوميا
يعيش أبو فارس في غرفة واحدة في حي القلعة، ويعمل في البناء، بينما تعمل أم فارس في جرد التبغ، وهو عمل شاق وغير صحي، لكنها تقبل به تحت ضغط العوز. تمثل هذه الأسرة صورة مكثفة لحياة الفقراء في تلك المرحلة، حيث يصبح العمل المضني وسيلة للبقاء لا طريقاً إلى الخلاص.
أبو فارس يحمل في داخله ذاكرة قديمة من البؤس، فقد عرف معنى التجنيد القسري والسفر بعيداً في أيام «سفر برلك»، وعاد ليجد أن حياته القديمة قد تبددت. لذلك تبدو معاناته مع غياب فارس لاحقاً امتداداً لوجع قديم لم يشف منه.
رندة: الحب في زمن المرض والفقر
رندة هي الفتاة الجميلة التي أحبها فارس وأحبته. تعيش بجوار أسرة أبي فارس، وتعمل مع أم فارس. لا يقدمها حنا مينة بوصفها مجرد حبيبة للبطل، بل بوصفها صورة للفتاة الفقيرة التي تحاصرها ظروف الحياة، وتضعف أمام المرض، وينتهي مصيرها نهاية مأساوية حين تموت بعد صراع مع السل.
تمثل رندة في الرواية ذلك الحلم الرقيق الذي لا يقدر على الصمود طويلاً أمام قسوة الواقع. فالحب بين فارس ورندة لا ينفصل عن الجوع والعمل والفقر والمرض، بل يتغذى منها ويتعثر بها في آن واحد.
عبد القادر ومحمد الحلبي: صورتان للمقاومة الشعبية
عبد القادر هو المثقف المقاوم الذي يخيف الفرنسيين بفكره ونشاطه وتحركاته. لا يكاد يخرج من السجن حتى يعود إليه، لكنه لا يتراجع عن موقفه. يتعرف فارس إليه في السجن، ويتأثر بصبره وتحديه وتصميمه على مقاومة المستعمر.
أما محمد الحلبي فهو نموذج آخر للمقاومة، لكنه أقرب إلى الشهامة الشعبية المباشرة. رجل قصاب، كريم، شجاع، شديد المراس، يقارع المستعمر بطريقته، ويمثل القوة الكامنة في الناس العاديين حين تستفزهم الإهانات والاعتداءات.
في «المصابيح الزرق» لا يبدو الحي الشعبي مجرد مكان للأحداث، بل يتحول إلى مرآة اجتماعية تكشف ما يفعله الاستعمار والفقر بالناس حين تضيق بهم سبل العيش.
“نعيم مصطفى الفيل”
الرواية باختصار: من حي القلعة إلى صورة الوطن
يروي حنا مينة أحداث حي من أحياء اللاذقية أثناء الاحتلال الفرنسي. لكنه لا يتعامل مع الحي بوصفه مكاناً محدوداً، بل بوصفه نموذجا يمكن أن تنسحب دلالاته على جزء كبير من الوطن السوري، إن لم نقل على الوطن كله. فالحياة التي يعيشها سكان ذلك الحي بضنكها وقسوتها لا تخصهم وحدهم، بل تكشف وضعاً عاماً عاشته شرائح واسعة من السوريين.
كان لأبي فارس، الذي يعمل في البناء ويسكن في حي القلعة في غرفة واحدة، ثلاثة أولاد أكبرهم فارس. وكانت أم فارس تعمل في جرد التبغ، ذلك المكان الموبوء صحياً، لكن الفقر والعوز دفعاها إلى هذا العمل الشاق. وكانت معها جارتها رندة، تلك الصبية الجميلة التي أحبها فارس وأحبته.
في الحي أيضا نجد مريم السودا وزوجها نايف الفحل، وهو رجل عاثر الحظ يعمل في تصليح الأحذية ولا يكاد يحصل على ما يسد رمقه. ونجد أبا مرزوق الصفتلي، الرجل الفقير الذي يعمل صياداً بالسنارة ويعيش مع زوجته وحيدين. ونجد بشارة قندلفت، خادم الكنيسة الطيب الذي لا يكاد يصحو من سكره حتى يعود إليه. كما نجد المختار جريس، الرجل الوصولي الانتهازي الذي يتعامل مع الفرنسيين ويبرر مواقفه باسم الواقعية والظروف الاستثنائية.
أما عازار، الإسكافي المقطوع الرجل، فيمثل مركزاً صغيراً من مراكز الكلام الشعبي، إذ يتردد إليه أبو مرزوق وبشارة القندلفت ورجال الحي، حيث يتجادلون ويختلفون ويتصالحون. وفي المقابل، يظهر محمد الحلبي بوصفه رجلاً يتصف بالشهامة والكرم والشجاعة ومقارعة المستعمر، بينما يبدو عبد القادر الرجل المثقف الذي تخشاه السلطات الفرنسية بسبب فكره ونشاطه.
الحرب والفقر: حين يصبح الخبز سؤالاً سياسياً
تبدأ حكاية فارس في مناخ الحرب العالمية الثانية. كان يعمل في متجر يديره عسكري متقاعد، ثم يفاجأ بأن معلمه مطلوب للحرب. يعطيه المعلم بقية حسابه، ويودعه، فيجد فارس نفسه من جديد في مواجهة الفقر والبطالة.
من هنا تتنامى الأحداث، ويصف الكاتب معاناة أهل حي القلعة من خلال مشكلات الخبز والكاز والبطالة، وكلها تفاصيل تبدو معيشية في ظاهرها، لكنها تكشف في العمق عن بنية اجتماعية واقتصادية خانقة في ظل الاحتلال والحرب.
في أحد الأيام، يخرج فارس لشراء الخبز، فيجد الزحام الشديد أمام الفرن، وتندلع الشتائم والمشادات بين الناس والفران. يتطور الأمر إلى معركة طويلة، فيتدخل الفرنسيون، ويضربون طوقاً أمنياً حول المكان، ثم يجرون فارس وعدداً من الآخرين مكبلين إلى المخفر المركزي.
السجن بوصفه نقطة تحول
في السجن، يتعرف فارس إلى عبد القادر، الرجل المثقف المقاوم. ومن خلال هذه العلاقة، يبدأ فارس بالتأثر بفكرة الصبر والتحدي ومقارعة المستعمر. لم يعد السجن مجرد عقوبة، بل تحول إلى مساحة لاكتشاف معنى المقاومة.
تحدث مشاجرة داخل السجن تتحول إلى معركة يشارك فيها عبد القادر وحسن حالوة وفارس وبعض المساجين. تتدخل السلطات الفرنسية، وتسمع أصوات الرصاص. يظن أبو مرزوق ومريم وصقر أن السجناء قتلوا، فيعودون إلى أهل فارس حاملين نبأً صاعقاً، لكن المختار يأتي لاحقا ليكذب الخبر، فتعود الفرحة إلى العائلة.
قوة الرواية لا تكمن فقط في شخصياتها، بل في قدرتها على جعل الخبز والكاز والبطالة مفردات سياسية، لا مجرد تفاصيل معيشية عابرة.
“نعيم مصطفى الفيل”
المظاهرات ومقاومة الاحتلال
تندلع مظاهرة عارمة يشارك فيها الرجال والنساء، ويكون محمد الحلبي في مقدمتها بشجاعته وجرأته. تتدخل القوات الفرنسية وتفرق المتظاهرين بعد أن تسيل الدماء بين شهيد وجريح. وتظل المدينة مضربة خمسة أيام قبل أن تفتح الأسواق من جديد.
ينقل فارس وعبد القادر مع مجموعة من السجناء إلى سجن حلب. وهناك يستأنف عبد القادر تحديه للسلطات، ويحرض السجناء على مقاومة الظلم. وكان يدفع ثمن ذلك بنقله إلى الزنزانة المفردة وتعذيبه، لكنه لا يهاب ما يحدث له.
وفي الوقت نفسه، يظل أهل حي القلعة يتصيدون أخبار السجناء، بينما يعانون من صفاقة الجنود الإنكليز وإساءاتهم. وحين يعتدي جندي إنكليزي مخمور على فتاة، يغضب شقيقها ويحاول الانتقام، لكن محمد الحلبي يمنعه ويدعوه إلى التريث. وبعد أسبوع، يقتل جندي إنكليزي لا يعرف قاتله، لكن أهل الحي يدركون أن تلك كانت ضربة محمد الحلبي.
عودة فارس والبحث عن العمل
بعد فترة، يطلق سراح فارس. يقرع الباب فجأةً، فتطير أمه وأبوه وإخوته وجيرانه فرحاً بعودته. ينتشر خبر خروجه من السجن بين أهل الحي، وتعود الحركة إلى البيت بالكلام والنكات والطعام.
يبدأ فارس البحث عن عمل. يذهب أولاً إلى السّت بربارة في النادي الذهبي، لكنه يجدها قد رحلت. ثم يتوجه إلى زوجة معلمه الأرملة، فتطلب منه أن يعود في اليوم التالي. وفي طريقه يرى رندة، فيفرح لرؤيتها، ويتبادل معها حديثاً قصيراً قبل أن يفترقا.
في اليوم التالي، تأتي رندة لترافق أم فارس إلى العمل، فيختلس العاشقان نظرات الحب والإعجاب. ثم يتوجه فارس إلى دكان مكسور المبيض، الذي يعمل في تبييض الطناجر النحاسية مع ولده سالم والعامل بيرم. ويتبادل معه بعض الأحاديث عن الشوق إلى البيت والحقل والقبر البعيد.
بعد ذلك، يعود فارس إلى زوجة معلمه من أجل العمل، فتعده بتوظيفه في مصلحة الدفاع السلبي بصفة ناظر على العمال. لكنه يدخل معها في علاقة ملتبسة، ثم يحصل على الرسالة التي تساعده في العمل. يبدأ عمله مراقباً في مصلحة الدفاع السلبي، لكنه يتحول لاحقاً إلى عامل بعد عقوبة مرتبطة بعلاقته مع زوجة معلمه.
فارس بين رندة وليبيا: صراع الحاجة والقيم
في أثناء عمله، يلتقي فارس بشخص يدعى نجوم، كان قد قابله سابقاً لقاءً عابراً. يجلسان طويلاً ويتحدثان عن صعوبة الحياة ومعاناة العمل. يخبر نجوم فارس بأنه سيذهب إلى ليبيا للقتال في الجندية، حيث المال والطعام والكساء، ويحاول إقناعه بمرافقته والانخراط في الجيش الفرنسي.
من جهة أخرى، يعود فارس إلى محبوبته رندة، وتبعث الحياة بينهما من جديد بعد فتور سببته علاقته السابقة مع زوجة معلمه. لكن الفقر يضغط عليه بشدة، فيفكر كثيراً في الذهاب إلى ليبيا مع نجوم. يقع فارس في صراع بين الحاجة التي تدفعه إلى الرحيل، والقيم التي ترفض الانخراط في صفوف جيش المستعمر. غير أن صوت المال وحلم الزواج من رندة يرجحان الكفة في داخله، فيتوجه إلى ليبيا مع نجوم عبر البحر.
عند مغادرة فارس، تحزن أمه حزناً شديداً وتبكي، بينما يحاول أبوه كتمان حزنه. لكنه يتذكر شبابه البائس حين سيق إلى الأناضول أيام «سفر برلك»، ثم عاد بعد ثلاث سنوات ليجد أمه قد ماتت، وأباه وإخوته قد رحلوا. هكذا يتكرر الوجع في الذاكرة العائلية، وكأن الحرب لا تكتفي بجيلٍ واحد.
نهاية الرواية: الفقد والمرض والجلال
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، يقرر أهالي الحي وأهالي اللاذقية القيام بمظاهراتٍ وإضراباتٍ واسعةٍ، يتقدمهم عبد القادر ومحمد الحلبي ومختار القلعة محمد أبو سليمان. توضع نقاط الانطلاق، وينفض اللقاء، ثم تمتد حركة الاحتجاج في المدينة.
تصل الأخبار إلى أبي فارس بأن فارس قد فقد، وأن صديقه نجوم قطعت رجله وهو في المستشفى العسكري. يذهب أبو فارس إلى نجوم ويسأله عما حدث، فيؤكد له أن فارس مات، وأنه سمع صوته وهو يسقط مصاباً.
يستمر الإضراب متقطعاً قرابة أسبوعين، وتمتلئ الشوارع بالمظاهرات الصاخبة المطالبة بالجلال والتحرر. وفي نهاية الرواية، يأتي النبأ المأساوي الآخر: موت رندة بعد صراع مع السل. ثم تنفجر المظاهرات من جديد مطالبةً بالجلاء.
إن نهاية الرواية تجمع بين الخاص و العام: موت فارس، وموت رندة، واستمرار المظاهرات. كأن الأفراد يسقطون، لكن الذاكرة الجماعية تواصل سيرها نحو الحرية.
في خاتمة «المصابيح الزرق»، لا يموت فارس ورندة وحدهما؛ بل يسقط الخاص في قلب العام، حيث يتحول الفقد الفردي إلى جزءٍ من ذاكرة جماعية تواصل سيرها نحو الجلاء والحرية.
“نعيم مصطفى الفيل”
الرواية والمسلسل: بين النص والصورة
تحولت «المصابيح الزرق» إلى عمل تلفزيوني، كما تحولت رواية «نهاية رجل شجاع» للكاتب نفسه إلى مسلسل أيضاً. وقد ساهمت شهرة حنا مينة الواسعة في سوريا والوطن العربي في دفع كتاب السيناريو والتلفزيون إلى اقتباس أعماله.
بعد مشاهدة معظم حلقات المسلسل، تنشأ رغبة في العودة إلى الرواية الأصلية. فالمسلسل يقدم الأحداث بصورة مقنعة من حيث المضمون، لكنه لا يستطيع أن يبلغ مستوى التفاصيل الوصفية التي يذهب إليها النص الروائي. إن معظم صفحات الرواية تميل إلى الوصف الدقيق، فلا يكاد الكاتب يترك لأشخاصه حركة صغيرة أو كبيرة إلا وتلتقطها ريشته.
وهنا يظهر الفرق بين النص المرئي والنص المكتوب. فالمسلسل يختصر، ويرتب، ويختار، بينما تمنح الرواية مساحات أوسع للتفاصيل والحركة الداخلية والأجواء الشعبية.
بين الأدب والتاريخ: هل كتب حنا مينة رواية أم شهادة اجتماعية؟
لا ينبغي أن تقرأ الرواية قراءة مجاملة أو محاباة. فالتقدير لصاحب العمل لا يمنع من نقده. إن الأديب يمتلك حرية واسعة في بناء عمله، سواء كان رواية أو مسرحية أو قصة، وله أن يغير ويزيد وينقص لأنه ليس مؤرخاً، بل فناناً يخلق عالماً روائياً من مادة الواقع.
لكن «المصابيح الزرق» تقترب في مواضع كثيرة من التأريخ الاجتماعي. فهي ترصد مرحلة قريبة زمنياً من خلال حي في اللاذقية، وتتابع الناس في يومياتهم، وكأنها تسجل حياة جماعة كاملة بطريقة تجمع بين المذكرات والتاريخ والوصف الروائي.
هذا الاقتراب من التاريخ يمنح الرواية قيمتها الوثائقية، لكنه يضعها أيضاً أمام سؤال فني مهم:
- هل تحولت الرواية أحياناً إلى تسجيل مباشر للواقع على حساب التخييل؟
- وهل أضعفت كثافة التفاصيل قدرة النص على التكثيف الفني؟
الأرضية الجغرافية والثقافية: أي مجتمع تمثله الرواية؟
الأرضية الجغرافية والثقافية التي اختارها الكاتب لا تمثل المجتمع السوري كله في تلك الحقبة، بل تمثل شريحة محددة من الناس. فمعظم الشخصيات من أصحاب المهن البسيطة، وثقافتهم متواضعة، وتغلب عليهم لغة القال والقيل، باستثناء عبد القادر، الشاب المثقف والمناضل.
وقد يكون لهذا الاختيار صلة بتجربة الكاتب نفسه، إذ عاش في بيئةٍ فقيرةٍ، وتنقل بين مهن عدة، وتكونت ثقافته عبر جهد شخصي. لذلك تميل الرواية إلى عالم الفقراء والحرفيين والعمال والبحارة والباعة، وتبتعد عن الطبيب والمهندس والشاعر والأديب والموظف الواسع الثقافة.
لا يعني ذلك أن الشخصيات الشعبية تفتقد الحس الوطني. على العكس، يظهر الحس الوطني واضحاً في مواقف كثيرة. لكن الرواية تجعل كثيراً من اهتمامات هذه الشخصيات تدور حول الخبز، والطعام، والشراب، والجسد، والعمل، بينما تبدو الطبقة المثقفة أقدر على ترجيح كفة القيم والمبادئ والاستقلال على كفة لقمة العيش.
وهنا يمكن القول إن الرواية تقدم طبقتين من الوعي: وعي الحاجة اليومية، ووعي الحرية الوطنية. وفي كثير من الأحيان، يتصارع الوعيان داخل الشخصيات ذاتها، كما يحدث مع فارس حين يتردد بين رفض الانخراط في جيش المستعمر وبين ضغط الفقر وحلمه بالزواج من رندة.
لا تزعم «المصابيح الزرق» أنها تختصر المجتمع السوري كله، لكنها تكشف شريحةً شعبيةً عميقةً منه؛ شريحةً يتصارع داخلها خبز اليوم مع حلم الحرية، وحاجة الجسد مع كرامة الوطن.
“نعيم مصطفى الفيل”
لغة حنا مينة: بين السمو الفني وخشونة الواقع الشعبي
تتأرجح لغة الرواية بين السمو و البيان و الفصاحة من جهة، و الخشونة و الترهل من جهة أخرى. ففي مواضع كثيرة، ينجح الكاتب في رسم صور جميلة ومؤثرة، تنقل القارئ إلى فضاء البحر والحي والليل والذاكرة. وتبدو بعض التشبيهات والصور قادرة على خلق جو روائي واضح ومتماسك.
لكن الرواية لا تسلم من هبوط لغوي في مواضع أخرى، خاصة حين تنقل السباب والكلام الخشن كما هو في البيئة الشعبية. صحيح أن الكاتب يريد أن يكون أميناً لواقعه، وأن ينقل لغة الشخصيات كما تعيشها، لكن الأدب لا يكتفي بمجرد نقل القبح، بل يعيد تشكيله فنياً.
إن الواقعية لا تعني أن ينحدر النص إلى الإسفاف أو الابتذال بحجة نقل الشارع كما هو. فالأدب يمكن أن يشير إلى الدنس، لكنه لا يحتاج دائما إلى استنساخه بحرفيته. والمرآة الأدبية قد تكون محدبة أو مقعرة، وقد تهذب المشهد دون أن تخونه.
الواقعية وحدود التسجيل المباشر
ثمة ظاهرة شاعت بين بعض الأدباء وكتاب الأعمال التلفزيونية، وهي نقل مشاهد الشارع إلى العمل الفني دون معالجة جمالية كافية. وهذا مطب خطير، لأن الفن ليس نسخة فوتوغرافية من الواقع، بل هو إعادة بناء للواقع عبر اللغة والرؤية والتكثيف.
وظيفة الأدب أن يكشف القبح، لا أن يتورط في إعادة إنتاجه كما هو. وأن يرصد المتمردين على القيم في لغتهم وسلوكهم، لا أن يتماهى معهم بالكامل. ولذلك يحتاج العمل الفني إلى مسافة نقدية بينه وبين مادته الواقعية، حتى لا يتحول إلى مجرد نقل مباشر.
في «المصابيح الزرق»، ينجح حنا مينة في التقاط بيئة الحي الفقير المطل على البحر، وتأتي ألفاظه وتراكيبه في كثير من الأحيان من المناخ الذي تعيشه شخصيات الرواية. فهم يعيشون حياة بسيطة، فقيرة، قروية في كثير من ملامحها، ولذلك تأتي تشبيهاته وألفاظه من ذلك العالم. وهذا يحسب له من جهة، لكنه يفتح عليه باب النقد من جهة أخرى حين تطغى الخشونة على البناء الفني.
ينجح حنا مينة في جر القارئ إلى ذلك الحي الفقير المطل على البحر، لكنه لا ينجو دائماً من ثقل الوصف وخشونة اللغة التي تلامس أحياناً حدود الترهل.
“نعيم مصطفى الفيل”
قيمة الرواية في الأدب السوري
على الرغم من الملاحظات الفنية واللغوية، تبقى «المصابيح الزرق» رواية مهمة في تجربة حنا مينة، لأنها تكشف قدرته على تحويل المكان الشعبي إلى فضاء سردي واسع. فالحي ليس ديكوراً، بل شخصية كبرى تتنفس وتغضب وتجوع وتقاوم.
كما أن الرواية تضيء حقبة تاريخية سوداء عاش فيها السوريون تحت نير الاستعمار وما تبعه من فقر وأمية وأمراض. وتكشف أن المقاومة لم تكن فعلاً نخبوياً فقط، بل كانت أيضا شعوراً شعبياً يتشكل في الأفران والمقاهي والدكاكين والسجون والبيوت الضيقة.
قوة الرواية تكمن في هذا التداخل بين اليومي والوطني. فالخبز ليس خبزاً فقط، والكاز ليس مادة للإنارة فقط، والسجن ليس مكانا للعقوبة فقط. كل هذه التفاصيل تتحول إلى علامات على وضع سياسي واجتماعي أشمل.
خاتمة: نجاح المضمون وتعثر الشكل
في نهاية المطاف، بذل حنا مينة جهداً كبيراً في نسج هذه الرواية وصياغتها، محاولا أن يسلط الضوء على حقبة تاريخية قاسية انقضت، عانى فيها الشعب السوري من الاستعمار والفقر والأمية والمرض. وقد نجح في عمله إلى حد كبير من ناحية المضمون، إذ جعل من حي القلعة صورة مكثفة لحياة الناس تحت الاحتلال، ومن شخصياته نماذج للوجع الشعبي والمقاومة اليومية.
غير أن هذا النجاح في المضمون لا يلغي الملاحظات على الشكل. فالرواية لا ترتقي دائما إلى المستوى الفني المنشود، وفيها سقطات وترهلات لغوية ووصفية، خاصة في المواضع التي يطغى فيها التسجيل المباشر على الصياغة الفنية.
ومع ذلك، تبقى «المصابيح الزرق» عملاً روائياً جديراً بالقراءة، لأنها تحفظ ذاكرة الفقراء والمهمشين، وتعيد إضاءة زمن لم يكن فيه المصباح الأزرق مجرد وسيلة إنارة، بل علامة على بيوت صغيرة كانت تحاول أن تصمد في وجه العتمة الكبيرة.







