ملخّص تنفيذي
يرصد النص مفارقة دمشق بعد التحرير: ملامح حياةٍ مدنية في قلب المدينة -حانات واحتفالات وكوميديا وسخرية سياسية- مقابل واقعٍ اقتصادي وخدماتي قاسٍ وخرابٍ قريب لا يبتعد سوى دقائق. ويخلص إلى أن اختبار المرحلة ليس «الشكل المدني» فقط، بل القدرة على التعافي الاقتصادي ومنع عودة الاستبداد عبر انفتاح الدولة على شعبها والعالم.
———- *************** ———-
عند وصولي إلى دمشق، أجرت معي إحدى الوسائل الإعلامية مقابلة. فاجأني سؤال المحاوِر: هل ما تزال دمشق علمانية؟ والحقيقة أن السؤال، على قدر ما بدا مفاجئاً، كان متوقعاً. نعم، ما تزال دمشق علمانية، بل وتحمل ملامح أي مدينة أوروبية تقليدية. وقد تزامن وصولي إلى دمشق مع احتفالات عيد الميلاد، التي كانت بالغة الفخامة وممتعةً إلى حدٍّ كبير.
الحانات التي تُقدِّم المشروبات الكحولية منتشرة في شوارع دمشق القديمة. والنساء يتحرّكن بحرية كاملة في الشوارع. وقد أُتيحت لي فرصة حضور عرض «ستاند أب كوميدي»، وكان المشهد سوريالياً بحق. لم أصدق أن يوماً سيأتي أسمع فيه كوميدياً يسخر علناً من الرئيس داخل حانة، في بلدٍ كان خاضعاً سابقاً لدكتاتورية شديدة تراقب أنفاس الناس، وتعتقلهم لمجرد التعبير عن آرائهم. كان الأمر صادماً.
«دمشق القديمة باتت تستضيف الحانات والكوميديا والسخرية السياسية العلنية.»
– عمر المقداد –
لكن السؤال الذي ظلَّ يلاحقني في كل خطوة قدم … هل هذا حقّاً كل ما تحتاجه دمشق؟
ما هي المشكلة الوحيدة في سوريا اليوم؟
الإجابة شديدة التعقيد، وتحتاج إلى قدرٍ كبير من الشجاعة والصدق في تناولها. فسوريا اليوم بلدٌ يخرج من حربٍ امتدت 14 عاماً ودمّرت تقريباً كل شيء، ويواجه واقعاً اقتصادياً بالغ القسوة: إذ قام الدكتاتور الفار “بشار الأسد” بتفريغ المصرف المركزي من أمواله كلها قبل أن يفرّ إلى روسيا.
لا تتوافر الكهرباء سوى لبضع ساعاتٍ في اليوم، رغم أن الحكومة الحالية عملت بجد لتحسين الوضع. وما يزال الطريق طويلاً لإصلاح هذا القطاع إصلاحاً كاملاً، ولا سيما في ظل الاستقطاب السياسي والطائفي الذي يُمسك بتلابيب البلاد. بعض الأقليات يشعر بأنه خسر نفوذه، ويسعى باستمرار إلى صناعة واقعٍ جديد يكرّس الفوضى، بما يفضي إلى نتائج لن تكون مُرضيةً لأحد.
وقال لي صحفي غربي، مازحاً وهو يرتشف نبيذاً سورياً، تعليقاً على التغطية المنحازة لسوريا في بعض وسائل الإعلام الغربية: «نحن الآن نشرب النبيذ تحت حماية القاعدة». وبالتأكيد فإن مفهوم الحرية أعمق وأوسع بكثير من ذلك؛ فهو يمتد عبر مستوياتٍ متعددة.

أولويات سوريا اليوم هي التعافي الاقتصادي وإعادة تقديم نفسها إلى العالم. تمتلك سوريا كل عناصر النجاح: التاريخ، والجغرافيا، والموارد، والأهم رأس المال البشري المؤهل، بما يضعها في منافسة حقيقية مع دول مستقرة ومزدهرة. غير أن الأسعار—التي ما تزال تنافس أسعار مدنٍ عالمية كبرى مثل مونتريال وطوكيو—لا تتناسب إطلاقاً مع متوسط دخل الفرد.
لكن واقع المدن والأحياء المدمَّرة يبقى شاهداً على وحشية نظامٍ لم يوفّر إنساناً ولا حجراً من بطشه. تكفي قيادة السيارة أقل من عشر دقائق خارج دمشق لتجد نفسك أمام مشهدٍ يثير حزناً بالغاً وندماً عميقاً. أحياء كاملة كانت نابضةً بالحياة تحوّلت إلى ركامٍ بلا روح.
«على بُعد عشر دقائق خارج دمشق، أحياءٌ كاملة ترقد في الخراب.»
– عمر المقداد –
لسان حال الحكومة والمجتمع
سمعتُ من مسؤولٍ حكومي أن الدولة تعمل على معالجة هذه القضية بصورة عادلة. وبعد قرابة شهرين من التنقل بين دمشق وجنوب سوريا، أستطيع القول إن ثمة الكثير مما ينبغي إنجازه.
لكن هل توجد حرية للمجتمع كي يعمل بحرية؟ من الواضح أن الحكومة الحالية تدرك أن سوريا لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه، وأنها إن أرادت البقاء فعليها تجنّب أنماط وأساليب النظام السابق. وعلى الرغم من الاتهامات الكثيرة الموجّهة إلى الحكومة، ولا سيما إلى الرئيس، لا توجد في الشارع مؤشرات على نزعة قمعية أو تطرفٍ ديني داخل الحكومة الجديدة.
هذه النزعة تبدو غائبة في الوقت الراهن، ولا توجد إشارات تُخالف ذلك. ويبدو أن أولويات الحكومة الحالية ليست مرتبطةً بتأسيس نظامٍ قمعي طفيلي كما يصوّرها خصومها، وهذا يتضح ببساطة بمجرد التجوال في شوارع دمشق. وعلى العكس، فإن أولوياتها اقتصادية وخدماتية بحتة. ويُحسب لها أنها أدركت أن خلاصها يبدأ بالانفتاح على شعبها أولاً، ثم على العالم.
![]()







