اعتمد الرئيس السوري أحمد الشرع للتحرر من تهمة الإرهاب على فكرة أساسية غير مسبوقة اخترعها ونظَّر لفكرتها بين أعضاء تنظيمه القادمين من خلفيات جهادية عنيفة جداً وهي نقل موضع الجهاد الإسلامي من الصيغة العالمية التي عرفت بعد احداث الحادي عشر/إيلول في نيويورك وتداعياتها بما كانت تشكله من خطر جعل تصنيف الحركات الجهادية على قوائم الإرهاب التي يصدرها مجلس الأمن الدولي مسألة أوتوماتيكية في دوائر صنع القرار العالمي إلى فكرة الجهاد المحلي ضد قوى الديكتاتورية و الاستبداد مما حول فكرة الجهاد إلى منظومة تحرر وطني وأداة تغيير داخلي .
كيف تحرر الشرع من تهمة الإرهاب
مارست جبهة النصرة على امتداد حياتها وتحولاتها المتتالية هذه السياسة بصرامة منذ تأسيسها ولم يسجل في تاريخ جبهة النصرة منذ تأسيسها أيّ عمل عسكري ضد المصالح الأمريكية و الأوربية وهذا السجل المعلوم جيداً لدى دوائر الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والأوربية ساهم في منح الرئيس ترامب قوة توربينية في عمليات رفع العقوبات عن الرئيس الشرع و عن الحكومة السورية الجديدة .
التثبيت الإقليمي للسيادة السورية خطوة بخطوة
استخدم الرئيس السوري الدبلوماسية الاقليمية في تثبيت السيادة السورية بنجاح طوال العام الماضي منذ وصوله فاتحاً إلى دمشق بعد تآكل معظم عناصر سيادة الدولة السورية في عهد الأسد الثاني.
مسار الثقة الإقليمي نحو واشنطن
نجح الشرع أولاً في حيازة ثقة الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية خلال فترة قصيرة وأصبحت السعودية تعتبر سورية الجديدة انتصاراً استراتيجياً للدبلوماسية السعودية في مواجهة التمدد الإيراني، لذلك عمل ولي العهد السعودي على ضمان تحييد أي دور سلبي للإمارات في سورية كما نجح في حيازة ثقة الرئيس التركي أردوغان الذي عمل مع الأمير محمد بن سلمان و أمير قطر تميم بن حمد على تأمين مسار واسع للرئيس الشرع عند الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تلقى التحول في المسالة السورية بروح إيجابية جداً مع العهد الجديد رغم ثقل الملف ومشاعر الصدمة في دوائر صنع القرار الأمريكي والأوروبي من وصول الرئيس الشرع وتسلم السلطة السورية بدمشق.
“نجح الشرع في كسب ثقة محمد بن سلمان وأردوغان وتميم بن حمد، ما فتح له مساراً واسعاً نحو ترامب رغم ثقل الملف وصدمة دوائر القرار الغربية”.
– مصطفى السيد –
السويداء وتثبيت السيادة جنوباً
وفي أحداث السويداء استطاعت سورية الجديدة النجاح بالاستثمار في مساهمة دول الخليج والأردن والولايات المتحدة في تثبيت السيادة السورية في الجنوب وإلزام إسرائيل بذلك وتقليص نفوذها إلى الحد الادنى بين سكان الجنوب.
دبلوماسية قاتل فاوض
وفي الأحداث الراهنة منذ معركة حلب وصولاً إلى عمليات إزاحة قوات سورية الديموقراطية التي يخترقها حزب العمال الكردستاني والتكتيكات القتالية مع الديبلوماسية الفعالة التي استخدمت نظرية “قاتل..فاوض” التي طُبّقت بشكل أساسي في مفاوضات جنيف خلال حرب فيتنام في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، تحت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون وبإشراف مباشر من هنري كيسنجر (مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية) والتي شاهدنا تطبيقاتها في معركة أحياء حلب التي أرادتها قوات سورية الديموقراطية اختباراً بالنيران للاصطفاف الأمريكي في سورية لتعرف قسد حقيقة موقف الحكومة الأمريكية بينها وبين الحكومة السورية.
خسارات استراتيجية سريعة متتالية
- خسرت قوات سورية الديموقراطية مدينة حلب مركز ثقل الاقتصاد السوري التي كانت منذ سقوط نظام الأسد تضعها رهينة لمزاج قناصي وقناصات “قسد” الذين روَّعوا المدنيين في الأحياء المحيطة وجعلوا المنطقة أشبه بكابوس ليلي نهاري للمدنيين من سكان الأحياء المجاورة.
- خسرت قوات سورية الديموقراطية كامل محافظة الرقة ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة التي تحوي أهم حقول النفط السورية في انسحابات سريعة رغم حجم التحصينات الهائل والأنفاق الكبرى التي حفرت تحت المدن و القرى، وتمَّ التخلي عنها فيما يبدو بضغط أمريكي غير معلن لأن كامل الأراضي التي تركتها “قسد” كان أغلبية سكانها من العرب فيما معظم القيادات المؤثرة في قسد تنتمي لحزب العمال الكردستاني وتحمل الجنسيات الإيرانية والتركية.
“خسرت «قسد» حلب ثم الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، في انسحابات سريعة رغم التحصينات والأنفاق، وسط مؤشرات ضغطٍ أمريكي غير مُعلن وتفاقم فجوة القيادة والبيئة السكانية”.
– مصطفى السيد –

تمديد اتفاق الهدنة
يتضح أن الانتقال من مهلة الأربعة أيام إلى خمسة عشر يوماً لا يمكن اعتباره مجرد “تأجيل لوجستي“، بل هو بمثابة “عملية جراحية كبرى” لإعادة تشكيل الشمال السوري بعيداً عن الأضواء و تواجه أنقرة تحدياً كبيراً في الضغط على مظلوم عبدي لعزل أو ترحيل القيادات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، مقابل منحه إدارة ذاتية شكلية. التقارير تشير إلى أنَّ النجاح في تحييد الجناح المتشدد خلال هذه الفترة سيكون حاسماً، وإلا فإنَّ التدخل التركي سيكون وشيكاً.
العراق والترتيبات لداعش
رتبت حكومة الشرع إقليمياً أيضاً مع العراق بالتنسيق مع الولايات المتحدة لنقل 7000 عنصر من أخطر عناصر داعش إلى مواقع سرية قبل أن تسيطر الحكومة السورية على السجون وتمديد المهلة يعتبر درعاً زمنياً لحماية هذه العملية الاستخباراتية الحساسة، وتتزامن هذه التطورات مع الاضطرابات الداخلية في إيران، مما يتيح لتركيا وروسيا والولايات المتحدة فرض واقع جديد في سوريا يحد نهائياً من نفوذ المليشيات الإيرانية.
ترتيبات اقليمية لتعزيز السيادة السورية
في النهاية، يمكن القول أنَّ حكومة الشرع استطاعت ترتيب الوضع الاقليمي لتوسيع سيادتها ووحدتها الداخلية بترتيبات اقليميّة عميقة تُشرك دول الاقليم في حفظ السيادة السورية على حدودها ومراكز العبور مع دول الجوار .






