الملخص التنفيذي
يناقش المقال ظاهرة «الحروب الأبدية» في الشرق الأوسط بوصفها نتيجة لفشل السياسة لا لقوة السلاح وحدها. ويشرح كيف تحولت المنطقة إلى ساحة استنزاف بين قوى دولية وإقليمية، قبل أن يطرح ملامح بديل يقوم على أمن إقليمي مستقل، ودولة مواطنة، وربط الاستقرار بحقوق الشعوب لا بحسابات الخارج.مقدمة: لماذا لا تنتهي الحروب في منطقتنا؟
لم تعد عبارة «الحروب الأبدية» مصطلحاً نظرياً يرد في كتب الاستراتيجيا أو تقارير مراكز الأبحاث الغربية. في الشرق الأوسط، صارت هذه العبارة وصفاً شبه يومي لحياة ملايين البشر: عائلات تنتقل من نزوح إلى نزوح، مدن تُرمَّم بعد حرب ثم تُقصف في حربٍ أخرى، أجيال تولد تحت الحصار وتكبر وهي لا تعرف معنى الدولة المستقرة أو المستقبل الآمن.
في العراق، بدأت الحرب بعنوان إسقاط نظام وبناء ديمقراطية، لكنها فتحت الباب أمام فراغ أمني هائل. في سوريا، تحولت الثورة والصراع الداخلي إلى ساحة تتقاطع فيها إرادات دولية وإقليمية وميليشياوية. في اليمن، بدأت الأزمة السياسية ثم تمددت حتى صار البلد واحداً من أكثر بؤر الكارثة الإنسانية قسوةً في العالم، مع أكثر من ١٨ مليون شخص محتاجين إلى المساعدة والحماية حتى آذار/مارس 2025، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. (unrefugees.org) وفي غزة، تكشف التقارير الأممية عن مأساة غير مسبوقة، حيث تعرّض معظم سكان القطاع للنزوح، مع نقص حاد في الغذاء والماء والخدمات الطبية الأساسية. (UNOCHA)
من هنا تنطلق هذه القراءة: ليست المشكلة في أن المنطقة تعرف حروباً كثيرة فحسب، بل في أن هذه الحروب الأبدية صارت تدور أحياناً بلا نهاية سياسية واضحة. تبدأ الحرب باسم الأمن، ثم تستمر باسم الردع، ثم تُدار باسم منع الأسوأ، ثم تتحول إلى واقعٍ دائم يتعايش معه العالم كما لو كان قدراً لا مفر منه.
“الحروب الأبدية لا تبدأ دائماً لأنّ أحداً يريد حرباً بلا نهاية؛ بل لأنّ أحداً لا يمتلك شجاعة الاعتراف بأنّ خطته بلا نهاية.”
“عامر عبد الله”
أولاً: معنى «الحرب الأبدية» بلغة بسيطة
الحرب الطبيعية، مهما كانت قاسية، يفترض أن يكون لها هدف سياسي واضح: وقف تهديد، تحرير أرض، فرض تسوية، أو تغيير ميزان قوة. أما الحرب الأبدية فهي تلك التي تفقد هذا المعنى. تستمر المعارك، لكن الناس لا يعرفون إلى أين تسير. تسقط المدن، تتغير الحكومات، تتبدل التحالفات، لكن النتيجة النهائية تبقى معلقة.
يمكن تشبيه الأمر بطبيب يعالج مريضاً بأدوية قوية، لكنه لا يضع تشخيصاً نهائياً للمرض. قد تخف الحرارة يوماً، ثم تعود في اليوم التالي. وقد ينجح الدواء في إسكات الألم، لكنه لا يوقف العلة. هكذا تعمل كثير من حروب المنطقة: ضربات عسكرية، عقوبات اقتصادية، تحالفات مؤقتة، اتفاقات هدنة، ثم انفجار جديد.
هنا يظهر الخلل الأكبر: حين تنفصل الأداة العسكرية عن الغاية السياسية. فالقوة وحدها لا تصنع سلاماً. والطائرة لا تبني دولة. والصاروخ لا يعالج الفقر. والسلاح لا يمنح الناس ثقةً بالمستقبل. الحرب قد تفتح الباب إلى حل، لكنها لا تصبح بديلاً عن السياسة.
ثانياً: بين «المطرقة» و«الماء»: لماذا تفشل القوة الثقيلة أمام الحروب المرنة؟
في التفكير العسكري التقليدي، كما في مدرسة كلاوزفيتز، تميل الجيوش الكبرى إلى البحث عن المعركة الحاسمة: ضرب العدو بقوة كبيرة، تدمير قواته، ثم فرض شروط سياسية عليه. هذه هي «المطرقة»: قوة ثقيلة، مباشرة، مدمرة.
لكن الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة كشف حدود هذه المدرسة. فالخصوم لم يعودوا دائماً دولاً بجيش واضح وحدود واضحة وعاصمة يمكن إسقاطها. هناك ميليشيات، شبكات تهريب، جماعات عقائدية، فاعلون محليون، وتمويل عابر للحدود. هؤلاء لا يقفون في ساحة مفتوحة كي تُحسم المعركة ضدهم بضربة واحدة.
لذلك برزت مدرسة أخرى أقرب إلى «الماء»: لا تواجه المطرقة مباشرة، بل تلتف حولها. تختفي ثم تظهر. لا تسعى دائماً إلى النصر العسكري الكامل، بل إلى إنهاك الخصم، وإطالة أمد المعركة، وإرباكه نفسياً وسياسياً. هذه الفكرة قريبة من منطق صن تزو في «فن الحرب»، حيث لا يكون الانتصار دائماً في تدمير الجيش المقابل، بل في كسر إرادته وإجباره على التراجع أو التردد.
هذا ما رأيناه في العراق بعد2003، وفي أفغانستان، وفي حرب إسرائيل مع حزب الله عام 2006، وفي صراعات غزة المتكررة. القوة المتقدمة تقنياً تستطيع أن تدمر جسوراً ومبانٍ ومواقع عسكرية، لكنها تجد صعوبةً في إنهاء فكرة، أو تفكيك شبكة اجتماعية، أو منع جماعة محلية من إعادة التشكّل بعد الضربة.
“في حروب الشرق الأوسط، كثيراً ما تبدو القوة الثقيلة كمن يضرب الماء بمطرقة: يحدث ضجيجاً كبيراً، لكنه لا يوقف تدفقه.”
“عامر عبد الله”
ثالثاً: ضباب الحرب الرقمي… حين تصبح كثرة المعلومات جزءاً من المشكلة
في الماضي، كان القادة العسكريون يشكون من قلة المعلومات. أما اليوم، فالمشكلة أحياناً هي كثرتها. الأقمار الصناعية، الهواتف، وسائل التواصل، الطائرات المسيّرة، التسريبات، المقاطع المفبركة، الأخبار العاجلة، كلها تصنع سيلاً لا يتوقف من المعلومات.
لكن كثرة المعلومات لا تعني وضوح الحقيقة. على العكس، قد تتحول إلى ضباب جديد. المواطن العربي العادي يرى عشرات المقاطع في اليوم الواحد: هذا يقول إن طرفاً انتصر، وذاك يؤكد أنه انهزم، وثالث ينشر صورةً قديمة، ورابع يقتطع تصريحاً من سياقه. في النهاية، يضيع المعنى بين الدعاية والخوف والغضب.
هذا الضباب يخدم الحروب الأبدية؛ لأنه يمنع الناس من رؤية الصورة الكاملة. فإذا غابت الحقيقة، صار من السهل تبرير استمرار الحرب. وإذا لم يعرف الناس ماذا يحدث، يصبحون أكثر قابليةً لقبول أي رواية تُقدَّم لهم باسم الأمن أو المقاومة أو السيادة أو مكافحة الإرهاب.
رابعاً: الولايات المتحدة من «تغيير الأنظمة» إلى «إدارة الأزمات»
شكّلت هجمات11سبتمبر 2011 نقطة تحول كبرى في السياسة الأمريكية. دخلت واشنطن أفغانستان عام 2001، ثم العراق عام 2003، تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتغيير الأنظمة وبناء شرق أوسط أكثر استقراراً. لكن النتيجة العملية كانت مختلفة جداً: سقوط دول، ولادة تنظيمات متطرفة، صعود الميليشيات، وتوسع نفوذ قوى إقليمية مثل إيران وتركيا، ودخول روسيا والصين على خطوط متعددة.
أظهرت تقديرات «مشروع تكاليف الحرب» في جامعة براون أن حروب ما بعد ١١ سبتمبر كلّفت الولايات المتحدة نحو 8 تريليونات دولار، وتسببت في مقتل أكثر من 900 ألف شخص بصورة مباشرة في ساحات الحرب. (Brown University) هذه الأرقام لا تعني خسائر مالية وبشرية فقط، بل تعني أيضاً فشل نموذج كامل ظنّ أن القوة العسكرية تستطيع إعادة تشكيل مجتمعات معقدة من الخارج.
في وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2022، ظهر بوضوح انتقال التركيز الأمريكي إلى المنافسة مع الصين وروسيا، مع محاولة تجنب التورط العسكري الطويل في الشرق الأوسط. (The White House) أما وثيقة الأمن القومي لعام 2025 فتتحدث بوضوح عن منع أي قوة معادية من السيطرة على الشرق الأوسط وموارده وممراته، مع تجنب «الحروب الأبدية» التي استنزفت الولايات المتحدة في المنطقة. (The White House)
بمعنى أبسط: واشنطن لا تريد أن تغادر الشرق الأوسط تماماً، لكنها لا تريد أيضاً أن تدفع ثمن إدارته وحدها. لذلك تتجه إلى تقليل الوجود البري، وزيادة الاعتماد على الطيران والبحرية والقواعد المحدودة، وتكليف الحلفاء الإقليميين بأدوار أكبر.
خامساً: تعهيد الأمن… عندما تصبح المنطقة حارساً لمصالح الآخرين
حين تقلل الولايات المتحدة حضورها المباشر، لا يعني ذلك أن المنطقة تصبح أكثر استقلالاً بالضرورة. أحياناً يحدث العكس: تُدفع دول المنطقة إلى لعب دور «الحارس المحلي» لمصالح دول كبرى. فتشتري الأسلحة، وتدخل في تحالفات، وتتحمل تكلفة المواجهات، بينما تبقى القرارات الكبرى مرتبطة بحسابات واشنطن وبكين وموسكو.
هذا ما يمكن تسميته «تعهيد الأمن». فالولايات المتحدة تريد حماية الممرات البحرية، وضمان تدفق الطاقة، ومنع تمدد خصومها، لكنها تفضّل أن تقوم دول المنطقة بجزء كبير من المهمة. هنا تصبح إسرائيل، وبعض دول الخليج، وتركيا، وأحياناً أطراف أخرى، جزءاً من شبكة أمنية متغيرة لا تقوم على صداقة دائمة، بل على مصلحة متحركة.
لكن هذا النهج يحمل خطراً واضحاً: حين تُمنح القوى الإقليمية هامش حركة واسعاً دون إطار سياسي جامع، قد تستخدم هذا الهامش في مغامرات عسكرية. وقد رأينا كيف تحولت الحرب في اليمن إلى مأساة مفتوحة، وكيف أدت صراعات النفوذ في سوريا وليبيا والعراق إلى تفتيت الدولة الوطنية بدل ترميمها.
سادساً: الاقتصاد والتكنولوجيا… الوجه الجديد للأمن القومي
لم يعد الأمن القومي يعني الجيوش والحدود فقط. اليوم، تدخل الرقائق الإلكترونية، الذكاء الاصطناعي، الموانئ، سلاسل التوريد، الطاقة، والبيانات في قلب الصراع الدولي. فالدولة التي تملك التكنولوجيا الحساسة تستطيع أن تفرض شروطها. والدولة التي تعتمد كلياً على الخارج في غذائها ودوائها وطاقتها وسلاحها تبقى مكشوفة.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، يعني ذلك أن النفط وحده لم يعد كافياً لصناعة القوة. الممرات البحرية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس لا تزال مهمة، لكنها جزء من خريطة أوسع. فالصراع اليوم يدور أيضاً على:
- الموانئ الذكية،
- الكابلات البحرية،
- مراكز البيانات،
- الطاقة المتجددة،
- الطائرات المسيّرة.
لذلك تحاول دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، الانتقال من مفهوم «شراء الأمن» إلى مفهوم «بناء القدرة». تستثمر في التكنولوجيا، والصناعات الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، والطاقة البديلة. لكن التحدي يبقى في السؤال الجوهري:
هل تتحول هذه الاستثمارات إلى قوة مجتمعية وتنموية حقيقية، أم تبقى مجرد مشاريع كبيرة لا تمس حياة المواطن العادي؟
سابعاً: إسرائيل وتآكل الردع… قوة كبرى في بيئة أكثر صعوبة
اعتمدت إسرائيل لعقود طويلة على معادلة واضحة: تفوق عسكري، دعم أمريكي، ردع نفسي، وقدرة على نقل المعركة إلى أرض الخصم. لكن هذه المعادلة تعرضت لتآكل تدريجي منذ حرب لبنان عام ٢٠٠٦، ثم مع حروب غزة المتكررة، وصولاً إلى صدمة ٧ أكتوبر 2023 وما تلاها.
لا يعني ذلك أن إسرائيل فقدت قوتها. فهي ما زالت تمتلك تفوقاً جوياً وتكنولوجياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع. لكن المشكلة أن التفوق العسكري لا يعني دائماً القدرة على الحسم السياسي. تستطيع الطائرات تدمير أحياء كاملة، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء فكرة المقاومة أو فرض قبول شعبي دائم بواقع الاحتلال.
وقد زادت حرب غزة من عزلة إسرائيل الأخلاقية والقانونية. فمحكمة العدل الدولية أصدرت في كانون الثاني/يناير 2024 تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، مطالبةً إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة والتحريض عليها والسماح بالمساعدات الإنسانية. (International Court of Justice) كما اتهمت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، السلطات الإسرائيلية بممارسة سياسات ترقى إلى الفصل العنصري والاضطهاد بحق الفلسطينيين. (Human Rights Watch)
هنا تظهر المفارقة: قد تنتصر إسرائيل عسكرياً في جولة، لكنها تخسر سياسياً وأخلاقياً على مدى أطول. وقد تدمر بنيةً تحتية، لكنها تعمّق في المقابل صورة الاحتلال والحصار والعقاب الجماعي في وعي شعوب المنطقة والعالم.
ثامناً: الجغرافيا كسلاح… الممرات والحدود والحصار
في الشرق الأوسط، ليست الجغرافيا خلفيةً للصراع، بل هي جزء من السلاح. مضيق هرمز، باب المندب، البحر الأحمر، الجولان، جنوب لبنان، غزة، شمال سوريا، كلها ليست مجرد أسماء على الخريطة. إنها عقد استراتيجية تتحكم في الطاقة والتجارة والردع والضغط السياسي.
حين يهدد الحوثيون الملاحة في البحر الأحمر، لا يبقى اليمن شأناً يمنياً فقط. وحين يتوتر مضيق هرمز، لا تتأثر إيران والخليج وحدهما، بل تهتز أسعار الطاقة عالمياً. وحين تنفجر غزة، تمتد آثارها إلى الجامعات الغربية، والمحاكم الدولية، والانتخابات، وصورة النظام الدولي نفسه.
لهذا يمكن القول إن المنطقة لا تعاني فقط من كثرة الحروب، بل من خطورة مواقعها. فهي تقع في قلب طرق الطاقة والتجارة والأديان والهجرة. ومن يسيطر على بعض مفاتيحها يستطيع أن يؤثر في الاقتصاد العالمي، ولو كان طرفاً صغيراً نسبياً.
تاسعاً: إيران ومحور المقاومة… قوة التمدد وحدود الإنهاك
نجحت إيران، منذ عقود، في بناء شبكة نفوذ واسعة تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. لم تعتمد فقط على الجيش النظامي، بل على وكلاء محليين وحلفاء عقائديين وممرات تهريب وسلاح وصواريخ وطائرات مسيّرة. هذه الشبكة منحت طهران قدرةً على الردع غير المباشر: فإذا ضُربت في مكان، تستطيع الرد في مكان آخر.
لكن هذه الاستراتيجية ليست بلا تكلفة. فكلما توسع النفوذ الإيراني، زادت الأعباء المالية والعسكرية والسياسية. وكلما اندلعت حرب كبيرة، تعرّض الحلفاء المحليون للاستنزاف، وتزايد الغضب الشعبي في دول تعاني أصلاً من الفقر والفساد وانهيار الخدمات.
بعد 07 أكتوبر 2023، وجدت إيران نفسها أمام معادلة صعبة: إذا دخلت حرباً شاملة فقد تخسر الكثير، وإذا بقيت خارجها فقد تبدو أقل قدرةً على حماية حلفائها. وقد أشارت تحليلات كارنيغي إلى أن إيران وحزب الله وجدا نفسيهما في وضع شديد الحساسية، بين ضغط الرد وخطر الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع. (Carnegie Endowment)
بمعنى آخر، محور المقاومة يملك قدرةً على التعطيل والإنهاك، لكنه لا يملك بالضرورة مشروعاً واضحاً لبناء دول مستقرة. وهذه نقطة حاسمة، لأن الشعوب لا تعيش إلى الأبد على الشعارات وحدها. الناس تريد خبزاً، كهرباء، مدارس، كرامة، وعدالة.
عاشراً: روسيا والصين… كيف تستخدم القوى الكبرى حرائق المنطقة؟
لا تتحرك إيران أو إسرائيل أو تركيا أو دول الخليج في فراغ. خلف المشهد الإقليمي توجد قوى دولية كبرى تقرأ الشرق الأوسط ضمن خرائط أكبر. فروسيا ترى في المنطقة ورقة ضغط في مواجهة الغرب، خصوصاً بعد حرب أوكرانيا. والصين تنظر إلى الطاقة والموانئ والممرات التجارية بوصفها جزءاً من أمنها الاقتصادي العالمي.
بالنسبة إلى الصين، كل انشغال أمريكي طويل في الشرق الأوسط يمنحها مساحةً أوسع في آسيا والمحيط الهادئ. وبالنسبة إلى روسيا، كل توتر في المنطقة يمكن أن يكون ورقة مساومة مع أوروبا والولايات المتحدة. أما الولايات المتحدة، فهي تحاول أن تمنع خصومها من ملء الفراغ دون أن تعود إلى مستنقع الحروب البرية الطويلة.
هكذا تصبح المنطقة، مرةً أخرى، ساحةً لغيرها. يدفع أهلها الثمن الأكبر، بينما تستثمر القوى الكبرى في الفوضى بحسب حاجتها: مرةً لإضعاف خصم، ومرةً لبيع سلاح، ومرةً للضغط في ملف لا علاقة مباشرة له بشعوب المنطقة.
حادي عشر: الكلفة الإنسانية… حين يصبح الإنسان آخر ما يُفكَّر فيه
في لغة السياسة، يتحدثون عن الردع، التوازن، الأمن، النفوذ، المصالح، والممرات البحرية. لكن في لغة الناس، تبدو الحرب شيئاً آخر: أم تبحث عن دواء لطفلها، أب يفقد عمله، طالب تنقطع جامعته، عائلة تبيع بيتها لتهاجر، مدينة تفقد أطباءها ومعلميها، وجيل كامل يتعلم الخوف قبل أن يتعلم الأمل.
في اليمن، أدت الحرب إلى انهيار اقتصادي ومؤسسي عميق، مع ملايين النازحين والمحتاجين. (unrefugees.org) وفي غزة، تشير الأمم المتحدة إلى أن معظم السكان تعرضوا للنزوح، مع تدمير واسع ونقص حاد في أساسيات الحياة. (UNOCHA) وفي سوريا والعراق، لم تنته آثار الحروب بانتهاء المعارك الكبرى، بل بقيت في المخيمات، والبطالة، والمقابر الجماعية، والمدن المدمرة، وانتشار السلاح، وهجرة الكفاءات.
هذه هي الكلفة التي لا تظهر دائماً في نشرات الأخبار. فالقنبلة تُحصى لحظة سقوطها، لكن أثرها الحقيقي يستمر سنوات: طفل بلا مدرسة، شاب بلا عمل، امرأة بلا حماية، ومجتمع يفقد ثقته بالدولة وبالمستقبل.
“أخطر ما في الحروب الأبدية أنها لا تقتل الأجساد فقط؛ بل تقتل فكرة الغد في نفوس الناس.”
“عامر عبد الله”
ثاني عشر: الحروب ضد الديمقراطية والتنمية
تمنح الحروب الأنظمة المستبدة ذريعةً جاهزة لقمع الحريات. كل اعتراض يصبح تهديداً للأمن. كل صحفي يصبح مشتبهاً به. كل مطالبة بالإصلاح تُؤجَّل بحجة أن «الوقت غير مناسب». وهكذا تتحول الحرب إلى غطاء سياسي لإغلاق المجال العام.
في المقابل، تضعف التنمية. فالأموال التي كان يمكن أن تذهب إلى المدارس والمستشفيات وفرص العمل، تذهب إلى السلاح والحواجز والأجهزة الأمنية. وتصبح الدولة مشغولة بإدارة الخوف بدل إدارة المستقبل.
هذا ما حدث في أكثر من بلد عربي. لم تعد المشكلة فقط في الاحتلال أو التدخل الخارجي، بل في أن بعض الأنظمة استخدمت الخطر الخارجي لتبرير الفشل الداخلي. ومع الوقت، يختلط الأمن بالحكم، والحكم بالسيطرة، والسيطرة بالبقاء، حتى تختفي فكرة الدولة بوصفها عقداً بين المواطنين.
ثالث عشر: القوى المتوسطة… تركيا والخليج بين التحالف والتحوّط
مع تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة، صعد دور «القوى المتوسطة»؛ أي الدول التي ليست عظمى عالمياً، لكنها تملك ما يكفي من المال أو الموقع أو الجيش أو التكنولوجيا للتأثير في محيطها. تركيا والسعودية والإمارات وقطر ومصر وإيران وإسرائيل كلها، بدرجات مختلفة، تتحرك ضمن هذا المجال.
تركيا تحاول الجمع بين عضويتها في الناتو وعلاقاتها مع روسيا وإيران والعالم العربي. تبيع المسيّرات، تدخل في ملفات سوريا وليبيا والقوقاز، وتطرح نفسها قوةً قادرةً على التفاوض مع أطراف متناقضة. أما دول الخليج، فتحاول الانتقال إلى مرحلة أقل اعتماداً على الحماية الأمريكية المباشرة، عبر تنويع الشراكات مع الصين وروسيا والغرب معاً.
هذا السلوك يسمى «التحوط الاستراتيجي»: ألا تضع الدولة كل أوراقها في يد حليف واحد. وهو من حيث المبدأ سلوك ذكي، لكنه قد يتحول إلى مشكلة إذا لم يكن مرتبطاً برؤية داخلية واضحة. فتنويع العلاقات لا يكفي إذا بقيت المجتمعات بلا مشاركة سياسية، وبلا عدالة، وبلا اقتصاد منتج.
رابع عشر: هل يمكن بناء أمن إقليمي جديد؟
بعد كل هذه التجارب، يبرز سؤال بسيط وصعب في آنٍ واحد: لماذا لا تبني دول المنطقة نظاماً أمنياً خاصاً بها؟ لماذا يبقى أمن الشرق الأوسط مرهوناً بواشنطن أو موسكو أو بكين؟ ولماذا لا توجد آلية إقليمية جدية تمنع الحروب قبل انفجارها؟
يمكن الاستفادة هنا من تجربة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي ارتبطت بجذور «وثيقة هلسنكي» عام 1975، حيث جرى الربط بين الأمن، واحترام السيادة، وحقوق الإنسان، والتعاون الاقتصادي، وتسوية النزاعات سلمياً. (OSCE) لا يعني ذلك أن التجربة الأوروبية قابلة للنسخ الحرفي، لكن فكرتها الأساسية مهمة: لا أمن بلا قواعد مشتركة.
في الشرق الأوسط، يمكن تخيّل إطار أمني إقليمي يقوم على مبادئ واضحة:
1. احترام السيادة وعدم التدخل
لا يمكن لدولة أن تطالب بحماية سيادتها وهي تنتهك سيادة غيرها عبر الميليشيات أو التمويل أو الإعلام أو السلاح.
2. ضبط الفاعلين المسلحين من غير الدول
لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بين الجيش، والميليشيا، والحزب، والعشيرة، والداعم الخارجي.
3. منع انتشار أسلحة الدمار الشامل
السباق النووي أو الكيميائي أو الصاروخي لن يمنح المنطقة أمناً، بل سيجعل أي خطأ صغير قابلاً للتحول إلى كارثة كبرى.
4. ربط الأمن بحقوق المواطنين
الأمن الحقيقي لا يعني فقط حماية الحدود، بل حماية المواطن من الجوع والقهر والتمييز والاعتقال التعسفي.
5. إعادة إعمار دول النزاع
سوريا واليمن وليبيا والسودان لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقة.
خامس عشر: المجتمع المدني… الغائب الأكبر عن خرائط الأمن
تُصنع معظم خرائط الأمن في غرف مغلقة: جنرالات، دبلوماسيون، رجال استخبارات، شركات سلاح، وزعماء سياسيون. لكن الشعوب التي تدفع الثمن غالباً لا تُستشار. وهذا أحد أسباب فشل الحلول.
لا يمكن بناء سلام حقيقي في سوريا من دون السوريين. ولا يمكن حل القضية الفلسطينية بتجاهل الفلسطينيين. ولا يمكن إنهاء حرب اليمن عبر تقاسم النفوذ بين الخارج والداخل من دون إنصاف اليمنيين أنفسهم. الأمن الذي لا يسمع صوت الناس يبقى هشاً، لأنه يفرض الهدوء من فوق، ولا يبني الثقة من تحت.
المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والإعلام الحر، وروابط الضحايا، والمبادرات المحلية، كلها ليست تفاصيل ثانوية. إنها جزء من الأمن الحقيقي. فالدولة التي تملك مواطنين أحراراً أكثر قدرةً على الصمود من دولة تملك أسلحة كثيرة وشعباً خائفاً.
سادس عشر: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة حتى 2030
السيناريو الأول: الفوضى المستدامة
في هذا السيناريو، لا تنفجر المنطقة كلها في حرب كبرى، لكنها لا تدخل سلاماً حقيقياً أيضاً. تبقى الجبهات مشتعلة بدرجات مختلفة: غزة، جنوب لبنان، اليمن، سوريا، العراق، البحر الأحمر. تستمر الضربات المحدودة، والهدن المؤقتة، والتهديدات الإعلامية، بينما يعيش الناس في حالة انتظار دائم.
هذا السيناريو هو الأخطر لأنه يبدو «مقبولاً» دولياً. لا حرب عالمية، لا انهيار شامل، لكن لا سلام أيضاً. إنه موت بطيء للمجتمعات.
السيناريو الثاني: الوفاق الاضطراري
قد تصل القوى الإقليمية إلى قناعة بأن كلفة الحرب صارت أكبر من فائدتها. عندها قد تظهر تسويات كبرى: تفاهم حول الملف النووي الإيراني، ترتيبات في اليمن، تهدئة طويلة في غزة ولبنان، إعادة إدماج سوريا، وتفاهمات أمنية حول الممرات البحرية.
هذا السيناريو لا يقوم على الحب أو الثقة، بل على الخوف من الانهيار. لكنه قد يفتح باباً لالتقاط الأنفاس إذا أحسن العرب استثماره.
السيناريو الثالث: التعددية الإقليمية الهشة
هنا لا توجد قيادة واحدة للمنطقة، بل تحالفات متعددة ومتغيرة: تركيا مع قطر في ملف، السعودية مع الإمارات ومصر في ملف، إيران مع حلفائها في ملف، إسرائيل مع بعض القوى في ملف، والصين وروسيا والولايات المتحدة في الخلفية. قد ينتج عن ذلك استقرار نسبي، لكنه سيبقى هشاً لأن أي حادث كبير قد يعيد خلط الأوراق.
في كل هذه السيناريوهات، سيكون الاقتصاد والتكنولوجيا عاملين حاسمين. الدولة التي تنتج غذاءها، وتبني تعليمها، وتملك بياناتها، وتطور صناعتها، ستكون أقوى من دولة تشتري السلاح فقط وتترك مجتمعها ضعيفاً.
خاتمة: رسالة إلى الحكام العرب… الأمن يبدأ من الداخل
لقد انتهى زمن الشيكات الأمنية المفتوحة. لم تعد القوى الكبرى مستعدةً لحماية الحلفاء كما كانت تفعل في العقود السابقة، ولا هي مستعدة لدفع كلفة استقرار لا يخدم مصالحها المباشرة. الولايات المتحدة تفكر في الصين والتكنولوجيا والممرات البحرية. روسيا تفكر في أوكرانيا ومكانتها الدولية. الصين تفكر في الطاقة والتجارة والنظام العالمي الجديد.
أما شعوب المنطقة، فهي التي تبقى في الميدان، تدفع الثمن من لحمها ودمها وذاكرتها. لذلك لم يعد مقبولاً أن يبقى الأمن العربي مرتهناً للخارج. لا القواعد الأجنبية تبني شرعيةً داخلية، ولا شراء السلاح يصنع دولةً قوية، ولا قمع المواطنين يمنع الانفجار إلى الأبد.
الحماية الحقيقية تبدأ من الداخل: دولة مواطنة، قضاء مستقل، اقتصاد منتج، تعليم حديث، إعلام حر، وعدالة اجتماعية. هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط بقاء. فالحاكم الذي يخاف من شعبه سيبحث دائماً عن حماية خارجية. أما الدولة التي تثق بمواطنيها، فهي أقل حاجةً إلى الاستقواء بالآخرين.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يفهم الدرس. الدرس مكتوب في بغداد ودمشق وصنعاء وغزة وبيروت والخرطوم. مكتوب في المخيمات والمقابر والمرافئ المحطمة والبيوت التي تنتظر عودة أصحابها.
السؤال لم يعد: من يربح الحرب القادمة؟ بل: هل بقي في المنطقة من يملك شجاعة منعها؟
“عامر عبد الله”







