في اللحظات الصعبة التي تمر بها الدول، حين تتراجع القدرة الشرائية، وتزداد الضغوط المعيشية، وتتسع الفجوة بين الدخل والحاجات الأساسية، يصبح الرجوع إلى التراث الفكري والإداري ضرورة عملية لا مجرد استدعاء للماضي، ومن أهم الكتب التي تستحق أن تُقرأ اليوم بعين اقتصادية حديثة كتاب الخراج للإمام أبي يوسف (113– 182 هـ/ 731– 798 م) قاضي القضاة في العصر العباسي وتلميذ الإمام أبي حنيفة، هو الذي ألّف كتابه بطلب من الخليفة هارون الرشيد ليكون دليلاً في إدارة موارد الدولة، وتنظيم الضرائب، وتحقيق العدل المالي بين السلطة والرعية.
جوهر رسالة أبي يوسف أن الدولة لا تُبنى بكثرة الجباية، بل بحسن الإدارة وعدالة التحصيل وتشجيع الإنتاج، فهو يدرك أن المال العام لا يأتي من فراغ، بل من مجتمع تنشطُ فيه الزراعة والصناعة والتجارة مبنيةٌ على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة التي تحدث عنها فرانسيس فوكوياما في كتابه “الثقة”، حيث أوصى الخليفة بقوله: “ينبغي للإمام أن يرفع الظلم عن الناس”، فإزالة الظلم شرطٌ لنمو الاقتصاد واستقرار الدولة.
ولو خاطب الحكومة السورية اليوم، سيوصيها بعدم إرهاق الناس بالرسوم والضرائب في زمن الضعف الاقتصادي، لأن ذلك لا يؤدي إلى زيادة الإيرادات، بل إلى انكماش النشاط الاقتصادي العام، وتراجع الاستثمار.
“حين تصبح الجباية هدفاً بحد ذاتها، تفقد الدولة قدرتها على تمييز الفرق بين الإيراد والتنمية.”
“المستشار الاقتصادي د. أسامة قاضي”
أما السياسة الضريبية السورية الحالية تحاول، من حيث المبدأ، الاقتراب من مفهوم العدالة الذي تحدث عنه أبو يوسف، من خلال رفع حد الإعفاء الضريبي على الرواتب والأجور بحيث يصل إجمالي الدخل المعفى سنوياً إلى نحو 64 مليون ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل تقريباً من يتقاضى أقل من 450 دولار شهرياً، وهذه الفكرة تقوم على عدم تحميل أصحاب الدخل المحدود أعباء ضريبية مباشرة، وترك مساحة معيشية أساسية لهم قبل بدء الاستيفاء الضريبي.
وكان أبو يوسف يرى أن الاعتدال في الجباية أصل من أصول العمران، ولذلك قال: “ولا يؤخذ من الناس إلا ما يطيقون”، فالدولة حين تراعي طاقة الناس، تفتح لهم باب العمل، وحين يزداد العمل تزداد الموارد بصورة طبيعية، أما حين تتحول الرسوم إلى عبء خانق، فإنها تقتل المبادرة وتضعف الإنتاج وتقلل الإيرادات نفسها.
وفي بلد مثل سوريا، التي تمتلك تاريخاً زراعياً عريقاً وموارد بشرية واسعة وخبرات متراكمة، فإن أبا يوسف كان سيولي الزراعة أولوية كبرى، فكتاب الخراج في أصله مرتبط بالأرض والإنتاج الزراعي، ولذلك كان سيحثّ وزير الزراعة على دعم الفلاح، وتأمين مستلزمات الزراعة، وإصلاح شبكات الري، وتوفير الطاقة بأسعار معقولة للقطاع الزراعي، وتسهيل تسويق المحاصيل، ومنع خسارة المنتج الوطني أمام الاختناقات الإدارية أو الاحتكارات، لأن الأرض إذا عُمّرت، كما يفهم من روح الكتاب، عمرت معها الخزينة ودعمت الموازنة العامة وزادت ناتج الدخل القومي، واستقر المجتمع، وتراجعت البطالة والهجرة الداخلية.
ولم يكن أبو يوسف ينظر إلى المال العام مجرد أرقام تُحصّل، بل كان يربطه بالعدل، فالجباية العادلة في نظره أساس الشرعية والاستقرار، وأي إصلاح مالي معاصر يحتاج إلى نظام ضريبي أكثر عدالة وشفافية، يخفف العبء عن الطبقات الضعيفة والوسطى، ويطلب مساهمة أكبر ممن يملكون قُدرة أعلى، لذا فإن أبا يوسف سيوصي الحكومة بتمكين الطبقة الوسطى وجعل نسبتها في المجتمع تتجاوز 70 بالمائة.
كما أن أبا يوسف كان شديد الحساسية تجاه فساد الموظفين واستغلال النفوذ، لأن فساد الجباية أخطر من قلة الجباية، فالموظف غير النزيه يضر الدولة مرتين، مرة حين يظلم الناس، ومرة حين يبدد الثقة بالمؤسسات.
“ليست المشكلة في قلة الموارد، بل في الطريقة التي تُستنزف بها قبل أن تصل إلى مستحقيها.”
“المستشار الاقتصادي د. أسامة قاضي”
ولذلك يؤكد أبو يوسف معنى الرقابة والمحاسبة بقوله: “صلاح الرعية بصلاح ولاتها“، وهي مقولة تصلح عنواناً لأي برنامج إصلاح إداري حديث، وأن تتصدر هذه الجملة وزارة التنمية الإدارية.
ولو خاطب الإدارة السورية اليوم، لقال إن الإصلاح الاقتصادي يبدأ من إصلاح الإدارة العامة، واختيار الأكفّاء وتجنّب المحسوبيات والعصبويات، وتفعيل الرقابة، واستخدام التكنولوجيا لتقليل الاحتكاك المباشر الذي يولد الفساد، وتبسيط الإجراءات التي ترهق المواطن والمستثمر معاً. لذا فإنه سيوصي بإدخال التطبيقات الإلكترونية على الهاتف لكل التعاملات مع المؤسسات الحكومية.
“الإصلاح الذي يتأخر في الإدارة، غالباً ما يُدفع ثمنه من جيب المواطن لا من مكامن الخلل.”
“المستشار الاقتصادي د. أسامة قاضي”
وفي هذا الباب يمكن رصد شواهد من توجهات الحكومة السورية الحالية في مكافحة الفساد، مثل تشديد الرقابة على الجمارك والمعابر، وإجراءات أتمتة بعض الخدمات المالية والضريبية، إضافة إلى حملات متكررة لمتابعة التهرب الضريبي، ورغم أن الطريق ما يزال طويلاً، إلا أن وجود هذا المسار الرقابي يشير إلى إدراك رسمي بأن تحسين الإدارة ورشادتها لا يقل أهمية عن تحصيل الإيراد.
إن سوريا كانت عام 2011 الدولة 144 من 180 على مؤشر الشفافية، وعام 2024 تبوأنا الدرجة 178 من 180، بمعنى كنا من بين أفسد دولتين في العالم، وهذا الكم من الفساد الذي استشرى أفقياً وعمودياً ونال من المنظومة الأخلاقية لمعظم الناس، والموظفين الحكوميين خصوصاً، لن يزول فوراً، لكن المهم هو العمل على الحد منه ومحاربته.
وفي جانب الإنفاق العام، كان أبو يوسف يرى أن أموال الدولة يجب أن تُصرف في مصالح الناس، لا في أبواب الهدر، ولو نُقلت هذه الفكرة إلى الحاضر السوري، لكان معناها توجيه الموارد إلى الكهرباء، والمياه، والطرق، والتعليم، والصحة، والنقل، والبنية التحتية الرقمية، لأن هذه القطاعات لا تخدم الناس فقط، بل ترفع إنتاجية الاقتصاد كله.
ومن المرجح أن أبا يوسف كان سيشجع التجارة الداخلية والخارجية، ويطلب إزالة التعقيدات الإدارية التي تعطل انتقال البضائع ورأس المال المشروع، فالموقع السوري الجغرافي يمنح البلاد فرصة طبيعية لتكون مركز عبور وتبادل بين آسيا وأوروبا والعالم العربي.
ولأن كتاب الخراج كُتب أصلاً لتثبيت الدولة لا لإضعاف المجتمع، فإن رسالته العميقة أن الاستقرار السياسي لا ينفصل عن الرضا الاقتصادي، فالمواطن الذي يجد عملاً، ويشعر بالعدالة، ويرى خدمات عامة مقبولة، ويتعامل مع إدارة محترمة، يكون أكثر استعداداً للصبر والمشاركة والإنتاج.
لو عاد أبو يوسف اليوم وخاطب الحكومة السورية، لربما قال لها إن قوة الدولة ليست فيما تجمعه من الناس فقط، بل فيما تمكّن الناس من إنتاجه، لذا فإن على الحكومة تشجيع الصناعة عموماً والتصنيع الزراعي بشكل خاص لما يخلقه من فرص عمل وينقل التكنولوجيا وينهض بكفاءة العامل السوري، وإن الخزينة التي تُبنى على اقتصاد حي وعدالة راسخة أبقى من الخزينة التي تُملأ مؤقتاً بالضغط والرسوم، ولعل أهم ما في كتاب الخراج أنه يذكّرنا بأن الإدارة الرشيدة ليست اختراعاً حديثاً، بل جزء من تراثنا الفكري الذي ما زال قادراً على إلهام الحاضر إذا أُحسن فهمه.







