
![]()
الملخص التنفيذي
تجادل هذه الدراسة بأن السؤال الحقيقي حول الدور الأميركي في الشرق الأوسط لم يعد متعلقاً بحجم القوة وحده، بل بقدرة هذه القوة على إنتاج نتائج سياسية مستدامة بتكلفة مقبولة. فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر، لكنها تعمل في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، حيث ترتفع كلفة حماية الممرات، وتتسع أدوات الردع غير المتماثل، ويتزايد ميل الحلفاء إلى التحوّط بدل الاصطفاف الأحادي. ومن خلال تحليل ممرات الطاقة، والردع المتكامل، والقيود الداخلية الأميركية، والتحولات في سلوك دول الخليج، تنتهي الدراسة إلى أن ما يجري لا يُفهم بوصفه «انهياراً» للهيمنة، بل انتقالاً من هيمنة أقل كلفة إلى إدارة استراتيجية أكثر إنهاكاً وتعقيداً.مقدمة
لم يعد السؤال الأكثر أهمية في الشرق الأوسط هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر في النظام الدولي، لأن الجواب عن ذلك يبقى، حتى الآن، إيجابياً. السؤال الأجدر بالنقاش الأكاديمي هو: هل ما تزال هذه القوة قادرة على تحويل تفوقها العسكري والمالي إلى قدرة مستقرة على إدارة التوازنات الإقليمية وفرض النتائج السياسية بتكلفة مقبولة؟
هذا التحول في زاوية السؤال هو ما يسمح بقراءة أكثر دقة للتحولات الجارية: فالتراجع لا يبدأ بالضرورة من نقصٍ في حجم القوة، بل قد يبدأ من تآكل كفاءة توظيفها، ومن اتساع الفجوة بين ما تستطيع القوة الكبرى تدميره، وما تستطيع بالفعل إعادة تشكيله أو تثبيته أو ضمان استدامته [1] [2].
في هذا المعنى، لا تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن «الهيمنة الأميركية قد انهارت» أو أن الولايات المتحدة بصدد الخروج الوشيك من الشرق الأوسط، بل من فرضية أكثر قابلية للاختبار: أن بنية القوة الأميركية في الشرق الأوسط تواجه ارتفاعاً مطّرداً في كلفة الهيمنة، وتراجعاً نسبياً في احتكار الردع والطمأنة معاً، وصعوداً لبيئة إقليمية ودولية أكثر تعددية وتعقيداً. ومن ثمّ، فإن القضية ليست أفولاً درامياً بقدر ما هي تحول هيكلي من هيمنة أقل كلفة إلى إدارة عالية الكلفة لصراعات وممرات وتحالفات لم تعد تقبل الانضباط السهل.
«الردع المتكامل يعني استخدام كل أداة متاحة لوزارة الدفاع، بالتعاون الوثيق مع مؤسسات الحكومة والحلفاء والشركاء.»
“— وزارة الدفاع الأميركية [1] – «ترجمة عن المصدر»”
أولاً: الإطار التحليلي – من قياس القوة إلى قياس القدرة على تحويلها إلى نتائج
تُظهر وثائق الاستراتيجية الدفاعية الأميركية الحديثة انتقالاً واضحاً من فكرة «الهيمنة المباشرة» إلى مفاهيم مثل الردع المتكامل، وتوزيع الأعباء، وتعزيز قدرة الحلفاء والشركاء، وربط أدوات القوة العسكرية بالاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات [1] [2]. هذا التحول لا يعني انسحاباً فورياً، لكنه يدلّ على إدراك أميركي بأن البيئة الاستراتيجية لم تعد تسمح بإدارة كل أزمة من خلال التفوق العسكري المباشر وحده.
«ستحث الولايات المتحدة الحلفاء والشركاء الإقليميين الرئيسيين وتمكّنهم من القيام بالمزيد من أجل الدفاع الجماعي.»
“— الاستراتيجية الدفاعية الوطنية الأميركية 2026 [2] – «ترجمة عن المصدر»”
وفي الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة، يُفهم الردع المتكامل بوصفه محاولةً لتعويض تقلّص فاعلية الأدوات العسكرية الصرفة، عبر دمج الردع العسكري مع البنى التكنولوجية، وسلاسل التحالف، والعقوبات، والقدرات السيبرانية، والمرونة الاقتصادية [15]. ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة نفسها تعترف، على نحو ضمني، بأن بيئة الصراع باتت تتجاوز منطق «القوة الصلبة» البسيط؛ إذ لم يعد امتلاك المنصات العسكرية وحده كافياً لحسم الصراعات أو لإبقاء النظام الإقليمي على وتيرة واحدة.
هنا تصبح الدراسة مطالَبة بالتمييز بين ثلاثة مفاهيم:
- القوة: ما تملكه الدولة من موارد وقدرات.
- الهيمنة: قدرتها على جعل الآخرين يتصرفون داخل نظام قواعد تفضّله.
- الاستدامة الاستراتيجية: قدرتها على فعل ذلك من دون أن تتحول كلفة النظام الذي تقوده إلى عبء يفوق عوائده.
ومن هذا المنظور، فإن موضع الاختبار الحقيقي في الشرق الأوسط ليس «هل تستطيع واشنطن الضرب؟» بل: هل تستطيع الضرب، والحماية، وإعادة الضبط، وطمأنة الحلفاء، وردع الخصوم، ومنع الانفلات الاقتصادي، من دون أن تصبح كلفة هذا كله أعلى من العائد الاستراتيجي؟
ثانياً: لماذا يبقى الشرق الأوسط مهماً، رغم الحديث الأميركي المتكرر عن التحول إلى آسيا؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الشرق الأوسط تراجعت مركزيته في الاستراتيجية الأميركية مقارنةً بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. غير أن الوقائع الهيكلية تقول إن الإقليم ما يزال يحتفظ بثلاث وظائف استراتيجية لا يمكن القفز فوقها:
1. وظيفة الطاقة والممرات
يبقى مضيق هرمز أهم ممر نفطي في العالم؛ إذ مرّ عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية عالمياً [3] [4]. كما أن باب المندب والبحر الأحمر يظلان عقدة حيوية في الربط بين الخليج وأوروبا والأسواق العالمية، وقد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن حركة النفط عبر باب المندب انخفضت بأكثر من 50% في الأشهر الثمانية الأولى من 2024 [5].
2. وظيفة الجغرافيا العسكرية
لا تزال المنطقة تمثل عقدة انتشار للقوات والقواعد وشبكات الإنذار المبكر والدفاعات الجوية، كما أنها تتصل مباشرة بأمن إسرائيل، وأمن الخليج، وحماية الملاحة الدولية، وبالقدرة الأميركية على إدارة الأزمات الممتدة من شرق المتوسط حتى المحيط الهندي [1].
3. وظيفة المنافسة بين القوى الكبرى
حتى لو لم تعد واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه «مسرحها الأول»، فإنها لا تستطيع تركه فراغاً. فالصين معنية بالطاقة والموانئ وسلاسل النقل، وروسيا معنية بتوسيع هوامش الحركة وإرباك الترتيبات الغربية، والهند معنية بالطاقة والممرات والاستقرار التجاري. لذلك لم يعد الإقليم ساحة سيطرة أميركية حصرية، بل أصبح ساحة تداخل استراتيجي متعدّد المستويات.
«يظل مضيق هرمز ممراً بالغ الأهمية لعبور النفط العالمي.»
“— إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA [3]”
ثالثاً: اقتصاديات الصراع – حين يتحول التفوق إلى عبء
واحدة من أهم القضايا التي تُظهر حدود الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط تتمثل في اقتصاديات الاستنزاف. فمشكلات القوة الأميركية لا تكمن في غياب وسائل التدمير، بل في أن حماية القواعد، وتأمين الممرات، واعتراض المسيّرات والصواريخ، ونشر القطع البحرية، وإدامة الانتشار لفترات طويلة، كلها عمليات مرتفعة الكلفة على نحو متزايد.
لقد أصبح من المألوف في نزاعات المنطقة أن تستخدم الجهات المهاجمة أدوات منخفضة الكلفة نسبياً — مسيّرات، صواريخ، هجمات غير متماثلة، تعطيل ملاحة، أدوات سيبرانية – في مقابل ردّ دفاعي أكثر كلفة بكثير [1]. وهنا تتشكّل معضلة استراتيجية حقيقية: القوة الأكبر قد تربح كل اشتباك تكتيكي، لكنها تُنهك في مجموع الحملة إذا كانت تدفع في كل مرة كلفة أعلى من خصومها.
“ليست معضلة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أنها أضعف من خصومها، بل أن إدارة تفوقها باتت أغلى كلفة من ذي قبل.”
“عامر عبدالله“
ويتجاوز هذا العبء الجانب العسكري الخالص إلى الاقتصاد الكلي. فالحرب أو التهديد بإغلاق الممرات لا يرفع فقط نفقات الانتشار؛ بل يرفع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ويضغط على التضخم العالمي، ويضيف إلى البيئة الاقتصادية الأميركية قيوداً داخلية جديدة. وقد حذّر صندوق النقد الدولي بوضوح من أن «الارتفاعات المستدامة في أسعار النفط تدفع التضخم إلى أعلى وتضغط النمو إلى أسفل» [7]. كما بيّن البنك الدولي أن أزمة البحر الأحمر أصابت واحداً من أهم شرايين التجارة العالمية، وأن تداعياتها لا تبقى إقليمية بل تمتد إلى سلاسل الإمداد والكلفة اللوجستية العالمية [6] [5].
«تؤدي الارتفاعات المستدامة في أسعار النفط، تاريخياً، إلى دفع التضخم نحو الأعلى وإبطاء النمو الاقتصادي.»
“— صندوق النقد الدولي IMF [7] – «ترجمة عن المصدر»”
رابعاً: القيد الداخلي الأميركي – الهيمنة لا تُدار من الخارج فقط
تتعرض أي استراتيجية خارجية لاختبار داخلي حاسم: هل تستطيع الدولة أن تُموِّلها سياسياً ومالياً ومجتمعياً؟
وفي الحالة الأميركية، لا يتعلق الأمر فقط بتعب الرأي العام من الحروب الطويلة، بل أيضاً بالبنية المالية التي تضغط على صانع القرار. فمكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي يتوقع أن تصل خدمة الفائدة الصافية إلى 4.6% من الناتج المحلي بحلول 2036، وأن يصبح الدين العام عبئاً أكثر ثقلاً على السياسة المالية [8] [9]. وهذه ليست مسألة محاسبية هامشية؛ لأن توسع الدَّين وارتفاع فوائد خدمته يحدّان من قابلية الدولة لتقبل حملات استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات.
وعلى المستوى السياسي، تُظهر استطلاعات مركز بيو في 2026 ميلاً واضحاً إلى التشكك الشعبي في جدوى الانخراط العسكري الأميركي ضد إيران؛ إذ رأى 59% من الأميركيين أن قرار استخدام القوة كان خاطئاً، وبقيت نسب عدم الرضا مرتفعة في الاستطلاعات اللاحقة [10] [11]. كما أظهر استطلاع آخر أن أسعار الوقود كانت في صدارة هواجس الأميركيين المرتبطة بالحرب [12]. وهذا يعني أن كلفة الشرق الأوسط لا تُقاس فقط في القواعد والصواريخ، بل أيضاً في صندوق الاقتراع ومحفظة المستهلك وسقف التحمل المجتمعي.
«يرى 59% من الأميركيين أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً خاطئاً باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.»
“— مركز بيو للأبحاث Pew Research Center [11] – «ترجمة عن المصدر»”
خامساً: الحلفاء لم يغادروا واشنطن… لكنهم لم يعودوا يصطفّون حصرياً وراءها
من أكثر المؤشرات دلالة على تحوّل بنية الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط أن الحلفاء التقليديين لم يعودوا يفكرون بمنطق الاصطفاف الأحادي. فالأدبيات الحديثة حول سياسات الخليج تشير بوضوح إلى صعود سلوك التحوّط الاستراتيجي، أي الجمع بين المظلة الأمنية الأميركية، والانفتاح الاقتصادي على الصين، وبناء قنوات تفاهم مع قوى إقليمية مثل إيران وتركيا، والسعي إلى هامش قرار أوسع [13] [14].
إن هذه الظاهرة لا تعني انهيار التحالفات مع واشنطن، لكنها تعني أمراً لا يقل أهمية: تراجع حصرية الاعتماد عليها. فحين يتعلم الحليف أن يوزع مخاطره بين أكثر من راعٍ، وأن يوسّع شبكته الاقتصادية والسياسية، فإن بنية الهيمنة التقليدية تتآكل حتى لو بقيت الشراكة قائمة شكلياً.
«اتبعت دول الخليج استراتيجيات متنوعة لضمان بقائها، من بينها التحوط الاستراتيجي، والموازنة الشاملة، والاصطفاف مع القوى الأقوى.»
“— Cambridge University Press [13] – ترجمة عن المصدر»”
وهنا تتبدى مفارقة مهمة:
فالهيمنة ليست مجرد وجود قواعد أو اتفاقات دفاعية، بل قدرة على منع الحلفاء من البحث عن بدائل وظيفية. وإذا كان الحليف يظل في المظلة الأميركية، لكنه في الوقت نفسه يوسّع اعتماده على قوى أخرى، فإننا لا نكون أمام انهيار درامي، بل أمام تراجع تدريجي في احتكار الطمأنة.
سادساً: إيران وإسرائيل – بين الردع غير المتماثل وتدويل الصراع
لا يمكن قراءة حدود القوة الأميركية في الشرق الأوسط من دون التوقف عند طبيعة الخصوم والشركاء على حد سواء. فإيران لا تنافس الولايات المتحدة في مستوى القوة الشاملة، لكنها بنت عبر العقود نمطاً من الردع غير المتماثل يقوم على الجغرافيا، والممرات، والشبكات الحليفة، والقدرات الصاروخية والمسيّرة، وتدويل كلفة أي صدام معها [16]. وهذا يعني أن السؤال الأميركي ليس: «هل تستطيع واشنطن إلحاق ضرر هائل بإيران؟» بل: ما الكلفة الإقليمية والعالمية والداخلية المترتبة على ذلك؟
أما إسرائيل، فهي تمثل في الوقت نفسه حليفاً محورياً لواشنطن، وعاملاً يزيد أحياناً من صعوبة المعادلة الأميركية؛ لأنها تدفع باستمرار نحو تعظيم الردع وإزالة التهديدات القريبة، بينما تضطر واشنطن إلى وزن ذلك ضمن توازنات أوسع: أسعار الطاقة، وتماسك التحالفات، واتساع نطاق الحرب، واحتمالات التورط المباشر.
لذلك، فإن البنية الإقليمية الراهنة لا تسمح بالنظر إلى الولايات المتحدة كفاعل منفرد يفرض منطقاً أحادياً على الجميع؛ بل تضعها داخل شبكة تفاعلات متشابكة، يكون فيها الحليف أحياناً مولّداً للمخاطر، والخصم مولّداً للكلفة، والممرات مولّداً للضغط العالمي.
«حين يفقد الحليف حاجته الحصرية إلى الراعي، تبدأ الهيمنة في التآكل حتى لو بقيت القواعد والاتفاقات في مكانها.»
“عامر عبدالله“
سابعاً: السيناريوهات المحتملة – من الاستنزاف المضبوط إلى إعادة تركيب الإقليم
إذا جرى اختبار فرضية «تآكل الهيمنة» بصورة منضبطة، فإن السيناريوهات المنطقية لا تنحصر في ثنائية «الانتصار الأميركي» أو «الانسحاب الأميركي». بل يمكن رسم أربعة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: الاستنزاف المضبوط
تظل الولايات المتحدة قادرة على حفظ الحد الأدنى من الردع وحماية الممرات الأساسية، لكن بكلفة متزايدة، ومن دون قدرة على إنتاج تسوية إقليمية كبرى. في هذا السيناريو، لا تنهار الهيمنة فجأة، لكنها تتآكل وظيفياً.
السيناريو الثاني: التكيّف الانتقائي
تعيد واشنطن توزيع أعبائها عبر الحلفاء، وتخفف انخراطها المباشر، وتستبدل الهيمنة الكثيفة بنظام إدارة مرن يعتمد على التحالفات والردع من الخلف. وهذا ليس هزيمة، لكنه اعتراف بأن نموذج السيطرة القديم صار مكلفاً أكثر من اللازم [2] [15].
السيناريو الثالث: الانفلات الإقليمي المتدرج
يتسع نطاق الضربات غير المتماثلة، وتتكرر اضطرابات الشحن والطاقة، وتُستنزف شبكات الدفاع الجوي والبحري، وتصبح إدارة الأزمة ذاتها مصدراً دائماً للكلفة. في هذا السيناريو، لا تخسر الولايات المتحدة الحرب عسكرياً، لكنها تخسر سهولة النظام الإقليمي الذي اعتادت العمل داخله.
السيناريو الرابع: إعادة تشكيل تعددية الشرق الأوسط
على المدى الأبعد، قد ينتقل الإقليم من نموذج الهيمنة الأميركية الأحادية إلى نموذج أكثر تعددية، تتقاسم فيه السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل أدواراً إقليمية متفاوتة، فيما تلعب واشنطن وبكين وموسكو ونيودلهي أدواراً خارجية متداخلة. وهذا يعني أن مستقبل المنطقة قد لا يكون «فراغاً بعد أميركا»، بل سوقاً استراتيجية للموازنة بين قوى متعددة.
«الشرق الأوسط لا يطرد الولايات المتحدة من الجغرافيا، لكنه يفرض عليها ثمناً أعلى للبقاء لاعباً مقرِّراً فيه.»
“عامر عبدالله“
لا تقود هذه الدراسة إلى استنتاج تبسيطي يقول إن «الولايات المتحدة انتهت في الشرق الأوسط»، كما لا تؤيد في المقابل الرواية المقابلة التي تزعم أن كل ما يجري ليس إلا اضطراباً عابراً في نظام سيعود إلى سابق هيمنته. ما ترجّحه المعطيات هو شيء أكثر تركيباً: أن القوة الأميركية ما تزال كبيرة، لكنها تعمل في بيئة أصبحت أكثر قدرة على فرض الكلفة، وأقل قابلية للانضباط، وأكثر تنوعاً في الشركاء والخصوم والمسارات.
وبالتالي، فإن الفرضية الأكثر إقناعاً ليست «الانهيار»، بل الانتقال من الهيمنة المريحة نسبياً إلى الإدارة المرهِقة استراتيجياً. هذه النقلة، إن استمرت، قد لا تسقط الوجود الأميركي دفعةً واحدة، لكنها تُعيد تعريفه: من مركزٍ يحتكر الضبط والطمأنة، إلى لاعب قوي داخل نظام إقليمي ودولي أكثر ازدحاماً، وأقل قابلية للسيطرة المنفردة.
وفي هذا المعنى، لا يكون السؤال: هل تنتهي الهيمنة الأميركية؟
بل: ما المقدار الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تدفعه كي تبقى مهيمنة، ومتى تتحول كلفة البقاء في المركز إلى بداية التراجع عنه؟
![]()

المراجع والمصادر
- وزارة الدفاع الأميركية، 2022 National Defense Strategy
https://media.defense.gov/2022/Oct/27/2003103845/-1/-1/1/2022-NATIONAL-DEFENSE-STRATEGY-NPR-MDR.PDF - وزارة الدفاع الأميركية، 2026 National Defense Strategy
https://media.defense.gov/2026/Jan/23/2003864773/-1/-1/0/2026-NATIONAL-DEFENSE-STRATEGY.PDF - إدارة معلومات الطاقة الأميركية، Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical oil transit route
https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=65504 - إدارة معلومات الطاقة الأميركية، World Oil Transit Chokepoints
https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/world_oil_transit_Chokepoints - إدارة معلومات الطاقة الأميركية، Fewer tankers transit the Red Sea in 2024
https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=63446 - البنك الدولي، The Red Sea shipping crisis and its global repercussions
https://blogs.worldbank.org/en/developmenttalk/navigating-troubled-waters–the-red-sea-shipping-crisis-and-its- - صندوق النقد الدولي، How the War in the Middle East Is Affecting Energy, Trade, and Finance
https://www.imf.org/en/blogs/articles/2026/03/30/how-the-war-in-the-middle-east-is-affecting-energy-trade-and-finance - مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي، The Budget and Economic Outlook: 2026 to 2036
https://www.cbo.gov/publication/62105 - مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي، The Long-Term Budget Outlook: 2025 to 2055
https://www.cbo.gov/publication/61187 - مركز بيو للأبحاث، Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran
https://www.pewresearch.org/politics/2026/03/25/americans-broadly-disapprove-of-u-s-military-action-in-iran/ - مركز بيو للأبحاث، Americans remain critical of Trump administration’s approach to Iran
https://www.pewresearch.org/short-reads/2026/05/01/americans-remain-critical-of-trump-administrations-approach-to-iran/ - مركز بيو للأبحاث، Gas Prices Are Americans’ Top Concern in Iran War
https://www.pewresearch.org/global/2026/04/07/gas-prices-are-americans-top-concern-in-iran-war/ - Cambridge University Press، Foreign Policy and International Relations of the Gulf States
https://www.cambridge.org/highereducation/books/an-introduction-to-gulf-politics/674352D377A9CDD0DE5AC31273206623/foreign-policy-and-international-relations-of-the-gulf-states/F4F23E1E109E3F9A038F7CAFB33AC425 - RAND Corporation، The Outlook for Arab Gulf Cooperation
https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/research_reports/RR1400/RR1429/RAND_RR1429.pdf - James J. Wirtz، Wanted: a strategy to integrate deterrence
https://doi.org/10.1080/14751798.2024.2352943 - The Internationalization of Deterrence: The Case Study of Iran’s Biaxial Deterrence in the Middle East
https://doi.org/10.1111/dome.12350







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.