
![]()
حين نتأمل تاريخ سورية بعيداً عن حدود السياسة وتقلبات الحاضر، نكتشف أرضاً يصعب اختصارها في دولة أو حقبة أو حدث. فمنذ آلاف السنين، كانت هذه الجغرافيا الواقعة بين بلاد الرافدين والأناضول ومصر والبحر المتوسط مساحة مفتوحة لعبور البشر والبضائع واللغات والمعتقدات والأفكار. وعلى طرقها نشأت مدن مثل إيبلا وماري وأوغاريت؛ ولم تكن مجرد مراكز للحكم والتجارة، بل محطات أساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.
أوغاريت مدينة بين طرق التجارة والمعرفة
تقدّم أوغاريت، على الساحل السوري قرب اللاذقية، واحدة من أكثر الصور دلالة على ذلك الإرث. فعندما بدأ الكشف عن المدينة القديمة في رأس شمرا سنة 1928، ثم انطلقت الحفريات المنهجية في العام التالي، ظهرت القصور والمعابد والمخازن والشوارع وآلاف الألواح الطينية. غير أن القيمة الأعمق للاكتشاف لم تكن في عمارة المدينة وحدها، بل في الكلمات التي احتفظ بها الطين أكثر من ثلاثة آلاف عام.[1]
ازدهرت أوغاريت خصوصاً خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد. وكان موقعها على المتوسط يربطها بشبكات تجارة ممتدة إلى مصر وبلاد الرافدين والأناضول وقبرص والعالم الإيجي. ومع النحاس والأخشاب والزيوت والعاج وغيرها من السلع، كانت تنتقل اللغات والعادات والمعتقدات والمعارف. فالتجارة في العالم القديم لم تكن تبادلاً للمواد فحسب، بل كانت أيضاً إحدى الوسائل الكبرى لانتقال الأفكار بين المجتمعات.
«كانت طرق التجارة القديمة تحمل الأفكار مع السلع؛ لذلك لم تكن أوغاريت ميناءً للبضائع وحدها، بل معبراً للغات والمعارف أيضاً.»
“ياسر أشقر“
من المسمار إلى الأبجدية
من هذه البيئة المنفتحة جاءت أهمية التجربة الأوغاريتية في تاريخ الكتابة. فالكتابة سبقت أوغاريت بقرون طويلة في بلاد الرافدين ومصر، وكانت أنظمتها الأولى تقوم، في جانب منها، على أعداد كبيرة من العلامات والمقاطع، مما جعل تعلّمها يحتاج إلى تدريب طويل وتخصص. أما التحول الأبجدي فطرح تصوراً مختلفاً: إمكان تمثيل أصوات اللغة بعدد محدود من العلامات.
أبجدية أوغاريت
استخدم كتبة أوغاريت ثلاثين علامة مسمارية ذات قيمة أبجدية، وسجّلوا بها الرسائل والعقود والنصوص الدينية والأدبية والسجلات المختلفة. وظلت العلامة تُضغط على الطين بالإسفين، لكن الجديد كان في المنطق الذي يحكم استخدامها؛ فقد صار أبجدياً، في تجربة وصفها باحثو متحف بن بأنها الأبجدية المسمارية الأولى والوحيدة المعروفة.[2]
ومع ذلك، تقتضي الدقة التاريخية الابتعاد عن العبارة المتداولة التي تنسب «اختراع الأبجدية» إلى أوغاريت على نحو مطلق. فتاريخ نشوء الأبجدية أكثر تعقيداً، وارتبط بتفاعلات أوسع في مصر والمشرق خلال الألف الثاني قبل الميلاد. والأدق أن أوغاريت قدّمت واحداً من أقدم الأنظمة الأبجدية المكتملة المعروفة، في صيغة مسمارية أبجدية مميزة ضمن تاريخ طويل ومتعدد المراكز.[2]
«لا تكمن قيمة أوغاريت في ادعاء ملكية الأبجدية، بل في مشاركتها العميقة في التحول الذي جعل اللغة معرفة قابلة للحفظ والانتقال.»
“ياسر أشقر“
ولا ينتقص هذا التحديد من أهمية التجربة السورية؛ بل يضعها في موقعها الأكثر قيمة داخل حركة حضارية لم يصنعها شعب واحد، ولم تتوقف عند حدود مدينة واحدة. فالحضارة الإنسانية لم تتقدم عبر اختراعات معزولة، وإنما عبر أفكار تنتقل من مجتمع إلى آخر، ويعيد كل مجتمع تشكيلها وفق لغته وحاجاته وبيئته.
أبجدية أوغاريت: سورية في سلسلة الحرف
من هنا تتسع الحكاية إلى ما بعد أوغاريت. فقد عرف المشرق تقاليد أبجدية متوازية، ثم أدّى الفينيقيون دوراً مهماً في نشر نظام كتابي عبر شبكاتهم البحرية في المتوسط. واقتبس اليونانيون حروفاً سامية غربية وأعادوا تكييف بعضها مع لغتهم، قبل أن تتطور مسارات أخرى انتهت إلى الأبجدية اللاتينية. وفي الشرق، انتشر الخط الآرامي على نطاق واسع وتفرعت منه خطوط عديدة؛ ومن خلال الخط النبطي، المنتمي إلى السلالة الآرامية، تطورت تدريجياً أشكال أسهمت في نشوء الخط العربي.[3]
هذه السلسلة الطويلة هي التي تمنح سورية مكانتها الحقيقية في تاريخ الحضارة. فلم تكن أهميتها في قدرتها على ادعاء ملكية الحرف، وإنما في كونها واحدة من البيئات التي التقت فيها طرق المعرفة، وتفاعلت فيها اللغات والثقافات. ولم يجعلها موقعها الجغرافي ممراً بين حضارات الآخرين فحسب؛ بل جعل مدنها جزءاً من عملية الإنتاج الحضاري نفسها.
لذلك تبدو استعادة تاريخ أوغاريت وإيبلا وماري والآراميين وغيرهم مهمة اليوم؛ لا لأنها تمنح السوريين سبباً إضافياً للفخر فحسب، بل لأنها تعيد تقديم سورية خارج الصورة التي التصقت بها خلال العقود الأخيرة. فهذه الأرض التي عرفها العالم حديثاً من خلال الحرب والنزوح والدمار، تحمل تحت حاضرها طبقات أقدم بكثير من الذاكرة: مدناً وأسواقاً ومرافئ ومعابد ونصوصاً وشبكات من التجارة والمعرفة امتدت عبر الشرق القديم والبحر المتوسط.
حين تصبح الذاكرة أطول من المدن
يضع هذا التاريخ مفهوم الحضارة نفسه في سياقه الصحيح. فالحضارات لا تعيش بما أقامته من قصور وأسوار وحدها، ولا بما امتلكته من نفوذ في لحظة تاريخية معينة، وإنما بما استطاعت إضافته إلى التجربة الإنسانية ونقله إلى من جاء بعدها. ومن هذه الزاوية، تصبح الألواح التي خرجت من تراب الساحل السوري أكثر من قطع أثرية محفوظة في المتاحف؛ إنها شواهد على مرحلة طويلة حاول فيها الإنسان أن يحوّل اللغة من صوت ينتهي بانتهاء لحظته إلى معرفة قابلة للحفظ والانتقال.
«الحضارات لا تعيش بما أقامته من قصور وأسوار، وإنما بما أضافته إلى التجربة الإنسانية ونقلته إلى من جاء بعدها.»
“ياسر أشقر“
وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات التاريخ السوري: لم تحتفظ الأرض بآثار من عاشوا عليها فحسب، بل احتفظت بشيء من أفكارهم أيضاً. وما وصل إلينا من أوغاريت بعد آلاف السنين يذكّرنا بأن المكان قد يتغير، والمدن قد تتبدل، لكن ما تضيفه الحضارات إلى ذاكرة الإنسان يستطيع أن يعبر زمناً أطول بكثير من عمرها.


المراجع
[1] Justin King، «Ugarit»، World History Encyclopedia، 22 آذار/مارس 2012.
[2] Virginia R. Herrmann وAdam Smith، «The Alphabet»، Penn Museum، 2023.
[3] Unicode Consortium، «Middle East II: Aramaic-derived scripts»، الموسوعة التقنية لنظام يونيكود.







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.