مالات .. سورية رؤى مستقبلية

سورية.. رؤى مستقبلية

Search
Close
Facebook X-twitter Youtube
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Facebook X-twitter Youtube
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
الرئيسية ملفات

قراءة في رؤية د. أسامة الشاذلي: يأجوج ومأجوج ليسوا بشراً

بين تنقية الإسرائيليات، وإعادة قراءة النص القرآني، وفرضية الكوارث الكونية

د. عزام كروما د. عزام كروما
2026-09-15
في ... ملفات
0 0
A A
0
يأجوج ومأجوج ليسوا بشراً في رؤية د. أسامة الشاذلي

قراءة في رؤية د. أسامة الشاذلي حول يأجوج ومأجوج، بين النص القرآني والإسرائيليات والتفسيرات التوراتية والقراءات المعاصرة.

0
شارك
215
المشاهدات

بادئة حكمة الكاتب د. عزام كروما حول تنقية المخيال الشعبي والعودة إلى سياق النصوص المقدسة

يأجوج ومأجوج ليسوا بشراً؟ تتناول هذه القراءة اجتهاد د. أسامة الشاذلي القائل إن يأجوج ومأجوج قد لا يكونان شعبين بشريين، وإنما ظواهر كونية مدمرة ترتبط بالبراكين العملاقة والأمواج البحرية الهائلة، مع اختبار هذه الفرضية قرآنياً ولغوياً وحديثياً وعلمياً، ومراجعة أثر الإسرائيليات والرؤية التوراتية في تشكيل المخيال الديني والسياسي.

ليس التراث الديني كتلةً واحدة متساوية في درجة الثبوت؛ ففيه النص المقدس، وفيه الحديث الصحيح، وفيه اجتهاد المفسر، والرواية التاريخية، والإسرائيليات، والأسطورة الشعبية التي تتناقلها الأجيال حتى يكاد المتلقي بعد قرون يعجز عن التمييز بينها.

ومن هنا تبدأ أهمية إعادة النظر في عدد من التصورات التي ترسخت في الوعي الإسلامي، لا بهدف الاعتداء على الثوابت الدينية، وإنما للفصل بين ما يقوله القرآن فعلاً وما قاله المفسرون عنه، وبين الوحي وبين الأخبار التي تسربت إلى بعض كتب القصص والتفسير من مصادر يهودية أو مسيحية أو تراثية أخرى.

وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تنتقل الرواية الدينية من فضاء العقيدة والتاريخ إلى المجال السياسي؛ فالنصوص الدينية قادرة، متى جرى إخراجها من سياقاتها أو إعادة تركيبها أيديولوجياً، على أن تتحول إلى خرائط للأرض، وتصورات للعدو، ومسوغات للحرب، ومبررات للضم والاستيطان.

وهنا لا يمكن تجاهل حضور مفهوم «الشعب المختار» في النص التوراتي. فسفر التثنية يصف بني إسرائيل بأنهم شعب مقدس اختاره الرب «شعباً خاصاً» من بين شعوب الأرض [1]. لكن الدقة واجبة أيضاً عند التعامل مع مصطلح الأغيار – Goyim / גויים؛ فالدراسات اللغوية للنص العبري تبين أن كلمة goy في العبرية الكتابية كانت تعني أصلاً «أمة» أو «شعباً»، حتى إن بني إسرائيل أنفسهم وُصفوا في سفر الخروج بـ goy kadosh، أي «أمة مقدسة». ثم اتجه الاستعمال خلال التطور الديني والرباني اللاحق بصورة متزايدة إلى استعمال goy/goyim للدلالة على غير اليهود [2].

إذن، فالمصطلح اكتسب بالفعل وظيفةً فاصلة بين الجماعة اليهودية و«الأمم الأخرى»، لكن القول إن كلمة goyim نفسها تعني «العبيد» غير دقيق لغوياً.

أما قضية العبودية فتأتي من مسار نصي آخر.

فسفر التكوين يروي أن نوحاً، بعد حادثة ابنه حام، قال:

«ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته» [3].

وتتكرر في الآيتين التاليتين فكرة أن يكون كنعان خادماً لسام ويافث.

وهذه العبارة شديدة الأهمية تاريخياً؛ لكن النص، بحرفيته، يلعن كنعان ابن حام، ولا يلعن حام نفسه ولا جميع ذريته، كما أنه لا يقول إن جميع الأغيار عبيد لبني إسرائيل. وما عُرف لاحقاً باسم «لعنة حام» كان توسعاً تفسيرياً في النص الأصلي، ثم أصبح عبر قرون أحد المسوغات المستخدمة في تبرير استعباد الأفارقة وفي بناء تصورات هرمية عن الشعوب [4].

وهذه الملاحظة لا تلغي خطورة النصوص والتأويلات التي استُخدمت لبناء فكرة التفوق الديني أو العرقي، بل تجعل نقدها أكثر دقة: فالمشكلة ليست في اختراع نصوص غير موجودة، وإنما في كيفية تحويل مفاهيم الاختيار والبركة واللعنة إلى منظومات سياسية واجتماعية للتمييز والسيطرة.

وفي واقعنا المعاصر، لم يعد الربط بين الدين والجغرافيا السياسية مسألة افتراضية بالكامل. ففي أغسطس/آب 2025 أعلن بنيامين نتنياهو أنه يشعر بأنه في «مهمة تاريخية وروحية»، وأبدى ارتباطه برؤية «إسرائيل الكبرى» [5]. وبعد أسابيع أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن العمل جارٍ على خرائط لضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، محدداً الهدف بإخضاع «أكبر مساحة وأقل عدد من السكان الفلسطينيين» للسيادة الإسرائيلية [6]. وفي سبتمبر/أيلول 2026 ما تزال التقارير الدولية توثق تسارع التوسع الاستيطاني والضغوط الرامية عملياً إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة [7].

من هنا يأتي هذا المقال لا بوصفه خصومةً مع اليهود كدين أو شعب، وإنما محاولةً لفهم كيف تعمل النصوص الدينية والتفسيرات الأخروية عندما تدخل حقل الصراع السياسي، وكيف يمكن لتنقية التراث الإسلامي نفسه من الروايات غير المنضبطة أن تكون جزءاً من تحصين الوعي العربي.

وفي هذا السياق تبرز الرؤية المثيرة للجدل التي يقدمها د. أسامة الشاذلي: ماذا لو لم يكن يأجوج ومأجوج بشراً أصلاً؟

لماذا أعاد الشاذلي فتح قضية يأجوج ومأجوج؟

ينطلق الشاذلي من اعتراض بسيط ظاهرياً، لكنه يفتح باباً واسعاً للأسئلة: الصورة الشعبية الشائعة ليأجوج ومأجوج تتحدث عن أعداد هائلة من البشر تعيش خلف سد منذ زمن ذي القرنين، وتحاول اختراقه، ثم ستنجح في آخر الزمان وتخرج لتجتاح الأرض.

هذه الصورة، في نظره، تثير مشكلات عقلية وجغرافية: أين يعيش هؤلاء؟ كيف بقي وجود ملايين أو مليارات البشر مجهولاً في عصر الخرائط والأقمار الصناعية والمسوح الجيولوجية؟ وكيف نستطيع الفصل بين ما قاله القرآن وبين التفاصيل الأسطورية المتراكمة في بعض كتب القصص؟

وقد أوضح الشاذلي في الحوار أن هذا الشعور بعدم الاقتناع دفعه أولاً إلى العودة إلى القرآن، ثم إلى الأحاديث التي رآها صحيحة، ثم إلى اللغة وسياق الآيات، قبل أن يحاول بناء تفسير جديد.

وكانت الكوارث الطبيعية الكبرى من العوامل التي وجهت تفكيره نحو احتمال أن تكون بعض أوصاف آخر الزمان مرتبطة بظواهر كونية يمكن فهمها اليوم بصورة لم تكن متاحة للأجيال القديمة.

لكن من الضروري هنا تصحيح تفصيل ورد في الحوار: الزلزال الياباني الذي يبدو أن الشاذلي كان يشير إليه هو زلزال توهوكو سنة 2011 لا 2010. ولا توجد حقيقة علمية تقول إن زلزالاً كهذا يمكن أن يقلب اتجاه دوران الأرض؛ ما يمكن أن تفعله الزلازل الكبرى هو إحداث تغير بالغ الصغر في توزيع كتلة الأرض أو مدة اليوم.

المهم بالنسبة إلى الشاذلي لم يكن الشائعة نفسها، بل السؤال الذي أثارته: هل ما نسميه أحياناً «صوراً أسطورية» يمكن أن يكون وصفاً قديماً لظواهر طبيعية هائلة؟

يأجوج ومأجوج في القرآن: موضعان وسياقان

يتوقف الشاذلي أولاً عند حقيقة أن يأجوج ومأجوج ذُكرا بالاسم في موضعين قرآنيين أساسيين.

الأول في سورة الأنبياء:

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍۢ يَنسِلُونَ ٩٦ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٩٧﴾
[سورة الأنبياء: 96–97] [10]

والموضع الثاني في قصة ذي القرنين:

﴿قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ٩٤﴾
[سورة الكهف: 94]

ثم يقول ذو القرنين:

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥﴾
[سورة الكهف: 95]

ويصف القرآن بناء الردم:

﴿ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ٩٦ فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧﴾
[سورة الكهف: 96–97]

ثم:

﴿قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ٩٨ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ٩٩﴾
[سورة الكهف: 98–99] [9]

يرى الشاذلي أننا أمام مستويين: واقعة ارتبطت بذي القرنين وقوم واجهوا خطراً حقيقياً في الماضي، ثم وعد مستقبلي أوسع يرتبط باقتراب الساعة.

«ينسلون»: الحركة السريعة لا التناسل

يتوقف الشاذلي عند كلمة:

﴿يَنسِلُونَ﴾.

ويشير إلى أنها لا تعني «يتناسلون»، بل الحركة السريعة والخروج.

ويؤكد هذا الاستعمال قوله تعالى:

﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ٥١﴾
[سورة يس: 51]

ومن هنا يرى أن صورة: ﴿مِّن كُلِّ حَدَبٍۢ يَنسِلُونَ﴾ يمكن ـ في فرضيته ـ أن تستحضر حركةً اندفاعية واسعة النطاق، لا بالضرورة حركة جيوش بشرية.

لكن اللفظ وحده لا يحسم المسألة؛ فهو يستطيع وصف حركة البشر أيضاً.

مفتاح النظرية: «الأجيج» و«الأجاج»

هنا تقع أكثر أفكار الشاذلي أصالةً وإثارةً للجدل.

فهو يعود إلى الجذر العربي «أ ج ج»، ويلاحظ اقترانه بالنار والحرارة والاندفاع من جهة، وبالماء شديد الملوحة من جهة أخرى. وفي الحوار يبني على ذلك احتمال أن يكون «يأجوج» متصلاً بصورة النار المتأججة، وأن يكون «مأجوج» متصلاً بالماء الأجاج.

ويجد لهذا التصور سنداً جزئياً في لسان العرب؛ فابن منظور يذكر أن «الأجيج» تلهب النار وصوتها، وأن «الأُجاج» الماء شديد الملوحة، كما يذكر إمكان الاشتقاق من أجيج النار والماء الأجاج لو كان الاسمان عربيين [11].

لكن المعجم نفسه يضع قيداً مهماً جداً على هذا الاستدلال: فهو يذكر أيضاً أن يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، ثم يقول إن الأعجمي لا يشتق من العربية.

إذن، فالمعجم يقدم للشاذلي إمكاناً لغوياً مشروطاً، وليس برهاناً نهائياً على نظريته.

وترد كلمة «أجاج» قرآنياً:

﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًۭا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ٧٠﴾
[سورة الواقعة: 70]

وهذا يثبت حضور الحقل الدلالي للماء الشديد الملوحة في العربية القرآنية، لكنه لا يثبت بمفرده أن «مأجوج» مشتق منه.

«قوة فرضية الشاذلي تبدأ من اللغة، لكن اللغة نفسها تضع حدودها: الاشتقاق ممكن إذا كان الاسمان عربيين، بينما المعاجم تحفظ أيضاً احتمال أعجميتهما.»

لماذا يرى الشاذلي أن يأجوج ومأجوج ليسوا بشراً؟

من هذه المقدمة اللغوية ينتقل الشاذلي إلى فرضيته المركزية:

يأجوج قد يكون النشاط البركاني الهائل، ومأجوج قد يكون المياه المالحة المندفعة في موجات كارثية من طراز الميغا تسونامي.

وبذلك لا يصبح يأجوج ومأجوج ـ في تصوره ـ اسم شعبين، بل توصيفاً لحدثين أو قوتين جيولوجيتين مدمرتين قد تتفاعلان معاً.

هو لا يقدم ذلك باعتباره استعارة شعرية فقط، وإنما باعتباره احتمالاً تفسيرياً لحدث مادي سيقع في المستقبل.

وهنا ينبغي الفصل بوضوح بين مرحلتين:

أولاً، هل توجد براكين فائقة وأمواج مائية قادرة على إحداث دمار قاري؟ نعم.

ثانياً، هل ثبت أن القرآن يقصد بهذه الظواهر يأجوج ومأجوج؟ لا.

المرحلة الثانية هي اجتهاد الشاذلي وليست نتيجة علم الجيولوجيا.

البراكين العملاقة: التصحيح العلمي يقوي النقاش ولا يهدمه

استشهد الحوار بما يعرف بالبراكين العملاقة أو supervolcanoes. وهذه ظاهرة حقيقية، لكن بعض الأرقام التي وردت شفوياً تحتاج إلى تصحيح.

تعرّف هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الثوران الفائق بأنه ثوران يبلغ الدرجة الثامنة على مؤشر الانفجارية البركانية VEI، ويخلّف أكثر من 1000 كيلومتر مكعب من المواد البركانية [12].

ومن أشهر الأمثلة ثوران توبا في جزيرة سومطرة قبل نحو 74 ألف سنة، والذي تشير التقديرات الحديثة إلى أنه أطلق قرابة 2800 كيلومتر مكعب من المواد البركانية [12].

لكن هذا لا يعني أن غالبية البراكين العملاقة متمركزة عند القطبين؛ فالنشاط البركاني العالمي يتصل أساساً ببنية الصفائح التكتونية ومناطق الاندساس والصدوع.

إذن، ما يبقى صالحاً في استدلال الشاذلي هو إمكان وقوع ثورات بركانية ذات آثار مناخية وحضارية واسعة، لا جميع التفاصيل الجغرافية التي وردت عفوياً في الحوار.

الميغا تسونامي: خليج ليتويا نموذجاً

في الجانب الآخر من الفرضية يأتي الماء.

استشهد الشاذلي بحادثة خليج ليتويا في ألاسكا باعتبارها مثالاً على أن الطبيعة تستطيع إنتاج أمواج تتجاوز بكثير صورة التسونامي المعتادة.

والحادثة صحيحة، لكن تاريخها هو 9 يوليو/تموز 1958، لا 1953.

فقد تسبب انهيار صخري هائل في خليج ليتويا بموجة بلغ أقصى ارتفاع اندفاع لها نحو 524–530 متراً، وهو رقم تؤكده هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية [13].

وهذا المثال مهم لأنه يثبت أن موجةً بارتفاع مئات الأمتار ليست خيالاً أسطورياً.

لكنها في الوقت ذاته لا تثبت أن «مأجوج» اسم قرآني لهذه الظاهرة.

«العلم يستطيع أن يثبت أن موجة بارتفاع نصف كيلومتر ممكنة، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يثبت أن اسمها في القرآن هو مأجوج.»

طوفان نوح و«موج كالجبال»

يستحضر الشاذلي طوفان نوح باعتباره نموذجاً قرآنياً لحدث مائي بالغ الضخامة.

يقول تعالى:

﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٤٢﴾
[سورة هود: 42]

ثم:

﴿قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ٤٣﴾
[سورة هود: 43]

ويكتمل المشهد:

﴿وَقِيلَ يَـٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَـٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٤٤﴾
[سورة هود: 44]

ويرى الشاذلي أن عبارة «موج كالجبال» ولجوء ابن نوح إلى الجبل يقدمان صورةً يمكن مقارنتها بحدث جيولوجي مائي هائل.

ولكن لا توجد قرينة علمية تسمح لنا بالجزم بأن طوفان نوح كان «ميغا تسونامي» بالمفهوم الجيولوجي المعاصر؛ وتظل المقارنة تفسيراً محتملاً وليست تحديداً علمياً للحدث.

الردم: جدار ضد شعب أم حاجز ضد كارثة؟

يتوقف الشاذلي طويلاً عند طبيعة الحل الذي طلبه القوم.

لم يقولوا لذي القرنين: «اقتل يأجوج ومأجوج»، وإنما قالوا:

﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا﴾.

وذو القرنين اختار كلمة أخرى:

﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.

ويرى الشاذلي في ذلك دلالةً هندسية؛ فالحواجز والسدود والردميات يمكن استخدامها للتحكم بالفيضانات أو توجيه الحمم بعيداً عن المدن.

ومن هنا يشبه ما فعله ذو القرنين بما تقوم به بعض المجتمعات المعاصرة التي تعيش قرب البراكين عندما تقيم حواجز لتغيير مسار تدفقات الحمم.

غير أن النص يقدم أيضاً عبارةً يصعب تجاهلها:

﴿فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧﴾
[سورة الكهف: 97]

أي إن شيئاً يحاول الصعود فوق الردم أو نقبه.

هذه إحدى القرائن التي يستند إليها أصحاب القراءة التقليدية في القول إن وراء الحاجز كائنات فاعلة، وليس مجرد سائل أو حمم.

«يموج في بعض»: هل تختلط النار بالماء؟

بعد دك الردم يقول القرآن:

﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ﴾.

ويرى الشاذلي أن لفظة يموج بالغة الدلالة في نظريته؛ فهو يتصور امتزاج اندفاعات مائية ومواد بركانية في حدث جيولوجي كارثي.

لكن «الموج» في اللغة العربية يستطيع أيضاً أن يصف اضطراب الناس واختلاطهم، وهو بالفعل من التفسيرات القديمة للآية.

إذن، اللفظة تسمح بالصورة التي يطرحها، لكنها لا تحسمها.

ويضم الشاذلي إلى ذلك آيات اضطراب البحار في آخر الزمان:

﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٦﴾
[سورة التكوير: 6]

و:

﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣﴾
[سورة الانفطار: 3]

وقد تنوع تفسير «سُجِّرَت» قديماً بين الإيقاد والامتلاء والفيضان واختلاط المياه؛ ولذلك فإن تفسيرها تحديداً ببراكين بحرية احتمال معاصر، لا معنى حصرياً متفقاً عليه. [9]

المشهد الكوني للساعة

يستشهد الشاذلي أيضاً بآيات أخرى تظهر أن القرآن يصف اضطرابات أرضية وكونية هائلة:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ١ وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ٢﴾
[سورة الزلزلة: 1–2]

وقوله:

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ١٠٥﴾
[سورة طه: 105]

وقوله:

﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ٥﴾
[سورة القارعة: 5]

ويستنتج أن خروج يأجوج ومأجوج يمكن ـ في رؤيته ـ أن يكون جزءاً من اضطراب جيولوجي وكوني يسبق قيام الساعة.

لكن هذه الآيات تثبت كونية الحدث الأخروي، ولا تحدد أن يأجوج هو البركان أو مأجوج هو البحر.

العقبة الأكبر أمام نظرية «ليسوا بشراً»: الأحاديث الصحيحة

هنا يجب أن تكون القراءة أمينة بصورة خاصة.

فإذا كانت بعض القصص الشعبية عن يأجوج ومأجوج قابلةً للنقد سنداً ومتناً، فهناك في المقابل نصوص صحيحة قوية لا يمكن حذفها من النقاش.

منها حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها، المتفق على أصله، وفيه أن النبي ﷺ قال:

«وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ…» [14].

هذا الحديث يثبت «الردم» والخطر واقترابه، لكنه لا يحسم وحده بشرية يأجوج ومأجوج.

الأقوى منه إشكالاً على نظرية الشاذلي هو حديث بعث النار في صحيح البخاري؛ ففيه أن النبي ﷺ قال، بعد ذكر بعث النار، ما معناه أن من المخاطبين واحداً مقابل كثرة عظيمة من يأجوج ومأجوج [15].

السياق هنا يتحدث عن البشر والبعث والحساب، ولذلك يستخدمه الاتجاه التقليدي دليلاً قوياً على أنهم من جنس البشر.

لكن النص الأكثر صعوبة على فرضية «البراكين والتسونامي» هو حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم.

ففيه أن الله يوحي إلى عيسى عليه السلام:

«إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ…»

ثم يذكر يأجوج ومأجوج، وأن أوائلهم يمرون على بحيرة طبرية فيشربون ماءها، وأن الله يرسل عليهم النغف في رقابهم، ثم تملأ أجسادهم الأرض [16].

هذا الحديث يقدم وصفاً يتطابق بصورة أقوى بكثير مع كائنات حية وجماعات بشرية منه مع البراكين والأمواج.

ولهذا فإن أي صياغة أكاديمية منصفة يجب أن تقول:

فرضية الشاذلي تملك أسئلة لغوية وقرآنية مثيرة، لكنها لم تحل حتى الآن الإشكال الذي تطرحه الأحاديث الصحيحة التي تصف يأجوج ومأجوج بصفات أقرب إلى الجماعات البشرية.

«الاجتهاد الجديد لا يثبت قوته بإسكات النص الذي يعارضه؛ بل بقدرته على تفسيره من دون كسر دلالته.»

هل نحن ملزمون بتفسير المفسرين الأوائل؟

من أقوى أفكار الشاذلي المنهجية قوله إن النص ثابت، لكن الاجتهاد البشري ليس ثابتاً.

فالمفسرون الأوائل فهموا الآيات الكونية والتاريخية وفق أدوات لغتهم ومعارف عصرهم، وليس من الضروري أن تتحول كل تفاصيل اجتهادهم إلى جزء من العقيدة.

والشاذلي يميز بين الغيب المطلق الذي لا سبيل للإنسان إلى إدراكه بالتجربة، وبين ما يسميه «الغيب النسبي»: أمر كان مجهولاً لجيل ما ثم يستطيع جيل لاحق اكتشاف جانب منه بالعلم أو الآثار أو التاريخ.

ويستشهد بالأمر القرآني بالتدبر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ٢٤﴾
[سورة محمد: 24]

وقوله:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا ٨٢﴾
[سورة النساء: 82]

وكذلك:

﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨﴾
[سورة الغاشية: 17–18]

وقوله:

﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠﴾
[سورة العنكبوت: 20]

وفي المقابل:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ٥١﴾
[سورة الكهف: 51]

فالإنسان مأمور بالنظر والتفكر، من دون أن يعني ذلك أنه يستطيع تحويل كل غيب إلى معادلة تجريبية.

مثال الشمس: ثبات النص وتغير المعرفة

استشهد الشاذلي كذلك بقوله تعالى:

﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٣٨﴾
[سورة يس: 38]

ليوضح أن تصورات البشر لحركة الشمس والسماء تطورت مع تطور علم الفلك.

فالنص باقٍ، بينما أدوات فهم الظاهرة الكونية اتسعت.

ومن هنا يرفض الشاذلي تحويل تفسير تاريخي واحد للآيات الكونية إلى نهاية الاجتهاد.

الإسرائيليات: أين ينتهي الوحي ويبدأ القصص؟

في الحوار ينسب الشاذلي إلى الشيخ محمد رشيد رضا موقفاً شديد النقد من جانب من مرويات أشراط الساعة ومن تأثير أخبار كعب الأحبار ووهب بن منبه. وهذه النقطة وردت في الحوار بصيغة نقل عن رشيد رضا، ولذلك تحتاج عند تحويلها إلى استشهاد حرفي مستقل إلى إحالة مباشرة إلى الموضع الأصلي من «المنار» أو كتاباته، لا الاكتفاء بالنقل الشفوي.

لكن المبدأ المنهجي أوسع من هذا المثال.

ليس كل ما ورد في كتب التفسير حديثاً نبوياً، وليس كل ما رواه المفسرون من أخبار الأمم السابقة قرآناً، وليس كل إسرائيلية باطلة بالضرورة، كما أنها ليست حجة دينية بمجرد دخولها كتاب تفسير.

وعملية التنقية المطلوبة لا تعني إحراق التراث، بل تصنيفه:

قرآن — حديث صحيح — حديث مختلف فيه — رأي مفسر — خبر تاريخي — إسرائيلية — حكاية شعبية.

عندما نقيم هذه الحدود، نستطيع أن نعرف أي جزء من صورة يأجوج ومأجوج ثابت بالنص، وأي جزء تشكل عبر المخيال اللاحق.

جوج وماجوج في التوراة: من حزقيال إلى صراع آخر الزمان

ينتقل الحوار إلى الرؤية التوراتية.

والتصحيح الأول هنا أن جوج وماجوج يظهران مركزياً في حزقيال 38–39، لا في 37–38.

في حزقيال 38 يظهر جوج من أرض ماجوج مرتبطاً بتحالف يضم فارس وكوش وفوط وجومر وبيت توجرمة وشعوباً أخرى، ويتجه التحالف إلى أرض إسرائيل [17].

هذه الصورة أسست عبر التاريخ لعدد لا يحصى من محاولات إسقاط أسماء النبوءة على القوى السياسية المعاصرة.

فمرة يكون جوج شعباً من الشمال، ومرة روسيا، ومرة تحالفاً إقليمياً، وتُعاد قراءة «فارس» بوصفها إيران المعاصرة، ثم تتحول الجغرافيا الدينية إلى سيناريو سياسي لنهاية الزمان.

والخطر هنا لا يكمن في دراسة النبوءة، بل في تحويلها إلى نبوءة ذاتية التحقيق: أي أن يبدأ الفاعل السياسي بصناعة الظروف التي يتوقعها النص لأنه يؤمن بأن وقوعها محتوم.

من «جوج وماجوج» إلى حرب العراق: واقعة يجب عرضها بتحفظ

ورد في الحوار أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تحدث إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن «جوج وماجوج» قبيل غزو العراق.

هذه الرواية موجودة بالفعل في مصادر صحفية وأكاديمية، لكنها متنازع عليها.

فبعض الروايات الفرنسية والكتابات اللاحقة تقول إن بوش استعمل الإشارة الأخروية، بينما أكد الدبلوماسي الأمريكي كورت فولكر، الذي قال إنه شارك في جميع الاتصالات بين بوش وشيراك آنذاك، أن شيئاً من هذا لم يُذكر في تلك المكالمات [18].

وتوجد دراسة أكاديمية كاملة في Journal of Church and State تناولت الجدل ولم تعتبر القضية محسومة بصورة بسيطة.

لذلك لا يجوز استخدام قصة بوش بوصفها واقعة مؤكدة، لكن مجرد وجود الجدل يكشف مدى حضور جوج وماجوج في المخيال الأخروي والسياسي الغربي الحديث.

منطق القرآن في قصة ذي القرنين: التعاون لا الحرب

يلفت الشاذلي إلى فارق يراه جوهرياً بين بعض التوظيفات الحربية للنبوءة وبين ما تعرضه سورة الكهف.

القوم المهددون لم يُطلب منهم الانخراط في حرب مقدسة.

وذو القرنين لم يعلن حرب إبادة.

بل قال:

﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾.

أي إن الحل يقوم على مشاركة المجتمع المهدد في بناء وسيلة الحماية.

وهنا يرى الشاذلي أن جوهر القصة قد يكون التعاون ونقل المعرفة وبناء القدرة على مقاومة الخطر، لا البحث عن عدو يجب إفناؤه.

وهذه، بصرف النظر عن صحة تفسيره الجيولوجي، واحدة من أهم القراءات الأخلاقية التي يقدمها.

«في قصة ذي القرنين لا ينتصر المجتمع لأنه اكتشف هوية عدو أخروي، بل لأنه امتلك المعرفة، وتعاون، وبنى حاجزه بيديه.»

الأغيار و«الشعب المختار»: حين تنتقل العقيدة إلى السياسة

تحتاج قضية الجوييم إلى قراءة لا تختزلها في شعار.

فهناك بالفعل في التوراة تصور للعهد والاختيار وخصوصية بني إسرائيل [1]. وهناك أيضاً تاريخ طويل انتقلت خلاله كلمة goyim من معناها الكتابي العام «الأمم» إلى استعمال يميز غير اليهود عن اليهود [2].

وهناك كذلك نص تكوين 9 الذي يجعل كنعان «عبد العبيد» [3].

وعبر التاريخ أُعيد تفسير هذا النص بما تجاوز كنعان إلى حام وذريته، ثم رُبط بشعوب وأعراق مختلفة، واستُعمل في مراحل لاحقة لتسويغ العبودية [4].

ومن المشروع تماماً تحليل أثر هذه البنى الدينية في صناعة تصورات التفوق والاختيار والحق الحصري في الأرض.

لكن من غير المنهجي القفز من ذلك إلى القول إن كل اليهود اليوم يؤمنون بأن كل غير اليهود عبيد لهم. مثل هذا التعميم يساوي بين النص وتفسيره، وبين الدين بمذاهبه المتعددة وبين الحركات القومية الدينية المتطرفة، ويمنح الخصم فرصة سهلة للهروب من النقد السياسي الحقيقي إلى اتهام الناقد بمعاداة اليهود.

الأقوى فكرياً هو القول:

هناك نصوص للاختيار، ونص للعبودية متعلق بكنعان، وتأويلات تاريخية وسعت مدلوله، وهناك اليوم تيارات قومية دينية إسرائيلية تعيد توظيف مفاهيم توراتية في الصراع على الأرض. هذه الظواهر يجب تفكيكها بأسمائها لا بالتعميم على جماعة بشرية بأكملها.

«إسرائيل الكبرى»: عندما تصبح الجغرافيا الدينية برنامجاً سياسياً

هذا التمييز مهم لأن الخطر السياسي الواقعي موثق بالفعل ولا يحتاج إلى مبالغة.

فنتنياهو أعلن صراحة في أغسطس/آب 2025 ارتباطه برؤية «إسرائيل الكبرى» وبمهمة يصفها بأنها تاريخية وروحية [5].

وسموتريتش أعلن بعد ذلك إعداد خرائط لضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، مع استبعاد التجمعات الفلسطينية الكبرى، وبهدف معلن هو أكبر مساحة وأقل عدد من السكان الفلسطينيين [6].

أما التطورات الميدانية في 2026 فتظهر استمرار التوسع الاستيطاني ومصادرة الأرض والضغط على التجمعات الفلسطينية، بما وصفته تقارير دولية بأنه يقوض إمكانية الدولة الفلسطينية [7].

إذن، لسنا بحاجة إلى نسب مشروع سري إلى اليهود جميعاً كي ندرك الخطر؛ فبعض ملامح المشروع التوسعي تقال علناً وتطبق سياسياً.

«الديانات الإبراهيمية»: ضرورة الفصل بين الوثيقة والمخاوف السياسية

يذهب جزء من الخطاب العربي المعاصر إلى أن مشروع «الإبراهيمية» يستهدف دمج اليهودية والمسيحية والإسلام في منظومة دينية واحدة، ثم استخدام هذا الدمج لضبط المجتمعات ومنع تشكل نهضة فكرية مستقلة.

هذه فرضية تستحق دراسة نقدية من زاوية توظيف الدين في السياسة، لكنها تحتاج إلى التفريق بين ما هو موثق وما هو استنتاج.

فالوثائق الرسمية لاتفاقات أبراهام تتحدث عن التطبيع بين الدول، وعن «الحوار بين الأديان والثقافات»، والتعايش والاحترام والحرية الدينية، ولا تتضمن نصاً معلناً يدعو إلى إنشاء دين واحد أو إلغاء العقائد الثلاث [8].

وهذا لا يعني أن الخطاب الإبراهيمي منزَّه عن التوظيف السياسي.

فمن المشروع أن نسأل:

هل يُستخدم شعار «التسامح الديني» لتهميش قضية الاحتلال؟

هل يتحول الحوار بين الأديان إلى غطاء لتطبيع علاقات قوة غير متكافئة؟

وهل يمكن إعادة ترتيب الوعي الديني الإقليمي بطريقة تجعل الرواية التوراتية للأرض أكثر قبولاً داخل المخيال العربي؟

هذه أسئلة سياسية وفكرية مشروعة.

لكن تحويلها مسبقاً إلى حقيقة نهائية عن «خطة سرية لخلق دين واحد» سيضعف البحث؛ لأن الخصم سيطالب بالوثيقة التي تثبتها.

والأكثر قوة أن نقول إن خطر خلط اللاهوت بالسياسة قائم ومشاهد، وإن مقاومته تقتضي يقظة معرفية تحول دون تسرب الرواية الدينية لأي طرف إلى وعي الطرف الآخر بوصفها حقيقة تاريخية غير قابلة للنقاش.

ماذا يبقى من رؤية الشاذلي بعد اختبارها؟

بعد غربلة الحوار وتصحيح بعض التفاصيل العلمية والتاريخية، يمكن اختزال رؤية الشاذلي في أربعة مستويات:

أولاً: نقد الصورة الشعبية لشعوب مجهولة محبوسة خلف سد منذ آلاف السنين.

ثانياً: اقتراح مفتاح لغوي يربط يأجوج بالأجيج والنار، ومأجوج بالأجاج والماء.

ثالثاً: قراءة جيولوجية تجعل البراكين العملاقة وموجات الماء الهائلة مرشحاً لفهم الحدث.

رابعاً: دعوة منهجية إلى إعادة قراءة الآيات الكونية بمعارف العصر وعدم تحويل تفسير المفسرين إلى وحي ثانٍ.

أما نقاط الضعف الأساسية فهي واضحة أيضاً:

المعجم لا يحسم عربية الاسمين [11].

القرآن لا يقول صراحةً إن يأجوج ومأجوج براكين أو أمواجاً.

وحديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم يقدم أوصافاً قوية يصعب جداً تفسيرها على أنها ظواهر جيولوجية محضة [16].

لذلك لا يمكن، من منظور بحثي صارم، إعلان أن الشاذلي أثبت أن يأجوج ومأجوج ليسوا بشراً.

الأدق أنه قدم فرضية بديلة جريئة لا تزال مفتوحة للاختبار.

خاتمة: قبل أن ننتظر البشر الخارجين من خلف السد

لا تزال صورة يأجوج ومأجوج في وعي قطاعات واسعة من مجتمعاتنا العربية مرتبطة بجيوش بشرية مجهولة ستخرج يوماً من مكان سري وراء سد لا نعرف موضعه، ثم تجتاح العالم في آخر الزمان.

ربما تكون هذه الصورة صحيحة وفق التفسير التقليدي.

وربما تحتاج بعض تفاصيلها الشعبية إلى إعادة فحص.

لكن المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن التمييز بين النص وبين الصورة التي صنعناها عن النص.

رؤية د. أسامة الشاذلي مهمة لأنها تدفع القارئ إلى إعادة فتح السؤال، لا لأنها أغلقت الإجابة.

فإذا كان «الأجيج» مرتبطاً بالنار، و«الأجاج» بالماء المالح، وإذا كانت الأرض تعرف فعلاً ثورات بركانية هائلة وأمواجاً يصل ارتفاعها إلى مئات الأمتار، فإن السؤال الجيولوجي يستحق البحث.

لكن إذا كانت الأحاديث الصحيحة تتحدث عن «عباد» يمرون ببحيرة طبرية ويشربون ماءها ثم تصيبهم آفة في رقابهم، فإن الأمانة تقتضي إبقاء هذا النص في قلب البحث لا خارجه.

تنقية التراث لا تعني استبدال تفسير قديم بتفسير جديد ثم تحصينه من النقد.

وإنما تعني إعادة فتح الملفات كلها:

ما هو قرآن؟

ما هو حديث صحيح؟

ما هو اجتهاد؟

ما هو إسرائيلي؟

وما الذي أصبح جزءاً من وعينا فقط لأننا كررناه زمناً طويلاً؟

والحاجة إلى هذه اليقظة لا تخص يأجوج ومأجوج وحدهما.

ففي الوقت الذي تعاد فيه قراءة نصوص توراتية عن «الأرض الموعودة»، و«الشعب المختار»، و«الأمم – الجوييم»، وتتحول مفردات دينية إلى خطاب سياسي عن السيادة والاستيطان و«إسرائيل الكبرى»، يصبح تحرير الوعي العربي من الرواية الدينية المستوردة ضرورةً فكرية وسياسية في آن.

لكن تحرير هذا الوعي لا يتحقق بخطاب معاكس يبني بدوره على التعميم والأسطورة.

بل يتحقق بالعودة إلى النص، والتاريخ، واللغة، والوثيقة، والعلم.

فالمشروع الصهيوني الديني لا يُهزم باتهام اليهود جميعاً، وإنما بتفكيك المنظومة الأيديولوجية التي تجعل النص التوراتي سند ملكية معاصراً، والنبوءة برنامجاً سياسياً، والاختيار الديني حقاً في السيادة على الآخر.

وكذلك لا يتحرر العقل المسلم من الإسرائيليات بأن يرفض كل ما ورثه، وإنما بأن يعيد كل رواية إلى درجتها ويمنعها من الاستيلاء على قداسة القرآن نفسه.

ولعل أهم ما تثيره رؤية د. أسامة الشاذلي ليس سؤال:

من هم يأجوج ومأجوج؟

بل السؤال الأسبق والأكثر خطورة:

كم من الأفكار التي نعتقد أنها جزء من الدين ليست في الحقيقة سوى تفسير تاريخي للدين؟

وعندما نملك الشجاعة للفصل بين الاثنين، نكون قد بدأنا هدم السد الحقيقي الذي يعيق نهضتنا الفكرية: سد الخوف من السؤال.


المراجع والمصادر

[1] التوراة، سفر التثنية 7:6، نص الاختيار و«الشعب الخاص».
Sefaria – Deuteronomy 7:6

[2] Ishay Rosen-Zvi & Adi Ophir, Goy: Toward a Genealogy، حول التطور الدلالي لمصطلح Goy/Goyim من «أمة» إلى الدلالة على غير اليهود.
الدراسة – Tel Aviv University

[3] سفر التكوين 9:25–27، نص لعن كنعان و«عبد العبيد».
Bible Gateway – Genesis 9:25–27

[4] David M. Goldenberg, The Curse of Ham: Race and Slavery in Early Judaism, Christianity, and Islam، Princeton University Press.
JSTOR – The Curse of Ham

[5] تصريح بنيامين نتنياهو حول «المهمة التاريخية والروحية» ورؤية «إسرائيل الكبرى»، 12 أغسطس/آب 2025.
The Times of Israel

[6] رويترز، إعلان بتسلئيل سموتريتش إعداد خرائط لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، 3 سبتمبر/أيلول 2025.
Reuters بالعربية

[7] رويترز، تقارير سبتمبر/أيلول 2026 حول توسع الاستيطان والضغط على الأرض الفلسطينية.
Reuters – Settlement Expansion

[8] وزارة الخارجية الأمريكية، نص إعلان اتفاقات أبراهام وما يتضمنه من حوار بين الأديان والثقافات والتعايش.
U.S. Department of State – Abraham Accords

[9] القرآن الكريم، سورة الكهف: 94–99، النص العثماني وسياق ذي القرنين والردم.
Quran.com – سورة الكهف 94

[10] القرآن الكريم، سورة الأنبياء: 96–97، النص العثماني.
Quran.com – الأنبياء 96

[11] ابن منظور، لسان العرب، مادة «أجج»، ودلالات الأجيج والأجاج ومناقشة اشتقاق يأجوج ومأجوج.
لسان العرب – مادة أجج

[12] هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS، تعريف الثوران الفائق ومثال ثوران توبا.
USGS – Questions About Supervolcanoes

[13] هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، موجة خليج ليتويا في ألاسكا سنة 1958.
USGS – Lituya Bay 1958

[14] صحيح البخاري، حديث زينب بنت جحش: «ويل للعرب من شر قد اقترب… فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج».
نص الحديث – صحيح البخاري

[15] صحيح البخاري، حديث «بعث النار» وذكر يأجوج ومأجوج.
صحيح البخاري – كتاب الأنبياء

[16] صحيح مسلم، حديث النواس بن سمعان في الدجال وعيسى ويأجوج ومأجوج وبحيرة طبرية.
الدرر السنية – شرح حديث النواس بن سمعان

[17] سفر حزقيال، الإصحاح 38، جوج من أرض ماجوج والتحالف المتجه إلى أرض إسرائيل.
Sefaria – Ezekiel 38

[18] Kurt Volker, Bush, Chirac, and the War in Iraq، حول النزاع على صحة رواية جوج وماجوج في مكالمات بوش وشيراك.
Foreign Policy

          
Tags: أسامة الشاذليأشراط الساعةإسرائيل الكبرىالأغيارالإسرائيلياتالبراكينالتسوناميالجوييمالشعب المختارالصهيونية الدينيةالفكر الدينيالقرآن الكريمجوج وماجوجذو القرنينيأجوج ومأجوج
المقالة السابقة

إيران وإسرائيل: أيُّ الخطرين أشدّ على الشرق الأوسط؟

المقالة التالية

أفق الشام المشرق: من مهد المسيحية إلى امتحان الوفاق الوطني

د. عزام كروما

د. عزام كروما

إعلامي سوري من أبناء الحضارة السورية، يدير عيادة متخصّصة بالمعالجات التجميلية في دمشق. شارك في العديد من معارض الفن التشكيلي، وأصدر مجلة «نداء الطلبة» عام 1961 كأول مجلة غير دورية من نوعها، ثم مجلة طبية في قبرص وبيروت عام 1985. يجمع في مسيرته بين الإعلام والفن والطب الجمالي في رؤية متكاملة للجمال والمعرفة.

متعلق بـ المقاله

مشهد فوتوسينمائي احترافي لآثار سورية أركيولوجية يتضمن أعمدة أثرية ولقى قديمة وباحثاً في موقع تنقيب، في دلالة على التاريخ البشري وإعادة قراءة الماضي.
ملفات

نقد العقل التاريخي العربي وإشكاليات التدوين

د. عزام كروما
2026-08-29
ورقة نبات وشبكة خلايا مضيئة تتحولان إلى مبنى عضوي يرمز إلى صلة الشكل الحيوي بالتصميم والعلم.‎
الأرشيف

طاقة الشكل تحت مجهر العلم: نحو هندسة حيوية قابلة للقياس

مايا سمعان
2026-08-26
رحلة رمزية للفكر الإنساني من الأسطورة والفلسفة القديمة إلى العلم والذكاء الاصطناعي.‏
الأرشيف

من الأسطورة إلى الخوارزمية: كيف صنعت الفلسفة أدوات العقل الإنساني؟

د. عزام كروما
2026-08-10
شخص يتحرر من قيد رمزي أمام مرآة مضيئة وطريق يقود إلى فضاء مدني ومؤسسة قضائية، تجسيداً ‏لانتقال الحرية من الوعي إلى القانون.‏
الأرشيف

فلسفة الحرية وسيكولوجية الاستعباد: من الوازع الوجداني إلى العقل المؤسِّس

مايا سمعان
2026-08-04
مشهد أثري رمزي يجمع الأدوات الحجرية والقرية الزراعية والمدينة القديمة في ‏سرد بصري لتطور الاستيطان البشري في المشرق‎.‎
ملفات

سوريا: مهد الحضارات أم مختبر التحوّل البشري؟

د. عزام كروما
2026-08-13
خريطة ليبيا تتداخل مع منشآت نفطية وميناء بحري وشبكة طرق حديثة ترمز إلى بناء الدولة والتنمية والاستقرار.
الأرشيف

ليبيا بين تحديات الواقع وفرص المستقبل: رؤية استراتيجية لبناء الدولة واستعادة الثقة

د. محمد حسونه شهوب
2026-07-23
المقالة التالية
مشهد شامي عند الفجر يجمع كنيسةً ومسجداً وسوريين يسيرون نحو ساحة مدنية مضاءة، تعبيراً عن الجذور المشتركة والوفاق الوطني.

أفق الشام المشرق: من مهد المسيحية إلى امتحان الوفاق الوطني

ميثاق الحوار في مآلات

نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.

ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.

لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.

اشترك لمتابعة النقاش
نبّهني عن
guest
كيف تقيّم القيمة المعرفية للمقال؟
اختر العبارة الأقرب إلى تقييمك؛ وسيظهر اختيارك مع رأيك بعد موافقة هيئة التحرير.

guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
E-mail - support@maalat.com
مالات .. سورية رؤى مستقبلية
DMCA.com Protection Status
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
Menu
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
جميع الحقوق محفوظة © بموجب قانون الألفية لعام 2023 - مآلات - سورية .. رؤى مستقبلية

إضافة قائمة تشغيل جديدة

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • تداعيات الأحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • سرديات
    • متفرقات
    • معارك تاريخية

© 2023 جميع الحقوق محفوظة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. قم بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.

البحث في مآلات

اكتب كلمة أو عبارة للبحث في المقالات المنشورة على منصة مآلات.

استمع إلى المقال