

الملخص التنفيذيلم تُسقط الصين الدولار، ولم تُخرج الولايات المتحدة من قيادة الاقتصاد العالمي. لكنها أصبحت طرفاً يصعب تجاوز قدرته على التصنيع ومعالجة المعادن وإنتاج تقنيات الطاقة الجديدة. وفي المقابل، أثبتت الرسوم الجمركية أنها تفرض كلفة على الداخل الأميركي أيضاً. يستكشف المقال كيف ينتقل التنافس من حجم التجارة إلى التحكم بمفاتيح الإنتاج والتمويل، وما قد يعنيه ذلك للأسعار والاستثمار والدول النامية.
كنتُ كلما قرأتُ خبراً عن رسم جمركي أميركي جديد أو قيد صيني على تصدير مادة حيوية، أسأل نفسي: أين تقع القوة الفعلية في هذا الصراع؟ هل في القرار الذي يُوقَّع في واشنطن، أم في المعدن الذي لا تصبح له قيمة صناعية قبل معالجته، أو في البطارية التي لا تخرج من المصنع من دون شبكة طويلة من الموردين والمهندسين؟
يقودني هذا السؤال بعيداً عن صورة «الزلزال» المفاجئ. فالصين لم تُفاجئ أميركا بخطوة واحدة أنهت تفوقها، كما أن الولايات المتحدة لم تفقد قدرتها على الابتكار أو جذب رأس المال. الذي نراه أبطأ وأعمق: إعادة توزيع للقدرة على إنتاج الأشياء الضرورية، وارتفاع كلفة الاعتماد المتبادل حين تتحول التجارة إلى أداة ضغط سياسي.
من «ورشة العالم» إلى مفاتيح الإنتاج
بدأ الصعود الصيني بإتاحة مساحة واسعة للتصنيع الموجّه إلى الأسواق العالمية. لكن تفسيره بالأجور المنخفضة وحدها لم يعد كافياً. فقد تراكمت حول المصانع بنية تحتية وموردون ومهارات هندسية وقدرة على توسيع الإنتاج بسرعة. ومع الوقت، انتقلت المنافسة من تجميع المنتج النهائي إلى امتلاك مراحل أكثر حساسية في سلسلة قيمته.
تكشف المعادن النادرة معنى هذا الانتقال. تُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الصين أنتجت عام 2024 نحو 60% من المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات عند مرحلة التعدين، و91% منها عند مرحلة التكرير، و94% من المغناطيسات الدائمة الملبّدة. والفروق بين هذه النسب مهمة: فقد يوجد الخام خارج الصين، لكن تحويله إلى مادة تدخل في محرك سيارة أو جهاز صناعي يظل شديد التركز فيها 1. IEA
تظهر الصورة نفسها، بدرجات مختلفة، في صناعة السيارات الكهربائية. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، أنتجت الصين قرابة 75% من السيارات الكهربائية المصنّعة عالمياً في 2025، وأكثر من 80% من خلايا البطاريات. هذه ميزة صناعية حقيقية، لكنها ليست احتكاراً لكل تقنية مستقبلية؛ فالمنافسة مستمرة، كما أن انخفاض هوامش الربح داخل السوق الصينية يدفع الشركات إلى البحث عن مشترين وأسواق إنتاج في الخارج 2. IEA
أرى هنا جوهر المسألة الجيواقتصادية: يستطيع المنافس أن يعلن بناء مصنع، لكن بناء شبكة الموردين والمهارات والمعالجة والطلب المحيط به يحتاج وقتاً أطول. لذلك لا يكون تنويع سلاسل الإمداد مستحيلاً، لكنه قد يكون مكلفاً وبطيئاً.
الرسوم الجمركية: من يدفع ثمن المواجهة؟
منحت الرسوم واشنطن وسيلة للضغط وحماية بعض الصناعات، ودفعت الشركات إلى إعادة النظر في مواقع التوريد. غير أن الرسم لا يتحول تلقائياً إلى فاتورة يدفعها المصدّر الصيني وحده. ففي دراسة استخدمت بيانات الواردات حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وجد باحثون في بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك أن قرابة 90% من العبء الاقتصادي لرسوم عام 2025 وقع على الشركات والمستهلكين الأميركيين. ووجدوا أيضاً أن حصة الصين من الواردات الأميركية تراجعت، بينما كسبت المكسيك وفيتنام حصة أكبر 3. Liberty Street Economics
«لا تزال الشركات والمستهلكون الأميركيون يتحملون الجزء الأكبر من العبء الاقتصادي للرسوم المرتفعة المفروضة في 2025».
اقتباس سحب، مترجم عن خلاصة دراسة ماري أميتي وكريس فلاناغان وسيباستيان هايز وديفيد واينستين 3. Liberty Street Economics
لا تعني هذه النتيجة أن الرسوم بلا أثر على الصين. خسارة حصة من سوق كبير مؤلمة، وتحويل خطوط الإنتاج والتوزيع يحمل كلفة للطرفين. لكنها تعني أن نجاح السياسة التجارية لا يُقاس بقوة إعلانها، بل بما تُحدثه في الأسعار والاستثمار والوظائف بعد توزيع كلفتها.
ويضيف الاقتصاديان بيير أوليفييه غورينشا وكريستيان مومسن بعداً آخر: فالعجز الخارجي الأميركي والفائض الصيني يرتبطان أيضاً بما يجري داخل الاقتصادين، من ادخار وإنفاق واستثمار. ووفق تحليلهما، لا تقدم الرسوم حلاً مضموناً لاختلال الحسابات الجارية، وقد تُخفّض الناتج إذا تصاعد الرد المتبادل 4. imf.org
«تصعيد الرسوم لا يفعل الكثير لتغيير مراكز الحساب الجاري، لكنه يخفض الناتج في المناطق المختلفة».
الصين تبحث عن أسواق أخرى، والعالم يبحث عن بدائل
إذا تضيق سوق، تبحث الشركات عن أخرى. يذكر تحليل نُشر في مجلة صندوق النقد الدولي أن حصة الولايات المتحدة من تجارة الصين انخفضت من 12.6% عام 2020 إلى 8.8% عام 2025، بينما ارتفعت حصص جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية 5. وهذا تحول في وجهة التجارة، لكنه لا يثبت أن كل سوق بديلة تستطيع تعويض السوق الأميركية بالقيمة والربحية نفسيهما. imf.org
تمنح مبادرة الحزام والطريق هذا التوجه بُعداً أطول أمداً: طرق وموانئ وسكك حديدية قد تخفّض زمن النقل وتفتح فرصاً للدول المشاركة. لكنني لا أرى كل ميناء تبنيه الصين دليلاً تلقائياً على الهيمنة، ولا كل قرض تمنحه فخاً بالضرورة. فقد خلص باحثان في البنك الدولي إلى أن مكاسب الممرات التجارية تتوقف على شفافية المشاريع، وتيسير التجارة، وقدرة الدول على تحمّل ديونها؛ كما حذّرا من أن كلفة بعض المشروعات قد تتجاوز منافعها في غياب الإصلاحات المكمّلة 6. blogs.worldbank.org
تلك هي المعضلة أمام الدول النامية: تحتاج إلى البنية التحتية والاستثمار، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى عقود قابلة للفحص ومشاريع تخدم اقتصادها هي، لا حركة العبور على الخريطة وحدها.
هل يقترب أفول الدولار؟
يسهل تحويل التسوية التجارية باليوان إلى عنوان يقول إن «الدولار انتهى». لكن عملة دفع ثمن شحنة ليست، بالضرورة، العملة التي تختارها البنوك المركزية لحفظ احتياطياتها أو التي يجد فيها المستثمرون سوقاً عميقة للأصول الآمنة.
تُظهر أحدث بيانات احتياطيات النقد الأجنبي التي استُخدمت في هذا المقال أن الدولار مثّل 57.13% في الربع الأول من 2026، مقابل 1.99% لليوان. وقد ارتفعت حصة الدولار في ذلك الربع مقارنة بالربع السابق، مع إشارة صندوق النقد إلى دور تغيرات أسعار الصرف في الحركة الفصلية 7. لذلك فالحديث الأدق هو عن محاولات لتنويع المدفوعات وتقليل بعض أوجه الاعتماد، لا عن سقوط وشيك للدولار. data.imf.org
وقد تأتي المنافسة المالية من اتجاه غير متوقع. ففي حديثها عن وسائل الدفع العابرة للحدود، أشارت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إلى أن الابتكار قد يجعلها أسرع وأقل كلفة، لكنه قد يسرّع انتقال المخاطر أيضاً. ولفتت إلى أن العملات المستقرة المدعومة بالدولار قد توسّع الوصول العالمي إلى الأصول الدولارية، شريطة بقاء الثقة بالسياسات والمؤسسات التي تسندها 8. imf.org
«في نظام مالي عالمي أكثر سيولة، تنتقل المخاطر بسرعة أكبر، وتصبح كلفة الخطأ في السياسات أعلى».
لهذا تبدو لي معركة العملات أبطأ من معركة المصانع. فمكانة العملة تُبنى أيضاً على الثقة والسيولة وقابلية الوصول إلى الأصول المالية، ولا تنتقل بمجرد إعلان سياسي.
التداعيات العالمية: أسعار أعلى وفرص جديدة ومخاطر غير متساوية
لن يتلقى العالم نتيجة واحدة لهذا التنافس. الشركات التي تنقل جزءاً من إنتاجها قد تخلق وظائف واستثمارات في دول ثالثة، لكن ازدواج المصانع والمخزون والامتثال لأنظمة تجارية مختلفة يرفع الكلفة. وستجد الدول المستوردة للطاقة والتقنيات نفسها أمام خيار شاق: الاستفادة من المنتجات الصينية الأقل كلفة، أو دفع المزيد لتقليل الاعتماد على مورد مهيمن.
تتوقع منظمة التجارة العالمية، في سيناريوها الأساسي المنشور في مارس/آذار 2026، تباطؤ نمو حجم تجارة السلع من 4.6% في 2025 إلى 1.9% في 2026، قبل ارتفاعه إلى 2.6% في 2027. وهي توقعات مشروطة، تتأثر بأسعار الطاقة واستمرار طفرة السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي 9. أما الصندوق فيتوقع نمواً عالمياً قدره 3% في 2026 و3.4% في 2027؛ أي إن المشهد الراهن يشير إلى نمو غير متكافئ ومخاطر مرتفعة، لا إلى انهيار عالمي محتوم 10. wto.org
«لن تقتصر الآثار الاقتصادية السلبية على الولايات المتحدة والصين، بل ستمتد إلى اقتصادات أخرى، ولا سيما البلدان الأقل نمواً».
اقتباس سحب، مترجم عن المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا، في تحذير صدر خلال تصعيد تجاري عام 2025 11. wto.org
ومن المرجح، في تقديري، أن يتحدد موقع الدول المتوسطة والصغيرة بقدرتها على التفاوض والتنويع. فالدولة التي تجذب مصنعاً جديداً من دون تدريب عمالتها أو ربطه بموردين محليين قد تحصل على وظيفة تجميع عابرة. أما التي تستثمر في الكهرباء والموانئ والمهارات والقواعد الواضحة، فقد تحول انتقال سلاسل الإمداد إلى مكسب طويل الأجل. ويظل ذلك احتمالاً مشروطاً بالسياسات المحلية، لا ثمرة تلقائية لخلاف واشنطن وبكين.
حدود القوة الصينية ومآل السباق
تحتاج الصورة إلى وجهها الآخر. فالقوة التصديرية الصينية تواجه ضعفاً في الطلب المحلي واستمرار التكيف في قطاع العقارات. ويتوقع البنك الدولي تباطؤ نمو الصين إلى 4.4% في 2026 و4.3% في 2027، ويرى أن إعادة التوازن نحو الاستهلاك تجري تدريجياً 12. وكلما اعتمدت المصانع على الخارج لتصريف إنتاجها، ازدادت حساسية نموذج النمو للاعتراضات والقيود في أسواق الشركاء. worldbank.org
«تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي خطوة أساسية لدعم الاستهلاك؛ فهو يمنح الأسر ثقة أكبر بالإنفاق بدلاً من الادخار».
اقتباس سحب، مترجم ومختصر عن تاتيانا روزيتو، المديرة في البنك الدولي لشؤون الصين ومنغوليا وكوريا 12. worldbank.org
أخلص من ذلك إلى أن السؤال ليس: متى تتوج الصين حاكماً جديداً للاقتصاد العالمي؟ بل: كيف سيتعايش عالَم يحتاج إلى إنتاجها مع رغبة دوله في تقليل الارتهان لها، وكيف ستحتفظ أميركا بمزاياها المالية والتكنولوجية وهي تدفع كلفة إعادة بناء بعض قدراتها الصناعية؟
الأرجح أننا مقبلون على اعتماد متبادل أكثر حذراً وكلفة: تنويع في مواقع الإنتاج، ومنافسة على المعادن والبطاريات والمعايير التقنية، وتسويات مالية أكثر تنوعاً من دون اختفاء الدولار. وفي هذا العالم، لن تكفي القوة لإعلان الاستقلال الاقتصادي؛ ستُقاس القدرة بما يمكن لكل دولة إنتاجه، وتمويله، وتأمينه عند وقوع الصدمة.
![]()

المراجع
- وكالة الطاقة الدولية، Rare Earth Elements: Executive Summary، 2026.
- وكالة الطاقة الدولية، Global EV Outlook 2026: Executive Summary، 2026.
- ماري أميتي وآخرون، «من يدفع ثمن الرسوم الأميركية لعام 2025؟»، بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، 12 فبراير/شباط 2026.
- بيير أوليفييه غورينشا وكريستيان مومسن، «الاختلالات العالمية: أسئلة قديمة وإجابات جديدة؟»، صندوق النقد الدولي، 6 أبريل/نيسان 2026.
- يانليانغ مياو، «محرك الصين الاقتصادي الناشئ»، التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي، سبتمبر/أيلول 2026.
- مارتن رايزر وميكيلي روتا، «إدارة مخاطر الحزام والطريق»، البنك الدولي، 20 يونيو/حزيران 2019.
- صندوق النقد الدولي، بيانات تكوين احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية للربع الأول 2026، 1 يوليو/تموز 2026.
- كريستالينا غورغييفا، «الإبحار في عالم مالي أكثر سيولة»، صندوق النقد الدولي، 28 أغسطس/آب 2026.
- منظمة التجارة العالمية، «الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والصراع في الشرق الأوسط يشكلان آفاق التجارة العالمية»، 20 مارس/آذار 2026.
- صندوق النقد الدولي، تحديث آفاق الاقتصاد العالمي، يوليو/تموز 2026.
- نغوزي أوكونجو إيويالا، بيان بشأن تصاعد التوترات التجارية، منظمة التجارة العالمية، 9 أبريل/نيسان 2025.
- البنك الدولي، «إعادة موازنة النمو: التحديث الاقتصادي للصين»، 7 يوليو/تموز 2026.
سؤال المقال
هل يمنح تنويع سلاسل الإمداد الدول النامية فرصة صناعية حقيقية، أم ينقل إليها كلفة التنافس بين الصين وأميركا؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.