
![]()
لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط: من سينتصر؟
فبعد عقود متواصلة من الحروب والانقسامات، ربما أصبح السؤال الأكثر واقعية وألماً: كم تبقّى من شعوب المنطقة قادراً على احتمال حرب جديدة؟
من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى اليمن، ومن غزة إلى الخليج، تحولت مساحات واسعة من الشرق الأوسط إلى ساحات مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية متشابكة. وفي قلب هذه الصراعات يقف مشروعان شديدا التأثير: المشروع الإيراني من جهة، والمشروع الإسرائيلي من جهة أخرى.
لكن وضعهما في كفة واحدة من دون التمييز بين أدوات كل منهما وطبيعة نفوذه وطريقة استخدام القوة لا يساعد على فهم المشهد.
فالسؤال هنا ليس: أيهما «بريء»؟ لأنه لا يمكن قراءة تاريخ المنطقة بهذه البساطة. بل السؤال الأهم: ما طبيعة الخطر الذي يمثله كل طرف، وأيهما كان أكثر قدرة على اختراق الدول وتحويلها إلى ساحات صراع مفتوحة؟
إيران… حين تتحول الدولة إلى شبكة نفوذ إقليمية
الخطر الذي أتحدث عنه لا يتعلق بالشعب الإيراني ولا بإيران كدولة وحضارة، بل بسياسات النظام الإيراني ومشروعه الإقليمي الذي تشكَّل عبر عقود، واعتمد بدرجة كبيرة على بناء شبكة من القوى المسلحة والحلفاء داخل دول أخرى.
حزب الله في لبنان، وعدد من الجماعات المسلحة في العراق، والوجود الإيراني والقوى الحليفة له التي قاتلت إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا، والحوثيون في اليمن؛ كلها شكَّلت، بدرجات مختلفة من الارتباط بطهران، ما أصبح يُعرف بـ«محور المقاومة».
ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الحرس الثوري، ولا سيما «فيلق القدس»، اضطلع بدور مركزي في تدريب وتسليح وتمويل عدد من هذه الجماعات واستخدامها لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. (Council on Foreign Relations)
المشكلة هنا لا تتعلق بمجرد وجود حلفاء لدولة إقليمية؛ فجميع القوى الكبرى تبحث عن حلفاء. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القوى المسلحة موازية لمؤسسات الدولة الوطنية، أو أكثر قدرة منها في بعض الأحيان على اتخاذ قرار الحرب والسلم.
في سوريا مثلاً، لعب التدخل الإيراني والجماعات المتحالفة معه دوراً أساسياً في دعم نظام الأسد خلال سنوات الحرب. وتشير تقديرات بحثية إلى أن إنفاق إيران على تدخلها السوري بلغ مليارات الدولارات، ووضع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تقديراً وصل إلى نحو 16 مليار دولار خلال الفترة بين 2012 و2018. (CSIS)
لقد حصدت الحرب السورية مئات الآلاف من الضحايا، وتعددت الأطراف التي شاركت في مسؤولية استمرارها، ولذلك سيكون من الخطأ تحميل دولة واحدة مسؤولية كامل المأساة. لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن التدخل الإيراني، إلى جانب التدخلات الروسية والإقليمية والدولية الأخرى، أسهم في إطالة عمر الحرب وتحويل سوريا إلى ساحة مواجهة تتقاطع فيها مصالح قوى عديدة.
«الخطر لا يُقاس بعدد الصواريخ وحدها، بل بقدرته على تفكيك الدولة من الداخل وتحويل أراضيها إلى ساحة نفوذ للآخرين.»
“رامز نجيب السيد“
عندما لا يتوقف النفوذ عند السلاح
ولم تكن الحرب العسكرية الأداة الوحيدة التي أضعفت المجتمعات والدول.
ففي سوريا، نشأت خلال عهد النظام السابق منظومات واسعة لاقتصاد الحرب والتهريب وتجارة المخدرات، وفي مقدمتها الكبتاغون. وبعد سقوط النظام كُشف عن منشآت إنتاج واسعة وشبكات تصدير امتدت إلى دول المنطقة.
وتشير تحقيقات رويترز إلى أن تجارة الكبتاغون السورية تحولت إلى صناعة تدر مليارات الدولارات، بينما اتُّهمت شخصيات مرتبطة بالنظام السابق وشبكات متحالفة معه بالاستفادة منها. لكن الدقة تقتضي هنا عدم اختزال كامل تجارة المخدرات في إيران أو حزب الله؛ فهذه التجارة شاركت فيها شبكات سورية ولبنانية وإجرامية عابرة للحدود ومتعددة الأطراف. (Reuters)
هذا التمييز ضروري؛ لأن قوة أي مقال سياسي لا تأتي من المبالغة، بل من القدرة على تحديد المسؤولية بالقدر الذي تسمح به الأدلة.
“رامز نجيب السيد“
الملف النووي… خطر من نوع مختلف
ثم يأتي الملف النووي الإيراني، وهو أكثر تعقيداً من كل ملفات النفوذ السابقة.
فوفق تقرير رسمي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ مخزون إيران المقدر من اليورانيوم المخصب حتى مستوى 60% نحو 440.9 كيلوغراماً في 13 حزيران/يونيو 2025. وهذه النسبة أدنى من مستوى التخصيب المستخدم عادة في السلاح النووي، لكنها مرتفعة بصورة استثنائية بالنسبة إلى برنامج نووي مدني. وبعد الضربات التي تعرضت لها المنشآت الإيرانية، فقدت الوكالة استمرارية معرفتها بالمكان الحالي لجزء من المواد النووية وقدرتها على التحقق منها ميدانياً بالمستوى السابق.
ومع ذلك، يبقى ضرورياً الفصل بين امتلاك مواد عالية التخصيب وبين امتلاك سلاح نووي جاهز للاستخدام؛ فالأمران ليسا مترادفين، ويحتاج الانتقال من الأول إلى الثاني إلى مراحل تقنية وعسكرية إضافية.
لكن غياب اليقين والرقابة الكاملة وحده يكفي لجعل البرنامج النووي الإيراني قضية أمن إقليمي ودولي، لا مجرد خلاف بين طهران والعواصم الغربية.
وماذا عن إسرائيل؟
هنا يجب ألا تتحول المقارنة إلى تبرئة إسرائيل.
فلا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد دولة تواجه تهديدات أمنية، بمعزل عن تاريخ طويل من الاحتلال والحروب والتهجير والاستيطان وسقوط أعداد هائلة من المدنيين الفلسطينيين.
وقد كشفت حرب غزة بصورة قاسية حجم الكارثة الإنسانية. ففي 25 آذار/مارس 2026 بلغ عدد الوفيات الفلسطينية المبلَّغ عنها 72,265 شخصاً، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة التي أوردتها الأمم المتحدة، مع تنبيه المنظمة إلى أن بعض الأرقام المنقولة من أطراف النزاع لا تكون قد خضعت كلها للتحقق المستقل منها. (United Nations)
واستمرت التقارير الأممية خلال 2026 في توثيق سقوط مدنيين وأطفال وتدمير للبنية التحتية، بما يؤكد أن الكلفة الإنسانية للحرب لا يمكن التعامل معها باعتبارها هامشاً في أي تحليل استراتيجي. (The United Nations in Palestine)
لذلك فإن الدعوة إلى سلام مع إسرائيل لا يمكن أن تعني نسيان فلسطين، ولا شرعنة الاحتلال، ولا تجاهل حق الفلسطينيين في الأمن والكرامة وتقرير المصير.
أي سلام لا يعالج أصل الصراع سيبقى أقرب إلى إدارة مؤقتة للحرب منه إلى إنهائها.
خطران… لكن بأداتين مختلفتين
هنا أصل إلى جوهر المقارنة.
إسرائيل وإيران دولتان تستخدمان القوة لتحقيق أهدافهما السياسية، لكن الأدوات ليست واحدة.
إسرائيل تعتمد بصورة رئيسية على القوة العسكرية المباشرة للدولة: جيش، طيران، استخبارات، عمليات عسكرية واحتلال وسيطرة ميدانية.
أما إيران فقد مزجت بين قوة الدولة التقليدية وبين استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على الصواريخ والطائرات المسيَّرة، وشبكات من الحلفاء والجماعات المسلحة داخل دول أخرى.
ولذلك فإن المقارنة بين الطرفين ليست مقارنة بين «دولة» و«ميليشيا»، كما أنها ليست حكماً أخلاقياً يختار شراً ويبرئ الآخر؛ بل هي مقارنة بين نمطين مختلفين من ممارسة القوة الإقليمية.
وقد لخَّص الباحث راشد المهندي هذه المعضلة من زاوية خليجية بقوله إن إيران وإسرائيل تعملان، كل بطريقتها، انطلاقاً من تصور يرى أن الأمن يتحقق عبر إخضاع الجيران والنفوذ عليهم. (Chatham House)
«إيران وإسرائيل تعملان على قناعة بأن الأمن لا يتحقق إلا عبر إخضاع الجيران.»
“— راشد المهندي، مركز أبحاث السياسات الدولية/تشاتام هاوس — ترجمة المعنى (Chatham House)”
لكنني، ومن زاوية تأثير كل مشروع في تماسك الدولة العربية نفسها، أرى فرقاً جوهرياً.
فالخطر الإسرائيلي ظهر تاريخياً بصورة مباشرة وواضحة: احتلال، حرب، ضربات عسكرية وسيطرة على الأرض.
أما النموذج الإيراني فقد استطاع الدخول إلى داخل بعض الدول، والارتباط بقوى مسلحة محلية، ثم جعل جزء من الصراع الإقليمي يدور من داخل مؤسسات ومجتمعات تلك الدول.
وهنا، في تقديري، يصبح الخطر الإيراني أكثر انتشاراً من حيث الجغرافيا السياسية واختراق بنية الدولة، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وهذا الحكم لا يجعل إسرائيل أقل خطراً على الفلسطينيين، ولا يقلل من الاحتلال أو كلفة حروبها؛ بل يحدد فقط نوع الخطر الذي نتحدث عنه.
«المقارنة بين إيران وإسرائيل ليست بحثاً عن طرف بريء؛ بل محاولة لفهم أيّ نمط من القوة كان أكثر قدرة على تحويل دول المنطقة إلى ساحات للصراع.»
الحرب الحالية… وهل يوجد منتصر أصلاً؟
لقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن مفهوم «الانتصار» نفسه يحتاج إلى مراجعة.
فالقوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت وإضعاف قدرات وقتل قادة، لكنها لا تضمن دائماً تحقيق الهدف السياسي للحرب.
وتشير الباحثة أنيسه بصيري تبريزي إلى أن معيار نجاح الحروب لا ينبغي أن يكون عدد الأهداف التي دُمِّرت، بل ما إذا كانت الحرب حققت أهدافها السياسية فعلاً. (Chatham House)
«ينبغي قياس الحرب بما إذا كانت تحقق أهدافها السياسية، لا بعدد الأهداف التي جرى تدميرها.» “
“”— د. أنيسه بصيري تبريزي، تشاتام هاوس — ترجمة المعنى (Chatham House)””
وهذه الفكرة تنطبق على الشرق الأوسط كله.
كم دولة خاضت حرباً، أعلنت انتصارها، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الحرب أنتجت أزمة أشد خطورة من تلك التي حاولت حلها؟
كم جماعة امتلكت السلاح باسم حماية مجتمعها، ثم تحوَّل السلاح نفسه إلى عقبة أمام عودة الدولة؟
وكم مرة دُمِّرت المدن من أجل تحقيق «نصر» لم يستطع أحد بعد ذلك أن يشرح لشعوبها ماذا حقق لها؟
نحن بحاجة إلى السلام أكثر من حاجتنا إلى منتصر جديد
هذه ليست دعوة إلى الاستسلام لإسرائيل.
وليست دفاعاً عن إيران.
وليست تجاهلاً لفلسطين.
إنها دعوة إلى التفكير في إنقاذ ما تبقى من الشرق الأوسط.
لا نحتاج إلى ميليشيات جديدة.
ولا إلى صواريخ جديدة.
ولا إلى جيل جديد من الأطفال يتعلم أصوات الطائرات والقصف قبل أن يتعلم أصوات المدارس.
ما نحتاجه هو سلام يعيد للدولة سلطتها في العراق ولبنان واليمن وسوريا، ويُنهي منطق القوى المسلحة العابرة للحدود، ويمنع الدول الكبرى والإقليمية من استخدام الأراضي العربية كساحات لتصفية الحسابات.
ونحتاج، في الوقت نفسه، إلى سلام يضمن للفلسطينيين حقوقهم وأمنهم وكرامتهم، لأن تجاهل القضية الفلسطينية لم يصنع استقراراً في الماضي، ولن يصنعه في المستقبل.
لقد قال أستاذ القانون الدولي مارك ويلر عبارة شديدة البساطة والدلالة:
«صنع السلام أصعب من بدء الحروب.»
“— البروفيسور مارك ويلر، تشاتام هاوس — ترجمة مباشرة (Chatham House)”
وهنا ربما تكمن مأساة منطقتنا: لقد أتقن الجميع تقريباً كيفية بدء الحرب، لكن القليلين عرفوا كيف يصنعون سلاماً قابلاً للحياة.
إسرائيل خطر، نعم.
والمشروع الإيراني التوسعي خطر أيضاً.
لكنني أرى أن النموذج الإيراني، خلال العقود الماضية، كان أكثر قدرة على الانتشار داخل عدد من دول المنطقة وعلى ربط مصائرها بصراعات تتجاوز حدودها، بينما مثَّلت إسرائيل نموذجاً آخر من الخطر يقوم أساساً على القوة العسكرية المباشرة والاحتلال والحروب.
أما الحل، فلا يكمن في اختيار حرب ضد أحدهما لمواجهة الآخر.
الحل هو أن تستعيد دول المنطقة سيادتها، وأن يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة وحدها، وأن تتوقف سياسات الاحتلال والهيمنة، وأن يصبح أمن الدولة نابعاً من قوة مؤسساتها لا من حماية الخارج ولا من سلاح الجماعات المسلحة.
«الشرق الأوسط لا يحتاج إلى منتصر جديد؛ بل يحتاج إلى أن ينجو من الفكرة التي تقول إن كل مشكلة يمكن حلها بحرب جديدة.»
“رامز نجيب السيد“
لقد جرَّب الشرق الأوسط الدم بما يكفي.
وربما حان الوقت لأن نجرب شيئاً بدا حتى الآن أكثر صعوبة:
السلام.

![]()







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.