

الملخص التنفيذي
يفكك المقال الصورة المريحة التي تجعل مرتكبي الفظائع «وحوشاً» خارج الإنسانية، ويقرأ فيلم «نورمبرغ» بوصفه سؤالاً عن تفاهة الشر، وانتقائية العدالة، وحدود النظام الدولي الذي أنشأه المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية.
استهلال
ينطوي سؤال خورخي غونزاليس أروشا: «لماذا يتيح لنا تحويل الجناة إلى وحوش أن نغضّ الطرف؟» على فكرة فلسفية ونفسية عميقة. فتصوير مرتكبي الجرائم بوصفهم «وحوشاً» أو كائنات تقع خارج الطبيعة البشرية قد يمنحنا قدراً من الراحة النفسية، لكنه يحجب عنا الشروط التي جعلت الجريمة ممكنة.
حين نصف الجاني بأنه وحش، نعزل الجريمة عن المجتمع والثقافة والمؤسسات التي نشأ فيها، كأن الشر حادث استثنائي لا ظاهرةً تستحق الفهم. ويعفينا هذا الوصف من مساءلة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية التي أسهمت في تكوين الجاني أو أتاحت له ارتكاب الجريمة.
«حين نختزل الجاني في صورة وحش، فإننا لا ندين الجريمة بقدر ما نعزلها عن الشروط البشرية والسياسية التي جعلتها ممكنة.»
“فراس يونس“
كما يمنحنا هذا التصوير شعوراً زائفاً بالأمان؛ فنطمئن إلى أن «الوحوش» نادرة وأننا مختلفون عنها تماماً. أما الاعتراف بأن الجاني إنسان، فيُلزمنا بمواجهة حقيقة أشد إزعاجاً: قد يرتكب أناس عاديون أفعالاً مروّعة عندما تتعطل لديهم القدرة على التفكير النقدي والمسؤولية الأخلاقية.
ترتبط هذه الفكرة بما ناقشته حنّة آرندت في مفهوم «تفاهة الشر» خلال متابعتها محاكمة أدولف أيخمان. لم ترَ آرندت في أيخمان «وحشاً» بالمعنى التقليدي، بل موظفاً بيروقراطياً نفّذ سياسات إجرامية من دون تفكير أخلاقي مستقل. لم تقصد تبرئته، وإنما التحذير من أن الشر قد يصدر عن أشخاص عاديين حين تتوقف ملكة الحكم الأخلاقي عن العمل.
هذا هو السؤال الذي يفككه أروشا في مقاربة فلسفية وأخلاقية تكشف جانباً من عجز البشر عن تجاوز العنف، ومن ميلهم المتكرر إلى السقوط في هاوية الحرب.
«الاعتراف بإنسانية مرتكب الفظائع لا يخفف من مسؤوليته، بل يحرمنا من الراحة الزائفة التي تمنعنا من مساءلة المجتمع والمؤسسات.»
“فراس يونس“
نورمبرغ وتفاهة الشر: من المحاكمة إلى السؤال الأخلاقي
أنهيتُ مؤخراً مشاهدة فيلم «نورمبرغ» (2025) بحماسة شديدة. وسرعان ما بدت لي أوجه التشابه والاختلاف بينه وبين المسلسل القصير الذي يحمل الاسم نفسه، وعُرض عام 2000، وكنت قد شاهدته هو الآخر قبل وقت قريب. يتناول العملان المحكمة نفسها من زاويتين معرفيتين مختلفتين. وأود هنا أن أتوسع في هذا الفرق، وأن أناقش ما أراه أحد أوجه سوء الفهم الأساسية لطبيعة الفظائع.

يروي عمل عام 2000 المحاكمة بوصفها حدثاً قانونياً وسياسياً: بنية القانون، وبناء القضية، وتوزيع المسؤولية داخل التسلسل الهرمي للنظام النازي. ومع أنه يظل وفياً للحدث التاريخي، فإنه يقدّمه من خلال عدسة كتاب جوزيف إي. بيرسيكو الصادر عام 1994، «نورمبرغ: العار أمام المحاكمة» (Nuremberg: Infamy on Trial).
أما فيلم 2025 فيقدّم شيئاً أكثر إقلاقاً؛ إذ يتوقف عند الصعوبة النفسية الكامنة في استيعاب أن الفظائع ارتكبها بشر، لا وحوش. وقد استُلهمت حكايته من كتاب جاك إل‑هاي «النازي والطبيب النفسي» (The Nazi and the Psychiatrist)، الصادر عام 2013.
لا يقتصر هذا الاختلاف على السرد؛ فهو اختلاف معرفي ينطوي على رؤيتين للعالم، ويؤثر مباشرةً في فهمنا فظائع الماضي والحاضر معاً. إنه يتصل بذاكرة الحرب العالمية الثانية، وبقدرتنا على التفكير في أشكال العنف المعاصرة، ومنها ما يتكشف اليوم في غزة.
في هذه النقطة تحديداً يبلغ الفيلم الثاني ذروة جاذبيته. صحيح أن أداء رامي مالك يبدو أحياناً كأنه مستعار من فيلم عن نجوم موسيقى الروك، وأن إيقاع البداية يميل إلى مشاهد الحركة الضخمة والمؤثرات المفاجئة، فيدفع إلى الخلف قوة القصة الحقيقية وعمق الصدام بين دوغلاس كيلي وهيرمان غورينغ. غير أن الساعة الأخيرة تنقذ الفيلم، حين تبدأ الأسئلة الأعمق بالظهور. فبدلاً من التعامل مع غورينغ بوصفه حالةً معزولة، يركّز الفيلم على الصعوبة الأخلاقية في فهم الفظائع التي ارتُكبت في ظل النظام النازي.
«اختزال الجاني في صورة وحش يحمينا من الاعتراف بأننا قد نكون، نحن أيضاً، مرتكبين محتملين.»
“—خورخي غونزاليس أروشا”
أسطورة الوحش وراحة التفوق الأخلاقي
تتمحور الروايات التي تناولت هذه الحقبة عادةً حول فكرة الوحشية. وكان تمثيل تلك الوحشية، إلى حد بعيد، مهمة أجيال اضطرت إلى العودة إلى الأهوال لمنع تكرارها. لكن الفيلم يغيّر نبرته عند هذه النقطة، وإن فعل ذلك من دون كثير من التمهيد. وبدلاً من أن نصغي إلى المسؤولين الألمان، نبدأ بالإصغاء إلى أنفسنا.
هنا يتوقف «نورمبرغ» عن كونه حواراً، ويتحوّل إلى مونولوج جيلي يستجوب حاضرنا عبر استحضار بعض أبشع أحداث عالم ما بعد الجائحة: الحرب في أوكرانيا، والإبادة الجماعية في غزة، والتصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، بما ينذر بموجات جديدة من النزوح ومقتل مزيد من المدنيين الأبرياء.
قد تكون صورة الوحش، والميل الغريزي إلى تفسير الفظائع من خلالها، عمليةً أسطوريةً لا تكفي وحدها للفهم. والخطوة الأولى هي إدراك أن الأسطورة ليست كذبةً بالضرورة، بل تفسير مجازي لما نجهله. لقد ترسخت فظائع النازية بوصفها صدمةً جماعيةً في ذاكرة العالم، غير أن تفسيرها أسطورياً على أنها فعل وحوش دفعها إلى عالم بعيد، يكاد يبدو منفصلاً عنا. إن اختزال الجاني إلى وحش يحمينا من رؤية ذواتنا بوصفنا مرتكبين محتملين؛ فهو يبعدنا عن الحدث وحقيقته، ويضعنا في موقع تفوق أخلاقي مريح.
برز هذا الخط بوضوح في مسلسل «نورمبرغ» عام 2000. فمن خلال الدور التاريخي للقاضي روبرت هـ. جاكسون، كبير المدعين الأميركيين في المحاكمة، والتوتر بينه وبين غورينغ، لم يكمن جوهر الدراما في استكمال نصر تحقق عسكرياً، بقدر ما تمثل في ترسيخ تفوق أخلاقي وأيديولوجي. أما ثنائي كيلي وغورينغ في فيلم 2025 فيسعى إلى غاية مختلفة: تفكيك صورة الوحش البعيد، والإقرار بأن الإنسانية لا تنسجم دائماً مع سردية خيّرة مثالية؛ فهي قادرة أيضاً على إلحاق الأذى وإنهاء الحياة.
تفاهة الشر وإمكان العنف
وجدت عملية نزع الأسطورة واحدةً من أكثر صياغاتها إثارةً للجدل لدى حنّة آرندت، التي يكاد اسمها يحضر دائماً في هذا السياق.
في كتابها «أيخمان في القدس» (1963)، تابعت آرندت المحاكمة متوقعةً أن تجد تجسيداً للشر المطلق، لكنها وجدت شيئاً آخر: بيروقراطياً عادياً، عاجزاً عن التفكير المستقل، ينفّذ الأوامر من دون تأمل أخلاقي. ولا يقلّل مفهوم «تفاهة الشر» من شأن الفظائع؛ بل يعني أن الشر لا يحتاج دائماً إلى خبث مطلق، وقد يكفيه غياب التفكير والحكم الأخلاقي. لم ترَ آرندت هذا الغياب شذوذاً فردياً، بل احتمالاً بنيوياً في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا والسرعة وأشكال الطاعة التي تنزع عن الإنسان فرديته ومسؤوليته.
من الواضح أن أفعال النازيين وسائر مرتكبي الإبادات شنيعة وتنتهك كل معيار أخلاقي وقانوني. لكن السؤال يتجاوز الإدانة إلى الطريقة التي حصّنت بها الحداثة صورة الفاعل العقلاني والأخلاقي من إمكان الوقوع في الفظائع. فعندما فصلنا العقل عن الأسطورة، والأخلاق عن الفظاعة، ضيّقنا قدرتنا على فهم منشأ الشر.
إن تصوير النازيين كوحوش ينكر أن القدرة على التدمير جزء من الإمكان البشري. وقد استشرف فرويد ذلك في نظريته عن الغريزتين، ثم طوّر هربرت ماركوزه الفكرة في كتابه «إيروس والحضارة»، موضحاً كيف يمكن لقمع الغرائز أن يزيحها نحو صور من العنف المقبول اجتماعياً.
بعد التفكير في ذلك كله، تبدو لي هذه الصياغة أكثر صدقاً من الناحية الفلسفية: يتطلب إنهاء حياة إنسان مسار حياة كاملاً. لا أحد يقتل من فراغ أو في لحظة منفصلة عن تاريخه. حتى الفظائع التي تبدو عصيّةً على التفسير تحيل إلى عالم اجتماعي أتاح وقوعها. ولعل هذا ما وجّه الدكتور دوغلاس كيلي في بحثه عن خصائص الشخصية النازية. ولا يبرئ هذا القول أحداً؛ بل يعيد الفظائع إلى دائرة المسؤولية الجذرية.
«لا أحد يقتل من فراغ؛ حتى الفظائع التي تبدو عصيّةً على التفسير تحيل إلى عالم اجتماعي أتاح وقوعها.»
“—خورخي غونزاليس أروشا”
من هيروشيما إلى فظائع الحاضر
يضم فيلم 2025 لحظةً كاشفةً يجادل فيها دوغلاس كيلي غورينغ، فيطرح الأخير أطروحةً قابلةً للنقاش لكنها مقلقة: لا فرق جوهرياً بين ما فعله الألمان وما فعله الأميركيون لاحقاً. فما الفارق بين ألمانيا والقوة التي ألقت القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي؟ وفق منطقه، يكون الفارق تكنولوجياً وعسكرياً، بينما تبقى الفظاعة واحدةً في جوهرها.
لا يتعلق الأمر بقبول ذريعة غورينغ، بل بملاحظة أن رسالة الفيلم لم تعد، عند هذه النقطة، تشير إلى ألمانيا عام 1945 وحدها، وإنما إلى العالم الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وتتحول سخرية غورينغ إلى وسيلة للتفكير في فظائع الحاضر، وتكشف مقدار عجزنا أمامها. يظهر جنسنا البشري مكشوفاً أمام هشاشة يكاد لا يدركها، لأنه يظل أسير اللحظة الراهنة، عاجزاً عن اختراق منطق الإمبراطوريات المتقاطع.
يتضح، بناءً على ذلك، أننا نطبّق مفهوم «الوحش» تطبيقاً انتقائياً. وليس هذا خطأً عارضاً فحسب، بل قد يصبح استراتيجيةً سياسية. فقد حذّر فريدريك نيتشه من التعامل مع الأخلاق بوصفها منظومةً من الحقائق الكونية المنفصلة عن علاقات القوة. وحين تُبنى الأخلاق على الأساطير، تصبح سلاحاً في يد من يمتلك الرواية الأقوى.
نورمبرغ في ذاتها ونورمبرغ لذاتها
ينبغي، بمنهج هيغلي، أن نميّز بين «نورمبرغ في ذاتها» و«نورمبرغ لذاتها».
نورمبرغ في ذاتها هي الحقيقة التاريخية الموضوعية: الحدث القانوني والسياسي الذي أعقب الكارثة النازية. كانت المحاكمة واقعاً ملموساً، ولحظةً بدأت فيها الإنسانية صوغ إطار مؤسسي لتسمية الجرائم ضد الإنسانية ومحاكمة مرتكبيها ومعاقبتهم.
أما نورمبرغ لذاتها، فهي اللحظة التي تتخذ فيها تلك الحقيقة شكل وعي ذاتي؛ أي أن تدرك الإنسانية نفسها من خلال المحاكمة، وأن تفهم أن تلك الفظائع لم تكن انفجاراً وحشياً جاء من الخارج، بل احتمالاً أنتجته هياكل بشرية وسياسية وتقنية وإدارية.
حدثت الأولى، وإن على نحو غير كامل. أما الثانية فلم تحدث. لم تنشأ لحظة تأمل ذاتي قادرة على تجاوز منطق الحرب العالمية الثانية نفسه، ولم يحدث تخلٍّ فعلي عن الأسطورة لمصلحة فهم أكثر مأساويةً وإزعاجاً للطبيعة البشرية.
يكشف هذا التمييز أيضاً كيف أقامت القوى المنتصرة نظاماً دولياً أعاد، في جوهره، إنتاج المنطق الذي سعى إلى إدانته. استُبدلت رواية بأخرى، لكن البنية العميقة للمشكلة لم تتغير كثيراً. إنه نظام يعطي الأولوية لأشكال محددة من القوة على حساب الصالح العام، ويتيح نزع الإنسانية عن مجتمعاتنا تدريجياً.
لذلك، فإن أزمة نظام ما بعد الحرب أعمق من دونالد ترامب أو من إعادة التشكل الجيوسياسي الراهنة التي تعبّر عنها صيغ مثل «عقيدة دونرو». ويجب البحث عن بعض جذورها في تصميم نظام العدالة العالمي الذي انبثق من نورمبرغ نفسها.
بتعبير هيغلي، ما لم يحدث هو «الرفع» أو «التجاوز الحافظ» (Aufhebung): أي تجاوز التناقض مع الاحتفاظ بما فيه ورفعه إلى مستوى أعلى، لا مجرد نفيه. لقد توقفت الحركة التاريخية؛ فتبلورت الحقيقة «في ذاتها» من دون أن تنتقل تماماً إلى الوعي «لذاته»، ولا يزال التاريخ يحمل هذا التناقض غير المحسوم.
«نورمبرغ لذاتها هي أن تدرك الإنسانية أن الفظائع ليست انفجاراً يأتي من خارجها، بل احتمالاً تنتجه هياكل بشرية وسياسية وتقنية وإدارية.»
“—خورخي غونزاليس أروشا”
نحو عدالة لا يكتبها المنتصرون وحدهم
تبقى غزة المثال الأبرز. فالمقصود ليس إقامة تشبيه مبسط بما جرى خلال الحرب العالمية الثانية، وإنما النظر إليها بوصفها أحد المشاهد التاريخية التي تكشف حدود نورمبرغ «في ذاتها»، وتؤكد في الوقت نفسه ضرورة تجاوزها.
لا ينبغي أن تكون نورمبرغ الجديدة مجرد محكمة للمنتصرين. فعندما نقتنع بأن الذين مارسوا العدالة في الماضي قد يكونون هم أنفسهم مرتكبي فظائع في الحاضر، يمكننا أن نبدأ تصور منطق آخر لمواجهة الجريمة.
نبذة عن الكاتب خورخي غونزاليس أروشا فيلسوف وكاتب مقالات كوبي مقيم في بلغراد، يكتب في السياسة والثقافة والحياة المعاصرة، وهو محرر مجلة «ديالكتيكا».


المصدر والمواد المشار إليها
- خورخي غونزاليس أروشا، «Nuremberg for Itself»، موقع Savage Minds، 1 آب/أغسطس 2026: https://www.savageminds.co/p/nuremberg-for-itself
- جاك إل‑هاي، «The Nazi and the Psychiatrist»، صفحة المؤلف والكتاب: https://www.el-hai.com/the-nazi-and-the-psychiatrist/
- Associated Press، مادة تعريفية بفيلم «Nuremberg» وعلاقته بكتاب إل‑هاي، 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2025: https://apnews.com/article/85582767b8f188f4fafa2cf197c3cacb
سؤال المقال
هل يساعد وصف مرتكبي الفظائع بأنهم «وحوش» على إدانة جرائمهم، أم يبعدنا عن فهم البُنى البشرية والسياسية التي جعلت تلك الجرائم ممكنة؟








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.