

تفتح العلاقة بين عشتار والأسطورة سؤالاً فلسفياً عن الأنوثة والرغبة: هل صنع الإنسان الرمز ليعبّر عن أعماقه، أم عاد الرمز ليعيد تشكيل وعيه بالحب والمرأة؟
في عام 2022 نشر الصديق د. جورج توما تأملاً موجزاً طرح فيه سؤالاً ظلّ، منذ ذلك الحين، يستدعي مزيداً من الشرح والتوسّع: «هل الأسطورة هي التي خلقت عشتار، أم أن عشتار خلقت تلك الأسطورة؟».
لم يكن السؤال، في تقديري، بحثاً في تاريخ إلهة رافدينية فحسب، بل كان يفتح باباً على واحدة من أكثر المسائل الإنسانية غموضاً: علاقة الإنسان بالرمز الذي يصنعه، ثم يعود ذلك الرمز فيسكن خياله ويعيد تشكيل نظرته إلى الحب والأنوثة والرغبة والفقد.
من هنا تأتي هذه المقالة استجابةً فكريةً لذلك السؤال، ومحاولةً للدخول إلى المساحة التي أشار إليها د. جورج توما في منشوره؛ حيث تظهر الأنثى لغزاً لا لأن عقل الرجل عجز عن حلّها، بل لأنها كينونة لا تُستنفد في تعريف، وحضورٌ كلما ظنّ الوعي أنه أحاط به انفتح أمامه على معنى آخر.
منذ أن رفع الإنسان عشتار إلى السماء، لم يعد واضحاً: أهو الذي صنع صورتها من خوفه وشوقه، أم أن صورتها القديمة ما زالت تصنع في أعماقه طرائق الحب والافتتان والفقد؟
سؤال طرحه د. جورج توما ولم تُغلقه السنوات

بدا السؤال في ظاهره بسيطاً:
هل الأسطورة هي التي خلقت عشتار، أم أن عشتار خلقت تلك الأسطورة؟
لكن قوته تكمن في أنه لا يقف عند حدود التاريخ، بل يلامس المنطقة التي يتعانق فيها الرمز مع الوعي، وتتجاور فيها الحقيقة مع الخيال، ويصبح فيها الإنسان صانعاً لصورته ومصنوعاً بها في الوقت نفسه.
وراء اسم عشتار تقيم أسئلة أقدم من الكتابة: لماذا احتاج الإنسان إلى أن يمنح الأنوثة وجهاً سماوياً؟ ولماذا جمع في ذلك الوجه الحب والحرب، الخصب والموت، الرحمة والبطش؟ وهل كان يصف امرأةً خارج ذاته، أم كان يحاول أن يرى ذلك الشقّ المستور من كيانه؛ الشقّ الذي لا يبلغ اكتماله إلا حين يعترف بحاجته إلى الآخر؟
إن الأسطورة، في معناها العميق، ليست حكايةً كاذبةً اخترعها القدماء قبل أن يتعلموا التفكير العقلاني. إنها لغة رمزية لجأ إليها الإنسان حين كانت تجربته أوسع من مفرداته، وحين لم يكن قادراً على تفسير الخوف والرغبة والموت والانبعاث إلا بأن يمنحها أسماءً ووجوهاً وطقوساً. الأسطورة ذاكرة لما أحسّه الإنسان قبل أن يعرف كيف يقوله.
من هنا لا يعود السؤال: هل وُجدت عشتار كما تخيّلها القدماء؟ بل يصبح: أيُّ شيء في الإنسان استدعى عشتار إلى الوجود، وأيُّ شيء في عشتار بقي بعد زوال معابدها؟
عشتار: الاسم الذي جمع الأضداد
لم تكن إنانا السومرية، التي عُرفت لاحقاً باسم عشتار في اللغات الأكادية، صورةً بسيطةً لإلهة الحب أو الخصب. لقد ظهرت في النصوص الرافدينية قوةً تجمع ما يبدو متناقضاً: الحب والحرب، الشهوة والرهبة، العطاء والانتقام، الحياة والموت، الأنوثة والسطوة السياسية.
تصف إحدى الترانيم السومرية إنانا بأنها صاحبة القدرة على الهدم والبناء، والرفع والخفض، وعلى تحويل الرجل إلى امرأة والمرأة إلى رجل، كما تجعل الرغبة والإثارة والجمال والثراء والفقد من المجالات الداخلة في سلطانها 11. ولم يكن اجتماع هذه الصفات تفصيلاً عرضياً؛ فقد جعلها صورةً كبرى للوجود حين يرفض أن ينقسم إلى ثنائيات مريحة.
ولهذا اختارت الباحثة ريفكا هاريس لدراستها الأكاديمية عنواناً بالغ الدلالة: «إنانا–عشتار بوصفها مفارقةً واجتماعاً للأضداد» 22.
كانت عشتار جميلةً ومخيفة، محبوبةً ومهابة، مانحةً للحياة وعابرةً إلى أرض الموتى. وفيها يلتقي ما يسميه أهل التصوف الجمال والجلال: الجمال الذي يجذب القلب، والجلال الذي يزلزل النفس ويكسر وهم السيطرة.
قدسية الأنثى ليست في أن نرفعها فوق إنسانيتها، بل في أن ندرك أن حضورها لا يقبل الاختزال: فهي ليست جسداً بلا سرّ، ولا سرّاً بلا جسد.
هل اخترع الإنسان عشتار؟
يبدو الجواب الأول بديهياً: الإنسان هو الذي أنشأ المعابد، ونحت التماثيل، وكتب الترانيم، وربط عشتار بكوكب الزهرة والحب والحرب والسلطة. ومن هذه الزاوية تكون عشتار بناءً ثقافياً صنعته مجتمعات بلاد الرافدين، وأودعت فيه نظرتها إلى الأنوثة والرغبة والخصب والملك.
توضح دراسات زينب البحراني أن صور الأنوثة والجسد والجنس في حضارات الرافدين لم تكن انعكاساً محايداً للطبيعة، بل تشكلت عبر النصوص والطقوس والصور وعلاقات السلطة 33. كما تبين دراسات جوليا آشر–غريف وجوان غودنيك ويستنهولز أن أدوار الإلهات وصورهن ووظائفهن تغيرت عبر القرون، ولم تبقَ بناءً واحداً ثابتاً 44.
غير أن هذا الجواب لا يكتمل عند حدود التاريخ. فالإنسان قد ينحت التمثال، لكنه لا ينحت من الفراغ. إنه يودع فيه خوفاً يسكنه، وشوقاً يلحّ عليه، ونقصاً يتمنى اكتماله. وحين تتكرر الصورة عبر الأجيال، تتحول من منتَج للوعي إلى قوة تؤثر فيه.
في البداية يصنع الإنسان الرمز؛ ثم يكتسب الرمز استقلاله، ويدخل اللغة والفن والطقوس والذاكرة، ويبدأ في إعادة تشكيل صانعه. يرى الإنسان الحب من خلاله، ويفهم الجمال والفقد والخصب والموت بلغته، حتى يغدو الرمز عدسةً يرى بها العالم ونفسه.
وهكذا لا تكون عشتار وهماً اخترعه الإنسان ثم تجاوزه، بل مرآةً رمزيةً رأى فيها شيئاً من حقيقته. لقد صنعها كي يقول ما يعجز عنه، ثم وجد نفسه محكوماً باللغة التي صنعها.
الرمز ابنُ المخيّلة وأبوها في آنٍ واحد؛ نخلقه كي يفسّرنا، ثم نكتشف أنه أعاد خلقنا على صورته.
سبع بوابات إلى التجرّد
تبلغ رمزية عشتار ذروتها في أسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي. تهجر السماء والأرض، وتتجه إلى «أرض اللاعودة». وعند كل واحدة من البوابات السبع يُنزع عنها شيء من زينتها وسلطانها: التاج، والعقد، وحليّ الصدر، والخاتم، وأدوات القياس، وثوب السيادة. وحين تبلغ البوابة الأخيرة تكون قد جُرّدت من كل ما كان يدل على مكانتها، ثم تُدان وتتحول إلى جثة معلقة، قبل أن تُعاد إليها الحياة 55.
تاريخياً، ينتمي هذا المشهد إلى العالم الديني والأسطوري لبلاد الرافدين. أما صوفياً، فيمكن قراءته – بوصفه تأويلاً حديثاً لا ادعاءً بتفسير مقصد النص القديم – رحلةً من التعيّن إلى التجرّد؛ من الأسماء التي تمنح الذات سلطتها إلى العراء الذي لا يبقى فيه للإنسان إلا حقيقته.
فكل بوابة تنزع وهماً: وهم الجمال المملوك، ووهم المكانة، ووهم القوة، ووهم القدرة على عبور الموت من دون ثمن. ولا تصل عشتار إلى قلب العالم السفلي إلا بعد أن تفقد العلامات التي كانت تقول لها من تكون.
يشبه ذلك ما يسميه المتصوفة التخلّي: أن تتخفف النفس من دعاواها قبل أن تصبح قابلةً للتجلّي. فليس الفناء موت الجسد، بل انطفاء الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع امتلاك نفسه والعالم والمحبوب امتلاكاً مطلقاً. أما البقاء فهو عودة الإنسان من تجربته وقد تبدلت رؤيته، فلم يعد كما كان قبل النزول.
عشتار الصاعدة ليست عشتار الهابطة نفسها. ومن يدخل أعماقه ثم يعود منها لا يعود بالعينين ذاتهما.
الأنوثة في شقّ الرجل
حين تحدّث د. جورج توما في منشوره عن تماهي «كينونة الأنوثة في شقّ الرجل»، لم أفهم العبارة باعتبارها قولاً إن المرأة جزء ناقص تابع للرجل، أو إن الرجل أصل وهي فرعه؛ بل قرأتها إشارةً إلى أن الإنسان يحمل في داخله شقاً لا يردمه الامتلاك، وأن الآخر يوقظ فيه معرفةً بجزء غائب من ذاته.
الأنوثة هنا ليست مرادفاً حصرياً للمرأة البيولوجية؛ إنها قابلية التلقّي والاحتواء والإنبات، والقدرة على منح المعنى جسداً. وليست هذه الصفات حكراً على النساء، كما أن الفعل والمبادرة ليسا حكراً على الرجال.
في قراءة سعاد الحكيم لفكر ابن عربي، تظهر المرأة إنساناً كامل الأهلية الروحية والعقلية، فيما تظهر «الأنوثة» أيضاً بوصفها مرتبةً كونيةً تتصل بالتلقّي والتكوين والظهور. وقد يكون الرجل في مقام التلقّي، كما قد تكون المرأة في مقام الفعل؛ لأن الذكورة والأنوثة، على المستوى الوجودي، أوسع من التصنيف الجسدي 66.
وحين يلتقي الرجل بالمرأة لا يلتقي كائناً خُلق لإكمال نقصه فحسب، بل يلتقي ذاتاً مستقلةً تحمل سرّها ومسارها وحريتها. غير أن حضورها يكشف فيه ما كان محجوباً: هشاشته، وقابليته للحنان، وخوفه من الفقد، وشوقه إلى أن يُرى من الداخل.
المرأة ليست نصف الرجل بالمعنى العددي؛ إنها المرآة التي تجعله يرى انقسامه. وهو بدوره قد يكون لها مرآةً، لا سيداً على معناها ولا مالكاً لسرّها.
ومن هنا تنبع قدسية «الأنثى–اللغز»: ليست قداسة صنم، وليست حيلةً لتجميل الجهل بالمرأة، بل اعتراف بأن الإنسان لا يحيط بالآخر إحاطةً كاملةً. وكل حبّ يدّعي أنه كشف المحبوب حتى آخره يكون قد قتل سرّه، لأن المعرفة التي لا تترك للآخر مساحةً مجهولةً تتحول إلى استحواذ.
امرأة الخيال: حين يعشق الرجل صورته
يقف الرجل أمام الأنوثة فيسلك أحياناً طريق الخيال. يدخل من بوابة القلب إلى امرأة افتراضية لا يحدّها مكان ولا يقيّدها زمان. ينسج حولها صفات الكمال، ثم يسكب فيها حاجاته المؤجلة وأحلامه وخيباته. يظن أنه يهيم بها، بينما قد يكون هائماً بالصورة التي خلقها عنها.
يسمي المتصوفة عالم الصورة حضرة الخيال؛ وهي ليست مرادفاً للوهم الكاذب، بل برزخاً بين المحسوس والمعقول، تظهر فيه المعاني في صور يمكن للقلب أن يدركها. والخطر لا يكمن في الخيال نفسه، فالخيال نافذة الشعر والحدس والمحبة، بل في نسيان أن الصورة ليست الشخص كله.
قد تصبح المرأة في وعي العاشق «عشتاره الخاصة»: يرفعها إلى مقام لا تستطيع امرأة بشرية أن تقيم فيه، ثم يغضب حين تنزل من السماء لتكشف تعبها وترددها ونقصها الإنساني. عندئذٍ لا يكون قد أحبّها، بل أحبّ الوظيفة التي أراد منها أن تؤديها داخل أسطورته.
إن الدخول من بوابة القلب لا يضمن بلوغ الحقيقة؛ فقد يكون القلب نفسه ممتلئاً بالمرايا. وكل مرآة تعيد إلى العاشق صورته، فيحسب أنه رأى المحبوب.
امرأة الجسد: حين تتحول الحرارة إلى حجاب
وقد يسلك الرجل الطريق الثاني: لا يصعد بالمرأة إلى سماء الخيال، بل يحصرها في حرارة الحضور. يتذوق حلاوة القرب، ثم يشتد الشوق في خلاياه حتى تضيق المساحة المتروكة للعقل والتروّي.
ليس الجسد في ذاته نقيضاً للروح. فالجسد هو موضع الإحساس، واليد التي تمنح الحنان، والعين التي تشهد الجمال، والقلب الذي تتغير ضرباته أمام حضور المحبوب. المشكلة تبدأ حين ينفصل الجسد عن المعنى، وحين تتحول الرغبة من مشاركة إلى افتراس، ومن انجذاب إلى حق موهوم في الامتلاك.
عندئذٍ تصبح الأنثى سطحاً تُسقط عليه الشهوة صورتها، ولا تعود ذاتاً تنظر وتختار وترفض وتقترب. وما يبدو وصالاً قد يكون، في حقيقته، عزلةً مزدوجةً: كل طرف يلامس في الآخر ما يحتاج إليه، من غير أن يبلغ سرّه.
إن الشرائع والآداب والحدود الأخلاقية لا تحارب الرغبة لأنها دنس، بل تسعى إلى حمايتها من التحول إلى قوة عمياء. فالرغبة التي لا يبصرها الوعي قد تبدأ بحثاً عن الاتحاد وتنتهي بإلغاء الآخر.
الجسد باب، لكنه ليس البيت كله. ومن يقف عند الباب لا يحق له أن يدّعي أنه عرف الدار.
الطريق الثالث: الحب بوصفه شهوداً
بين امرأة الخيال التي لا تنزل إلى الأرض، وامرأة الجسد التي تُختزل في اللذة، يفتح التصوف طريقاً ثالثاً: الشهود.
الشهود هو أن يرى الإنسان الجمال من دون أن يدّعي امتلاكه، وأن يعبر من الصورة إلى المعنى من غير أن يحتقر الصورة، وأن يحبّ الآخر بوصفه آيةً لا بوصفه أداةً لإشباع النقص.
في الفكر الأكبري، يرتبط الحب بحركة الموجود نحو الكمال الذي ينشده، ويرتبط الجمال بالتجلّي؛ أي ظهور المعنى في صورة يمكن إدراكها. ويشرح وليم تشيتيك كيف تتصل جذور الحب الإنساني، عند ابن عربي، بحركة أشمل تجعل الموجودات طالبةً لما ترى فيه كمالها 77.
لكن رؤية التجلّي في المحبوب لا تعني تأليهه، ولا تعني أن المرأة تفقد استقلالها لتصبح رمزاً في رحلة الرجل الروحية. فكل تجلٍّ مقيد بصورة، وكل صورة تظل محدودةً، بينما المعنى أوسع منها. وتكريم المرأة لا يكون بتحويلها إلى ملاك لا يخطئ، بل برؤيتها إنساناً يجتمع فيه النور والظل، القوة والهشاشة، الوضوح والغموض.
الحب في هذا المقام برزخ: يصل ولا يدمج، يقرّب ولا يمحو الحدود. يقف فيه العاشق أمام المحبوب كما يقف أمام سرّ؛ لا ليحلّه، بل ليصونه. ويصبح الفناء الحق فناءً عن إرادة التملك، لا فناء الشخصية في شخصية الآخر؛ أما البقاء فهو أن يعود كل منهما إلى ذاته أوسع مما كان، لأن المحبة كشفت له إمكاناً جديداً للوجود.
لا يبلغ العاشق سرَّ الأنثى حين يمتلك جسدها أو يحاصر صورتها؛ بل حين يتحرر من وهم امتلاكها، فيراها كما هي: ذاتاً كاملةً، وحضوراً لا ينفد معناه.
عشتار والأسطورة: من صنع الآخر؟
نعود في ختام هذه القراءة إلى السؤال الذي طرحه د. جورج توما:
هل خلقت الأسطورة عشتار، أم خلقت عشتار الأسطورة؟
ربما يكون السؤال نفسه قائماً على فصل لا وجود له. فالإنسان هو الذي أعطى عشتار اسمها وصورتها ومعبدها، لكنه لم يخلق من العدم ذلك الشوق الذي جسّدته، ولا ذلك الخوف من قوة الأنوثة، ولا الحيرة أمام الجمال الذي يمنح الحياة ويذكّر بالموت في آنٍ واحد.
لقد أودع الإنسان في عشتار رغبته ورهبته، ثم عادت عشتار، بعد أن صارت رمزاً، لتمنحه لغةً يرى بها رغبته ورهبته. صنعها كي يفهم نفسه، ثم اكتشف أنه لم يعد يستطيع فهم نفسه من دونها.
لم تغادر عشتار حين تهدمت المعابد؛ غيّرت أسماءها وأثوابها. بقيت في المرأة التي يرفعها العاشق فوق بشريتها، وفي المرأة التي يختزلها في جسدها، وفي الخوف من الأنثى القوية، وفي الحنين إلى أنوثة تمنح الوجود دفئه، وفي كل محاولة للجمع بين الجمال والجلال، والقرب والحرية، والشوق والسكينة.
غير أن الأنثى الحقيقية تظل أوسع من عشتار ومن كل أسطورة. إنها ليست الصورة التي صنعها الرجل عنها، ولا الدور الذي فرضه المجتمع عليها، ولا المرآة التي لا وظيفة لها إلا أن تعكس وجه غيرها. إنها كينونة قائمة بذاتها، تشترك مع الرجل في الإنسانية، وتنفرد عنه بتجربتها ومسارها وسرّها.
لهذا لا تكون قدسية «الأنثى–اللغز» في إبقائها مجهولةً أو إحاطتها بهالة تفصلها عن الواقع، بل في احترام ذلك الجزء منها الذي لا يحق لأحد مصادرته أو تعريفه نيابةً عنها.
فاللغز ليس جهلاً ينتظر الحل، بل معنى لا ينفد. والأنثى ليست سؤالاً وضعه الرجل كي يجيب عنه؛ قد تكون هي المرآة التي تضعه أمام السؤال الذي ظل يهرب منه:
هل أحببتَها لأنها كشفت لك حضورها، أم لأنك وجدتَ فيها الأسطورة التي أردتَ أن تصدّقها؟
وعند هذه العتبة يتوقف التملك ويبدأ الشهود؛ تسقط عشتار بوصفها صنماً، وتنهض المرأة بوصفها إنساناً. هناك فقط لا يعود الحب محاولةً لسدّ النقص، بل يصبح معرفةً متبادلةً، وحريةً متقابلةً، وسفراً من ظاهر الصورة إلى باطن المعنى.
ولعل هذا هو جوابي عن السؤال الذي أطلقه د. جورج توما قبل أعوام: نحن الذين صنعنا لعشتار صورتها، لكن عشتار، منذ أن دخلت مخيلتنا، لم تتوقف عن إعادة تشكيل شيء من صورتنا نحن.
![]()

المراجع
- الترنيمة السومرية إلى إنانا «Inana C»، مجموعة النصوص الإلكترونية للأدب السومري، جامعة أكسفورد.
- Rivkah Harris, “Inanna-Ishtar as Paradox and a Coincidence of Opposites,” History of Religions, Vol. 30, No. 3, 1991, pp. 261–278.
- Zainab Bahrani, Women of Babylon: Gender and Representation in Mesopotamia, Routledge, 2001.
- Julia M. Asher-Greve and Joan Goodnick Westenholz, Goddesses in Context: On Divine Powers, Roles, Relationships and Gender in Mesopotamian Textual and Visual Sources, Academic Press Fribourg, 2013.
- «نزول إنانا إلى العالم السفلي»، مجموعة النصوص الإلكترونية للأدب السومري، جامعة أكسفورد.
- Souad Hakim, “Ibn ‘Arabi’s Twofold Perception of Woman: Woman as Human Being and Cosmic Principle,” Journal of the Muhyiddin Ibn Arabi Society, Vol. XXXIX, 2006.
- William C. Chittick, “The Divine Roots of Human Love,” Muhyiddin Ibn Arabi Society.
سؤال المقالهل صنع الإنسان عشتار لتجسّد خوفه وشوقه إلى الأنوثة، أم أن رمز عشتار ما زال يعيد تشكيل فهمنا للحب والرغبة والمرأة؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.