
![]()
بادئة
لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من طائرات وصواريخ وقواعد فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى أهداف سياسية قابلة للاستمرار، بكلفة يمكن احتمالها، وضمن شرعية داخلية وتحالفات خارجية متماسكة. ومن هذه الزاوية، لا تكشف أزمات العقود الأخيرة عن زوال القوة الأمريكية أو الإسرائيلية، بل عن انكشاف حدودها: تفوق هائل في أدوات التدمير يقابله عجز متكرر عن إنتاج نظام سياسي مستقر أو حسم طويل الأمد.
مقدمة: حين تختلط القوة بالقدرة على الحسم
ترسّخ في قطاعات واسعة من الوعي العربي تصورٌ يرى الولايات المتحدة وإسرائيل قوتين قادرتين على فعل ما تريدان، متى أرادتا، وبالكلفة التي تختارانها. ساعدت الفجوة التقنية والعسكرية، ومعها الخطاب الدعائي المصاحب للحروب، على تحويل التفوق النسبي إلى صورة أسطورية للقوة المطلقة. لكن التفكير الاستراتيجي لا يسأل عمّا تستطيع الطائرات إصابته في يوم أو أسبوع؛ بل عمّا إذا كانت الضربة تقرّب صاحبها من غايته السياسية أم تدفعه إلى حرب أطول، وجبهة أوسع، وكلفة أعلى.
بهذا المعيار، لا تكون المسألة إعلاناً عن انهيار وشيك للولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا إنكاراً لما تمتلكانه من قدرات عسكرية واقتصادية واستخباراتية فائقة. المسألة هي اتساع الفجوة بين القدرة على إيقاع الضرر والقدرة على تشكيل اليوم التالي. وقد كشفت حروب العراق وأفغانستان وغزة، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026، أن التفوق الناري يمكن أن يفتح المعركة، لكنه لا يضمن نهايتها، ولا يحدد وحده شكل النظام الإقليمي الذي يعقبها.
من التفوق إلى الاستنزاف: ما يقوله الفكر الاستراتيجي الأمريكي
لم تبدأ مراجعة وهم القوة المطلقة خارج الولايات المتحدة، بل داخلها. ففي كتابه «حدود القوة» رأى أندرو بيسافيتش أن النزعة إلى توسيع الالتزامات العسكرية الأمريكية تجاوزت قدرة الدولة على تحقيق أهدافها، وأن الإفراط في الاعتماد على القوة المسلحة أخفى خللاً أعمق في تعريف المصلحة الوطنية [1]. ثم عاد في «عهد الأوهام» ليحلل كيف أهدرت واشنطن لحظة التفوق التي أعقبت الحرب الباردة، حين تعاملت مع الأحادية القطبية بوصفها تفويضاً مفتوحاً لإعادة تشكيل العالم [2].
تنبع أهمية هذه المراجعة من أنها تميّز بين القوة بوصفها مخزوناً مادياً، وبين الاستراتيجية بوصفها صلةً عقلانية بين الوسائل والغايات. فقد تستطيع دولة تدمير جيش خصم أو شل منشآت حيوية، ثم تجد نفسها أمام مؤسسات منهارة، ومقاومة ممتدة، وحلفاء مترددين، ورأي عام يسأل عن الجدوى. عند هذه النقطة تتحول القوة من أداة لإنجاز الهدف إلى موردٍ يُستنزف في حماية نتائج لم تستقر.
«القوة التي تستطيع فتح الحرب، ولا تستطيع تحديد نهايتها، ليست قوة مطلقة؛ إنها قدرة ضخمة محكومة بحدود السياسة والزمن والكلفة.»
“سامية الحسيني“
حرب إيران 2026: اختبار العلاقة بين النار والغاية
قدّمت الحرب التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026 اختباراً مكثفاً لهذه الفجوة. فالولايات المتحدة وإسرائيل أظهرتا قدرة عالية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، وإلحاق أضرار بمنشآت عسكرية ونووية، وتعطيل أجزاء من البنية القتالية الإيرانية. لكن السؤال الاستراتيجي لم يكن يوماً: هل تستطيعان الضرب؟ بل: هل تقود الضربات إلى إنهاء التهديد، أو فرض تسوية مستقرة، أو منع إعادة بناء القدرات المستهدفة؟
تشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن العمليات الأمريكية ضد إيران كلّفت وزارة الدفاع نحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب/أغسطس 2026، مع كلفة شهرية إضافية تتراوح بين ملياري دولار وثلاثة مليارات تبعاً لشدة القتال. والأهم أن التقرير حذّر من أن الاستهلاك الكبير لاعتراضات الدفاع الصاروخي سيترك المخزون الأمريكي منخفضاً لسنوات، بما قد يقيّد الاستعداد لصراع آخر مع خصم يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ، مثل الصين [3].
هذه ليست علامة على العجز العسكري، لكنها دليل واضح على أن كل مسرح حرب يستهلك خيارات مسارح أخرى.
كما أن الحرب أظهرت أن النجاح التكتيكي لا يساوي بالضرورة حلاً استراتيجياً. ففي تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، سُجلت أضرار في مواقع ومنشآت إيرانية، لكن الوكالة أوضحت أيضاً أن العمليات العسكرية أوقفت أنشطة التحقق الميداني لفترة وقلّصت القدرة على متابعة المواد والمنشآت الخاضعة للضمانات [4]. أي إن الضرب قد يدمر بنيةً مادية، لكنه قد يضعف في الوقت نفسه أدوات الرقابة التي يحتاج إليها المجتمع الدولي لمعرفة ما بقي وما أُعيد بناؤه.
القواعد التي تحولت إلى أهداف
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مثّل الانتشار العسكري الأمريكي شبكةً لردع الخصوم وطمأنة الحلفاء وتسهيل التدخل السريع. غير أن الحرب الصاروخية والمسيّرات الرخيصة غيّرت وظيفة هذه الشبكة جزئياً؛ فالقواعد الكبيرة والمخازن ومراكز القيادة لم تعد منصات آمنة خارج ميدان القتال، بل صارت أهدافاً ثابتة يمكن تهديدها بكلفة أقل من كلفة حمايتها.
وقد سبقت لمنصة مآلات قراءة التحولات التي أحدثتها المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في بنية التهديد الإقليمي ومستقبل توازن القوى.
خلص تحليل لمركز ستيمسون، بعد حرب 2026، إلى أن شبكة القواعد الخليجية المصممة لعصر التفوق الجوي غير المتنازع عليه بدت شديدة التركّز أمام حرب طويلة بالصواريخ والمسيّرات، وأن المطلوب ليس انسحاباً أمريكياً شاملاً، بل انتشار أكثر تشتتاً ومرونة وقدرة على البقاء [5]. وهذه الخلاصة مهمة لأنها تنقل النقاش من ثنائية «وجود أو رحيل» إلى سؤال أدق: ما مقدار القوة التي يمكن حمايتها، وبأي كلفة، ومن دون تحويل الدول المضيفة إلى ساحات ردٍّ وانتقام؟
«حين تحتاج القاعدة إلى منظومة دفاع أضخم من القوة التي يُفترض أن تحميها، تتحول من رمز للردع إلى عنوان للاستنزاف.»
“سامية الحسيني“
القوة الإسرائيلية: تفوق عملياتي واعتماد استراتيجي
تظهر حدود القوة الإسرائيلية في مفارقة مشابهة. فإسرائيل تمتلك تفوقاً نوعياً في الاستخبارات والطيران والتقنيات السيبرانية والدفاع الصاروخي، واستطاعت توجيه ضربات قاسية إلى خصومها. لكن استمرار الحرب على جبهات متعددة كشف أن قدرتها على إدامة هذا التفوق مرتبطة ارتباطاً بنيوياً بالدعم الأمريكي: التمويل، والذخائر، والطائرات، وإعادة ملء مخزون الاعتراضات، والمساندة الدبلوماسية.
يوثق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس أن الولايات المتحدة تعهدت، ضمن مذكرة التفاهم للفترة 2019–2028، بتقديم 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية وتمويل الدفاع الصاروخي، وأنها قدمت لإسرائيل حتى عام 2025 نحو 175 مليار دولار بالقيمة الاسمية، فضلاً عن اعتمادات طارئة كبيرة منذ حرب غزة. كما شملت المساعدات عام 2024 مليارات إضافية للدفاع الصاروخي ومنظومة «الشعاع الحديدي» [6]. لا تنفي هذه الأرقام قدرة إسرائيل الذاتية، لكنها تكشف أن صورة «القوة المنفردة» لا تطابق البنية الفعلية لتفوقها.
ثمّة حدّ سياسي أيضاً. فالقصف قادر على قتل قيادات وتدمير مخازن، لكنه لا يصنع شرعيةً لليوم التالي، ولا يحل أصل النزاع الفلسطيني، ولا يضمن أن يتحول الردع المؤقت إلى أمن دائم. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الفجوة بين الإنجاز العسكري الآني وبين الضرر الدبلوماسي والاقتصادي والإنساني المتراكم.
إن حدود القوة الإسرائيلية لا تظهر فقط عندما تفشل منظومة دفاع في اعتراض صاروخ، بل حين تنجح العملية عسكرياً وتبقى المشكلة السياسية على حالها أو تصبح أشد تعقيداً.
القيود الدستورية ليست تفصيلاً إجرائياً
تُقدَّم القيود الداخلية أحياناً بوصفها ضعفاً غربياً، لكنها في الحقيقة جزء من بنية القوة وحدود استخدامها. يمنح الدستور الأمريكي الكونغرس سلطة إعلان الحرب والتمويل، فيما دأبت الإدارات المتعاقبة على تفسير صلاحيات الرئيس تفسيراً أوسع في العمليات المحدودة. وقد حاول قرار سلطات الحرب لعام 1973 تنظيم هذه المنطقة المتنازع عليها، من دون أن ينهي الخلاف بين السلطتين [7].
المعنى الاستراتيجي لذلك أن استمرار الحرب لا يعتمد على القدرة العسكرية وحدها، بل على قبول المجتمع كلفتها، وعلى تمويل الكونغرس، وعلى قدرة الإدارة على شرح الغاية والمدة ومعيار النجاح. وحين تغيب هذه العناصر، يصبح الزمن خصماً للقوة؛ إذ تتراجع الشرعية الداخلية، وتتعقد الموازنات، ويتحول كل شهر إضافي إلى سؤال سياسي لا يستطيع التفوق التقني الإجابة عنه.
انحسار الهيمنة أم إعادة توزيع للنفوذ؟
لا يعني تراجع القدرة على الانفراد بالقرار أن الولايات المتحدة غابت عن العالم. فهي ما تزال صاحبة أكبر شبكة تحالفات وقواعد، والدولار ما يزال محور النظام المالي، والاقتصاد الأمريكي يحتفظ بثقل تكنولوجي وعلمي استثنائي. لكن ما يتراجع هو احتكار تشكيل القواعد والنتائج. ففي أفريقيا، مثلاً، تشير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن الصين أصبحت أكبر شريك تجاري للقارة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وأن قيمة تجارتها السلعية مع أفريقيا في عام 2023 قاربت خمسة أضعاف التجارة الأمريكية، بينما وسعت روسيا حضورها الأمني في دول الساحل وأماكن أخرى [8].
هذا التحول لا يمنح الصين أو روسيا قدرة تلقائية على «ملء الفراغ». فبكين تفضّل النفوذ الاقتصادي والبنية التحتية وتتحاشى غالباً أعباء الضمان الأمني الشامل، فيما تملك موسكو أدوات أمنية وعسكرية أقل حجماً من الأدوات الأمريكية وتعاني قيوداً اقتصادية واضحة.
الأقرب أننا أمام نظام تتوزع فيه القدرة على التعطيل والمساومة بين قوى عدة، لا أمام انتقال بسيط للهيمنة من عاصمة إلى أخرى.
لماذا تفشل نظرية «ضرب الرأس»؟
يقوم رهان «ضرب الرأس» على افتراض أن الدولة المستهدفة شديدة المركزية، وأن إزالة القيادة أو تعطيلها كفيل بشل المؤسسات وإحداث انهيار سريع. غير أن الدول التي طورت شبكات قيادة بديلة، وأجهزة بيروقراطية وأمنية متداخلة، وهوية وطنية تتجاوز النظام الحاكم، قد تمتص الضربة وتعيد توزيع الصلاحيات. وقد تؤدي الضربات الخارجية، حتى في مجتمع منقسم داخلياً، إلى تنشيط شعور دفاعي لا يعني تأييد النظام بقدر ما يعني رفض الإملاء الخارجي.
لكن تجنب التبسيط يقتضي القول إن الالتفاف الوطني ليس مضموناً ولا دائماً. فالحرب قد توحد المجتمع مؤقتاً، ثم تكشف لاحقاً أزمات الشرعية والاقتصاد والقمع. لذلك لا يصح استبدال أسطورةٍ بأخرى: لا تؤدي الضربة حتماً إلى انهيار الدولة، كما أن الصمود العسكري لا يثبت بالضرورة متانة النظام السياسي. معيار التحليل هو ما إذا تغيّر سلوك الدولة، واستقرت التسوية، وانخفض الخطر، لا مجرد بقاء المؤسسات بعد الضربة الأولى.
الدرس العربي: من الخوف إلى الحساب
أخطر ما فعلته صورة القوة المطلقة في الوعي العربي أنها دفعت إلى نتيجتين متناقضتين: الاستسلام المسبق من جهة، والمبالغة في تقدير أي مقاومة رمزية من جهة أخرى. أما القراءة الواقعية فتتطلب رفض الطرفين. فالولايات المتحدة وإسرائيل ليستا قادرتين على كل شيء، لكنهما ليستا قوتين واهنتين؛ وخصومهما يستطيعون فرض كلفة وتعطيل أهداف، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة مشروعاً بديلاً قابلاً للحياة.
ينبغي أن يبدأ بناء الاستقلال العربي من مؤسسات فعالة، واقتصادات منتجة، ومعرفة تقنية، ودفاع متكامل، وتحالفات مرنة، وشرعية سياسية داخلية. فالسيادة لا تُستعاد بالشعارات ولا بانتظار انكفاء قوة دولية، بل بزيادة قدرة الدولة والمجتمع على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. وما تمنحه لحظة انكشاف الحدود ليس وعداً بانتصار مجاني، بل مساحة مناورة لمن يحسن القراءة والتنظيم.
«التحرر من وهم القوة الأمريكية والإسرائيلية لا يبدأ بإنكارها، بل بقياسها بدقة وبناء قوة عربية تعرف ما تستطيع وما تريد.»
“سامية الحسيني“
خاتمة: نهاية الوهم لا نهاية القوة
تكشف الأزمات الكبرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على تدمير أهداف معقدة، وفرض أثمان باهظة، وتغيير موازين ميدانية في وقت قصير. لكنها تكشف أيضاً أن الحسم السياسي أكثر استعصاءً من الحسم الناري، وأن الذخائر والتحالفات والقواعد والشرعية والاقتصاد ليست موارد بلا نهاية. ومن هنا، فإن الأدق من الحديث عن «سقوط» وشيك هو الحديث عن انتقال من هيمنة واسعة الهامش إلى قوة مضطرة للحساب والمفاضلة والتفاوض.
إن أفول الهيمنة، بهذا المعنى، ليس لحظةً درامية تنهار فيها إمبراطورية دفعة واحدة، بل مسار تتزايد فيه كلفة كل قرار، وتتراجع القدرة على إدارة أزمات متعددة في آن واحد، ويصبح الخصم الأضعف قادراً على منع النصر الكامل ولو عجز عن تحقيق نصره الخاص. هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن تدخل الوعي العربي: لا خوف أسطورياً من قوة بلا حدود، ولا اطمئنان ساذجاً إلى زوالها، بل فهمٌ واقعي لموازين تتغير وفرص لا يستفيد منها إلا من يملك مشروعاً ومؤسسات وإرادة سياسية محسوبة.


المراجع
[1] بيل مويرز يحاور أندرو بيسافيتش حول كتاب «حدود القوة»، PBS، 15 آب/أغسطس 2008.
[2] مراجعة كتاب «عهد الأوهام» لأندرو بيسافيتش، الغارديان، 18 كانون الثاني/يناير 2020.
[3] مكتب الميزانية في الكونغرس، «تقدير كلفة العمليات القتالية ضد إيران»، 15 أيلول/سبتمبر 2026.
[4] الوكالة الدولية للطاقة الذرية، «تنفيذ اتفاق الضمانات في إيران»، GOV/2026/50، 1 أيلول/سبتمبر 2026.
[5] مركز ستيمسون، «مستقبل تمركز القوات الأمريكية في الخليج بعد حرب إيران 2026»، 2 أيلول/سبتمبر 2026.
سؤال المقال
إلى أيّ مدى كشفت الأزمات والحروب الأخيرة أن التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، على ضخامته، لا يضمن تحقيق الحسم السياسي أو فرض مآلات مستقرة؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.