
![]()
الخلل ليس في حجم إيران بل في فهم سلوكها
الخلل الاستراتيجي العالمي لا يكمن في تقدير حجم إيران، بل في سوء فهم طبيعة سلوكها. ففي كل مرة يُستبدل فيها الردع بالتفاوض، يتحول التهديد من حالة قابلة للاحتواء إلى بنية قابلة لإعادة الإنتاج. وهذا ما يجعل هرمز اليوم مسألةً تتعلق بشكل النظام الدولي، لا بممر مائي فقط.
“الخلل الاستراتيجي العالمي لا يكمن في تقدير حجم إيران، بل في سوء فهم طبيعة سلوكها.”
“كرم خليل”
حين يفقد التهديد وظيفته
في هذا السياق، لم يعد تهديد المضيق أداة ضغط فعالة، بل عاملاً مسرّعاً لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي والجغرافي. فالدول لا تبقى رهينة نقطة اختناق إلى الأبد، بل تبني بدائلها. وبذلك تتحول ورقة القوة الإيرانية إلى عامل يدفع الآخرين إلى إقامة نظام طاقة لا يمر عبرها.
واشنطن: من إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة البيئة
واشنطن تدرك هذه المعادلة بوضوح. وما يبدو تردداً ليس غياب قرار، بل انتقالاً من إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة البيئة التي تنتجها. فالهدف لم يعد فقط احتواء إيران، بل تقليص قدرتها البنيوية على التأثير عبر كسر مركزية الجغرافيا التي تستند إليها.
جوهر الاستراتيجية الأميركية
تقوم الاستراتيجية الأميركية على مبدأ واضح: عدم مواجهة التهديد في شكله الحالي فقط، بل منع إعادة إنتاجه مستقبلاً. ولهذا يجري دفع الحلفاء نحو بناء بدائل، وتحميلهم مسؤولية أمنهم، وتحويل السلوك الإيراني من ورقة ضغط إلى عبء يُسرّع فقدان طهران لموقعها.
“ما يبدو تردداً أميركياً ليس غياب قرار، بل انتقالاً من إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة البيئة التي تنتجها.”
“كرم خليل”
أوروبا: دبلوماسية التأجيل لا سياسة الردع
في المقابل، تكشف أوروبا عن خلل أعمق من مجرد ضعف سياسي. فهي لا تفشل في الردع فقط، بل تختار تجنبه. والمقاربة التي تتبناها بعض العواصم، وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، تقوم على شراء الاستقرار قصير الأمد، حتى لو كان الثمن ترسيخ تهديد طويل الأمد.
هذا السلوك ليس دبلوماسية، بل إدارة تأجيل.
فتحويل إيران إلى شريك تفاوضي في ملف هرمز لا يعالج الأزمة، بل يطبعها. وكل مرة يجري فيها التعامل مع التهديد بوصفه واقعاً قابلاً للتكيف، يتحول هذا الواقع إلى قاعدة، ويتحول الابتزاز إلى أداة مقبولة ضمن النظام الدولي.
الناتو وإعادة تعريف التوازنات
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فصل النقاش حول مستقبل حلف شمال الأطلسي عن عملية إعادة تعريف التوازنات. فإعادة ضبط الناتو ليست تفكيكاً للتحالف، بل إعادة توزيع للعبء. والولايات المتحدة لم تعد ترى في استمرار الصيغة الحالية مصلحةً استراتيجيةً من دون التزام أوروبي موازٍ.
أوروبا بين الشراكة والتحول إلى ساحة
إذا لم تتمكن أوروبا من بناء قدرة دفاعية مستقلة، فإنها لن تبقى شريكاً، بل ستتحول إلى مساحة مفتوحة لتوازنات خارجية. وهذا الفراغ لن يُترك فارغاً، بل ستملؤه قوى مثل روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، والصين بقيادة شي جين بينغ، بما يعيد رسم ميزان القوة الدولي.
سوريا وكسر أحد أركان النفوذ الإيراني
في خضم هذا التحول، تبرز سوريا عاملاً حاسماً في كسر أحد أهم أركان النفوذ الإيراني. فهي لم تعد مجرد ممر عبور استراتيجي، بل تتحول إلى دولة تسعى إلى الحياد وإعادة التموضع. كما أن ضبط الحدود وتقليص النفوذ الإيراني سحب من طهران أحد أهم خطوطها الجيوسياسية.
من خسارة الممر إلى تآكل القدرة على الامتداد
هذا التحول لا يغيّر موقع سوريا فقط، بل يفرض واقعاً جديداً على إيران. ففقدان القدرة على الربط بين الجغرافيا الداخلية والأذرع الإقليمية يعني تآكل القدرة على تحويل النفوذ إلى تأثير. وهنا تبدأ إيران بفقدان ما هو أخطر من الأرض: قدرتها على الاستمرار قوةً ممتدةً.
لحظة حسم مؤجلة
العالم اليوم لا يواجه أزمةً في مضيق هرمز، بل لحظة حسم مؤجلة.
السؤال لم يعد: هل التهديد الإيراني قائم؟ بل: هل سيجري إنهاء شروط إنتاجه، أم تركه يعيد تشكيل نفسه ضمن بيئة دولية مترددة؟
خاتمة:
الاستراتيجية الأمريكية: من لا يتكيف يُقصي نفسه
بالنسبة إلى واشنطن، المعركة ليست في الخليج فقط، بل في بنية النظام الذي سيتشكل بعده. وبالنسبة إلى العرب، لم تعد المسألة توازنات، بل بناء منظومة تقلل قابلية الابتزاز. أما أوروبا، فهي أمام اختبار وجودي بين أن تكون قوةً أو ساحةً.
“الدول لا تُقصى لأنها ضعيفة، بل لأنها تدفع الآخرين، بسلوكها، إلى بناء نظام لا مكان لها فيه.”
“كرم خليل”







