
توطئة
ليست سوريا وطناً عابراً في ذاكرة الأديان، ولا رقعة جغرافية مرّت فوقها العقائد كما تمرّ الرياح فوق الحجارة. إنها واحدة من تلك البلاد التي تحوّل فيها الدين إلى لغة، واللغة إلى عمران، والعمران إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية جمعية يصعب اختزالها في مذهب أو جماعة أو سلطة. في مدنها وقراها، لم يكن الصليب غريباً عن المئذنة، ولا رنين النواقيس طارئاً على الأذان، ولا الكنيسة هامشاً على المدينة، بل كانت هذه الرموز، على اختلاف معانيها الإيمانية، جزءاً من تكوين المكان ووجدانه العميق.
غير أن هذا التاريخ لا يجوز أن يُقرأ بعين رومانسية تغفل التوترات، ولا بعين أيديولوجية لا ترى إلا الصدام. فالشام لم يكن فردوساً صافياً من النزاع، لكنه لم يكن أيضاً مسرحاً أبدياً للكراهية. قوته التاريخية لم تكن في غياب الخلاف، بل في قدرته الطويلة على إنتاج الجوار، وإدارة الاختلاف، وترويض الخوف داخل نسيج اجتماعي واحد.
“الأوطان لا تنهار عندما تختلف عقائد أبنائها، بل تنهار عندما تتحول العقائد إلى متاريس، والخوف إلى سياسة، والمواطنة إلى امتياز تمنحه السلطة لمن تشاء.”
“د. جورج توما“
من هنا تنبع إشكالية هذا المقال: كيف تحوّل العيش الإسلامي–المسيحي في بلاد الشام من بنية اجتماعية وثقافية متجذرة إلى ملف سياسي قابل للتوظيف، ثم إلى تحدٍّ وطني يحتاج اليوم إلى إعادة بناء على قاعدة المواطنة؟ وكيف يمكن لسوريا، بعد عقود من الاستبداد والحرب والتطرف، أن تستعيد وفاقها الوطني لا بوصفه شعاراً إنشائياً، بل بوصفه عقداً مدنياً عادلاً؟
أولاً: العتبة البصرية – حين تختصر الصورة تاريخاً طويلاً
في الكثير من حارات المدن السورية الكبرى، تتجاور بعض الجوامع مع الكنائس حتى تكاد تتلاصق ببعضها، حيث يلتقي المشهد الشامي في تكوين رمزي شديد الدلالة: قبة كنيسة، ومئذنة، وقبة مسجد، ومدينة عتيقة ينسكب عليها ضوء دافئ كأنه قادم من ذاكرة أقدم من السياسة. ليس المشهد إلا عتبة فكرية تختصر سؤالاً عميقاً: هل كان اجتماع هذه الرموز في المكان مجرد صدفة عمرانية، أم أنه يكشف عن بنية تاريخية أعمق عاشتها بلاد الشام قروناً طويلة؟
تبدو القبة والمئذنة والصليب في تجاورها كأنها شواهد على تعايش لم يبدأ ببيانات سياسية، ولم تصنعه مؤتمرات المصالحة، بل صنعته الحياة اليومية: الجوار، السوق، المدرسة، الحرفة، العائلة، الزيارة، التعزية، التهنئة، وتقاسم الخوف والخبز واللغة. فالعمران في الشام لم يكن حجارة فقط؛ كان وثيقة اجتماعية طويلة كتبتها الأجيال دون أن تدرك أنها تؤرخ لفلسفة عيش كاملة.
لكن قراءة هذا المشهد تفرض الحذر. فليس الهدف تحويل واقع التجاور إلى أسطورة عن ماضٍ مثالي لم يعرف التوتر. التاريخ الشامي، مثل كل تاريخ حيّ، عرف القوة والضعف، التسامح والتمييز، الانفتاح والانغلاق، الدولة العادلة والدولة المتسلطة. غير أن ما يميز التجربة الشامية هو أن الاختلاف الديني لم يمنع، في مراحل طويلة، نشوء حياة مشتركة أعمق من نصوص السياسة وأبقى من تبدل الحكام.
ثانياً: لماذا هذا المقال الآن؟
لا يأتي سؤال المسيحية المشرقية والعيش الإسلامي–المسيحي في سوريا اليوم من باب الحنين الثقافي وحده، بل من قلب أزمة وطنية مفتوحة. فسوريا الخارجة من عقود الاستبداد، ثم من حرب مدمرة، ثم من صعود قوى متطرفة، لا تستطيع إعادة بناء ذاتها إذا بقيت تنظر إلى مكوناتها الدينية كملفات أمنية أو جماعات قلقة تحتاج إلى تطمين موسمي.
المشكلة ليست في التعدد السوري. المشكلة في فشل الدولة الحديثة، وخاصة الدولة السلطوية، في تحويل هذا التعدد إلى مواطنة مستقرة. فالدولة التي لا تبني عقداً مدنياً عادلاً تترك المجتمع نهباً لهويات خائفة، وكل هوية خائفة تصبح قابلة للتوظيف من سلطة أو حزب أو فصيل أو قوة خارجية.
ولهذا يقوم المقال على أربعة مستويات تحليلية متداخلة: مستوى تاريخي يتناول نشأة المسيحية المشرقية في الشام، ومستوى حضاري يقرأ تشكل العيش الإسلامي–المسيحي بعد الفتح، ومستوى سياسي يدرس كيف وظّفت السلطة الخوف والهويات الدينية، ومستوى استشرافي يبحث في شروط الوفاق الوطني والمدني في سوريا المقبلة.
ثالثاً: الشام قبل الإسلام – المسيحية المشرقية بوصفها أحد جذور الهوية السورية
لا يمكن فهم سوريا، ولا بلاد الشام عموماً، من دون الاعتراف بأن المسيحية ليست وافداً طارئاً على هذه الأرض. فالمسيحية المشرقية جزء من التكوين المبكر للمنطقة، ومن الذاكرة الروحية واللغوية والعمرانية التي سبقت الفتح الإسلامي بقرون. وحين يقال إن الشام أرض مسيحية قديمة، فليس المقصود بذلك نزعها من لاحقها الإسلامي، بل إعادة وصل تاريخها بسلسلة كاملة من طبقات الهوية التي تعاقبت ولم تُلغِ بعضها بعضاً.
كانت أنطاكية واحدة من أبرز الحواضر المسيحية المبكرة؛ وفيها، بحسب سفر أعمال الرسل، دُعي التلاميذ “مسيحيين” أول مرة، وهي دلالة رمزية عميقة على أن التسمية نفسها ارتبطت بالمجال السوري–الشامي القديم. كما ارتبطت دمشق في الذاكرة المسيحية بتحول بولس الرسول، حين أصبح طريق دمشق رمزاً عالمياً لتحول الروح من المطاردة إلى الإيمان، ومن العنف إلى الرسالة. (Bible Gateway)
ولم يكن الحضور المسيحي الشامي مجرد حضور طقسي أو كنسي، بل كان حضوراً لاهوتياً وثقافياً ولغوياً. فقد شكّلت السريانية والآرامية جسراً بين الدين والحياة اليومية، وبين النص المقدس والوجدان الشعبي. وكانت الرها ونصيبين وأنطاكية ودمشق وسائر الحواضر الشامية والمشرقية مراكز لإنتاج اللاهوت واللغة والترجمة والتعليم والرهبنة، لا مجرد محطات جغرافية في تاريخ الكنائس.
في هذا السياق، يبرز القديس سمعان العمودي بوصفه مثالاً على الزهد السوري القديم الذي شدّ أنظار العالم المسيحي. فقد عاش، بحسب الروايات المتداولة، حياة نسكية قاسية قرب حلب، وأصبح نموذجاً لتلك الروحانية التي خرجت من أرض الشام لا من عواصم الإمبراطوريات. كما يُستحضر مار مارون، ويوحنا فم الذهب، وأفرام السرياني، وغيرهم من أعلام المشرق، لا باعتبارهم أسماء كنسية مغلقة داخل تاريخ طائفي، بل بوصفهم علامات على أن هذه الأرض كانت مختبراً مبكراً لعلاقة الإنسان بالله واللغة والمجتمع.
لقد أنتجت المسيحية الشامية روحانية قريبة من الأرض: رهبنة في الجبال والبراري، أديرة تستقبل الغرباء، مدارس تعلم اللغة واللاهوت، وأدبيات زهدية ترى في الإنسان كائناً مسؤولاً لا أمام السماء وحدها، بل أمام الفقير والغريب والعابر. ومن هنا، فإن المسيحيين في سوريا ليسوا “أقلية طارئة”، بل مكوّن أصيل من ذاكرة البلاد، ومن طبقاتها اللغوية والعمرانية والوجدانية.
“المسيحي السوري لا يحتاج إلى شهادة إقامة في التاريخ؛ فهو أحد شهوده الأوائل، وأحد الذين تركوا في حجر الشام ولغتها وصلواتها أثراً لا تمحوه التحولات السياسية.”
“د. جورج توما“
رابعاً: الفتح الإسلامي وتحول المجال الشامي – من انتقال السلطة إلى نشوء صيغة عيش جديدة
حين دخل الإسلام بلاد الشام، لم يدخل إلى فراغ ديني أو ثقافي، بل دخل إلى فضاء مسيحي–يهودي–وثني قديم، متصل بالإمبراطورية البيزنطية، ومتشعب في لغاته وطقوسه ومراكزه الاجتماعية. لذلك لا يجوز قراءة الفتح الإسلامي بمنطق تبسيطي يضعه بين صورتين متقابلتين: صورة مثالية تزعم أن التاريخ كله كان تسامحاً مطلقاً، وصورة صدامية تزعم أنه كان إلغاءً كاملاً لما قبله.
الأدق أن الفتح الإسلامي كان انتقالاً تاريخياً كبيراً أعاد تشكيل السلطة واللغة والقانون، لكنه لم يلغِ الحضور المسيحي، ولم يستأصل البنية الاجتماعية القائمة. فقد بقيت الكنائس والأديرة والمجتمعات المحلية، واستمرت الخبرات الإدارية والطبية واللغوية للمسيحيين في خدمة المجال العام، خاصة في العصر الأموي الذي جعل دمشق مركزاً سياسياً لحضارة صاعدة.
تحتل وصايا أبي بكر للجيوش مكانة مهمة في الذاكرة الإسلامية، وخاصة ما يتصل بعدم هدم الصوامع وعدم قتل الرهبان وعدم قطع الأشجار. وسواء قُرئت هذه النصوص بوصفها وصايا مؤسسة أو بوصفها جزءاً من الذاكرة الأخلاقية الإسلامية، فإن حضورها في السرد التاريخي يكشف عن وعي مبكر بأن إدارة البلاد المفتوحة لا تقوم على سحق أهلها، بل على تنظيم العلاقة معهم.
ومن النماذج الرمزية المهمة في هذا المجال العهدة العمرية، وكتب الأمان، ومنها ما نُسب إلى خالد بن الوليد لأهل دمشق من ضمان لأنفسهم وكنائسهم وأموالهم. غير أن القراءة الأكاديمية تقتضي التنبيه إلى أن كثيراً من هذه النصوص وصل عبر روايات متعددة وصيغ لاحقة، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها جزءاً من الذاكرة السياسية والقانونية الإسلامية، لا بوصفها دائماً وثائق إدارية مغلقة لا نقاش في ألفاظها.
أما قصة كنيسة يوحنا المعمدان والجامع الأموي في دمشق، فهي من أكثر الرموز دلالة على تداخل الذاكرة الدينية والعمرانية في المدينة. فالمكان نفسه حمل، عبر الزمن، طبقات متعددة من القداسة والسلطة والرمز. وقيمته ليست في تقديمه دليلاً نهائياً على تسامح مطلق، بل في كونه شاهداً على أن دمشق كانت مدينة تتراكم فيها الذاكرات، لا مدينة تمحو ذاكرة لتقيم أخرى.
في العصر الأموي، لم يكن المسيحيون مجرد جماعة هامشية تعيش على أطراف الدولة، بل شاركوا في الإدارة والدواوين والمعرفة والترجمة، ضمن سياق كان يشهد تعريباً تدريجياً وأسلمة للمجال العام. وتشير الدراسات حول يوحنا الدمشقي وبيئته إلى أن المرحلة الأموية شهدت تفاعلاً عميقاً بين التعريب والأسلمة من جهة، وبين تشكل الاستجابات المسيحية المشرقية للإسلام من جهة أخرى. (Hugoye)
هنا يظهر وجه مهم من التجربة الشامية: لم يكن اللقاء الإسلامي–المسيحي مجرد لقاء عقائد، بل لقاء مؤسسات ولغات ومصالح وخبرات. وفي مثل هذا اللقاء لا تختفي الفوارق، لكنها تتحول إلى جزء من إدارة الحياة لا إلى سبب دائم لإلغائها.
خامساً: العيش المشترك بوصفه حياة يومية لا شعاراً سياسياً
تخطئ القراءة السياسية الضيقة حين تظن أن العيش الإسلامي–المسيحي في الشام صُنع بالعهود الرسمية وحدها. فالنصوص القانونية مهمة، لكنها لا تكفي لتفسير استمرار قرون من الجوار. ما صنع العيش المشترك حقاً هو الحياة اليومية: سوق الحدادين والنجارين والعطارين، بيوت الأحياء المختلطة، القرى المتجاورة، المواسم الزراعية، تبادل الطعام، حضور الأفراح والأحزان، واحترام المقدسات حتى عند من لا يؤمن بها.
في دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وصيدنايا ومعلولا ووادي النصارى والجزيرة السورية، لم يكن الدين مجرد عقيدة فردية، بل كان أيضاً هوية اجتماعية وثقافية. غير أن هذه الهوية لم تكن دائماً جداراً عازلاً. فكثيراً ما كانت العائلات تعرف بعضها بالاسم والمهنة والخلق قبل أن تعرف بعضها بالتصنيف الطائفي. وكانت العلاقات الاقتصادية والإنسانية اليومية أقوى أحياناً من خطب التحريض ومن رغبات السلطة في الفرز.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن هذا التاريخ لم يكن صافياً من التوترات. فقد عرفت المنطقة تمايزات قانونية واجتماعية، وعرفت أزمات، وعرفت لحظات خوف، كما عرفت فترات ازدهار وتداخل. لذلك فإن القيمة الحقيقية للتجربة الشامية لا تكمن في أنها ألغت التوتر، بل في أنها امتلكت، في مراحل طويلة، قدرة اجتماعية على احتوائه.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الدين بوصفه إيماناً، والدين بوصفه هوية اجتماعية، والدين بوصفه أداة سياسية. الخطر لا يأتي غالباً من الإيمان نفسه، بل من تحويل الهوية الدينية إلى أداة تعبئة وخوف وولاء. وحين تتحول العقيدة إلى بطاقة أمنية، يفقد الدين صفاءه، وتفقد السياسة عقلها، ويفقد الوطن توازنه.
إطار مفاهيمي أول: من “التسامح” إلى “المواطنة”
كثيراً ما تُستخدم كلمة “التسامح” في وصف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. غير أن هذه الكلمة، على جمالها الأخلاقي، لا تكفي لبناء دولة حديثة. فالتسامح قد يعني، أحياناً، أن طرفاً قوياً “يسمح” لطرف أضعف بالبقاء. أما المواطنة فتعني أن حق البقاء والمشاركة والكرامة ليس منحة من أحد، بل حق أصيل لكل فرد.
لذلك لا يحتاج المسيحي في سوريا المستقبل إلى حماية خاصة لأنه مسيحي، ولا يحتاج المسلم إلى امتياز خاص لأنه مسلم. كلاهما يحتاج إلى دولة قانون، ومساواة دستورية، وقضاء مستقل، وحق في العبادة والتعبير والملكية والمشاركة السياسية. هذا هو الفرق بين مجتمع يطلب الطمأنة من الأقوياء، ووطن يمنح الأمان بقوة القانون.
وقد عبّر ياسين الحاج صالح عن هذه الفكرة بوضوح حين كتب أن ما تحتاجه سوريا ليس “سياسة حماية الأقليات”، بل حقوقاً مدنية واقتصادية للجميع على أساس المواطنة. (The Century Foundation)
سادساً: من العثمانيين إلى الدولة الوطنية – التحول من الجماعة الدينية إلى فكرة المواطنة
لا يمكن القفز من العصر الأموي إلى عهد الأسد من دون المرور بالحلقة العثمانية والنهضوية والانتدابية. فهذه المراحل صنعت التحول الكبير من مفهوم الجماعة الدينية إلى مفهوم المواطن، حتى وإن بقي هذا التحول ناقصاً ومضطرباً.
في العهد العثماني، عاش المسيحيون ضمن نظام الملل الذي منح الجماعات الدينية نوعاً من الاعتراف الذاتي في مسائل الأحوال الشخصية والإدارة الداخلية، لكنه أبقاها أيضاً داخل منطق الجماعة لا منطق المواطنة الفردية. كان هذا النظام يوفر قدراً من الحماية، لكنه لم يكن مساواة حديثة، لأنه تعامل مع الناس بوصفهم أعضاء في جماعات دينية لا مواطنين متساوين أمام قانون واحد.
في القرن التاسع عشر، ومع الإصلاحات العثمانية وصعود النهضة العربية، دخل المسيحيون الشوام مرحلة جديدة من الفاعلية الثقافية. فقد أسهموا في الصحافة، والتعليم، والترجمة، والطباعة، وتحديث اللغة العربية، وتأسيس المدارس والجمعيات، وفتح أفق جديد للفكر العربي الحديث. ولم تكن هذه المشاركة خروجاً من الهوية المسيحية، بل كانت توسيعاً لمعنى الانتماء، بحيث صار المسيحي الشامي فاعلاً في النهضة العربية لا شاهداً خارجها.
وتبرز في هذا السياق أسماء مثل بطرس البستاني، وناصيف اليازجي، وجرجي زيدان، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، وغيرهم من أعلام النهضة والمهجر. لم يكن هؤلاء “أدباء مسيحيين” فقط، بل كانوا جزءاً من تشكل العقل العربي الحديث. وقد ارتبطت النهضة العربية، في بيروت ودمشق وحلب والقاهرة، بدور واضح للمسيحيين في الصحافة والتعليم والترجمة والطباعة. (Wikipedia)
ثم جاءت مرحلة الانتداب وبواكير الدولة الوطنية لتفتح سؤال الهوية السورية الحديثة. هنا بدأ الانتماء الوطني يحاول أن يرتفع فوق الانتماءات الدينية، عبر الأحزاب والنقابات والصحافة والبرلمان والحياة الثقافية. غير أن الدولة الوطنية الناشئة بقيت هشة، محاصرة بتدخلات خارجية وانقلابات عسكرية وصراعات أيديولوجية. ومع ذلك، فقد أنتجت تلك المرحلة لحظات مهمة من المشاركة العابرة للطوائف، حيث لم يكن المسيحيون خارج المجال العام، بل في صلبه.
هذه الحلقة ضرورية لفهم ما سيأتي لاحقاً. فالمشكلة الحديثة لم تكن في وجود التعدد، بل في فشل الدولة السلطوية في تحويل هذا التعدد إلى عقد مواطنة مستقر. حين تفشل المواطنة، تعود الجماعات إلى خوفها القديم. وحين تعود الجماعات إلى خوفها، يجد المستبد والفصيل والطامحون إلى السلطة مادة جاهزة للتوظيف.
سابعاً: عهد الأسد الأب – إدارة الخوف بدل حماية التعدد
مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، دخلت سوريا طوراً جديداً من العلاقة بين الدولة والمجتمع. لم يعد التعدد الديني والاجتماعي يُدار بوصفه ثراءً وطنياً، بل أُعيدت هندسته ضمن بنية أمنية صارمة. ظاهرياً، رفع النظام خطاب الوحدة الوطنية والعلمانية والاستقرار. أما عملياً، فقد بنى منظومة ولاء وخوف، جعلت المواطنين، مسلمين ومسيحيين وعلويين ودروزاً وإسماعيليين وكرداً وغيرهم، أسرى هواجس متبادلة.
لم يكن النظام الأسدي حامياً حقيقياً للأقليات، كما روّج لنفسه، بل كان حامياً لبقائه. والفرق بين الأمرين جوهري. فحماية الأقليات في دولة القانون تعني المساواة والضمانات الدستورية وحرية المشاركة. أما “حماية الأقليات” في نظام استبدادي فتعني غالباً تحويلها إلى درع سياسي، وإلى مادة دعائية، وإلى جماعات قلقة تخشى سقوط السلطة أكثر مما تثق بقيام الدولة.
توضح دراسات متعددة أن النظام استخدم الأقليات في دعايته بوصفه “جداراً” في وجه التطرف، بينما كان في الوقت نفسه يؤجج المخاوف الطائفية ويجنّد بعض الجماعات في شبكات الولاء والميليشيات. وقد خلص تقرير لمعهد الشرق الأوسط إلى أن النظام “أثار المخاوف الطائفية عمداً” واستخدم المجتمعات الأقلوية في الدعاية والتعبئة، بما أضعف روابط اجتماعية كانت تاريخياً أكثر تماسكاً. (Middle East Institute)
كان مبدأ “فرّق تسد” يعمل هنا بلغة سورية خاصة. لا يقول النظام للمسيحيين مثلاً: أنتم شركائي في وطن حر، بل يهمس لهم: أنا الحاجز بينكم وبين الخطر. ولا يقول للمسلمين: أنتم مواطنون متساوون، بل يراقبهم بوصفهم كثرة مشكوكاً في نواياها. ولا يقول للعلويين: أنتم مواطنون لا تختصرهم السلطة، بل يربط مصيرهم بمصيره حتى يصير الخوف من سقوطه خوفاً وجودياً عند كثيرين.
هكذا انتقل العيش الاجتماعي التاريخي من مستوى الثقة اليومية إلى مستوى الحذر السياسي. لم يكن المسيحيون كتلة واحدة في هذا المسار. بعضهم اقترب من السلطة، وبعضهم عارضها، وبعضهم انكفأ إلى الصمت، وبعضهم حاول حماية مجتمعه عبر علاقة اضطرارية مع الدولة. وكذلك لم يكن المسلمون كتلة واحدة؛ فبينهم المؤيد والمعارض والخائف والمحايد والضحية والجلاد. لكن الاستبداد يكره هذا التعقيد، لأنه لا يحكم المجتمع كما هو، بل كما يريد أن يصنفه.
“أخطر ما فعله الاستبداد السوري أنه لم يلغِ الثقة بين المواطن والدولة فقط، بل جعل السوريين يتوجسون من بعضهم قبل أن يتحاوروا، ويبحثون عن الحماية قبل أن يبحثوا عن الحرية.”
“د. جورج توما“
من أدوات الضبط السلطوي تأميم التعليم وإضعاف المؤسسات المستقلة، وحصر العلاقة مع المجتمعات الدينية عبر قيادات محددة أو قنوات موالية، ومراقبة النشاط الكنسي والثقافي، وتحويل الخوف من الأكثرية إلى مورد سياسي دائم. لم تكن الكنائس دائماً حرة في تمثيل وجدان أبنائها، كما لم تكن المساجد حرة في تمثيل وجدان جمهورها. فالاستبداد لا يثق بالدين، لكنه يستعمله. ولا يحترم رجال الدين، لكنه يوظف من يحتاج منهم.
وفي العمق، لم يكن النظام يحمي المسيحيين من المسلمين، ولا المسلمين من المسيحيين، بل كان يحمي نفسه من احتمال أن يلتقي الجميع على مطلب الحرية. ولذلك كانت أخطر لحظة على الاستبداد هي اللحظة التي يهتف فيها مواطنون من خلفيات مختلفة لسوريا واحدة. عندها يتعطل منطق الخوف، وتبدأ السياسة الحقيقية.
ثامناً: الثورة السورية والحرب – حين انفجرت الهشاشة الكامنة
عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم تنفجر فقط علاقة الناس بالسلطة، بل انفجرت أيضاً مخاوف كامنة داخل المجتمع. لم تكن الثورة في بداياتها حركة طائفية، بل احتجاجاً واسعاً على الاستبداد والفساد والإهانة الأمنية. غير أن النظام واجهها بعنف شديد، ثم ساهمت العسكرة والتدخلات الخارجية وصعود الجماعات المتطرفة في تحويل المشهد إلى حرب مركبة أخرجت أسوأ ما في الدولة والمجتمع والسلاح.
كان الموقف المسيحي من الثورة متنوعاً، ولا يجوز اختزاله في صورة واحدة. هناك مسيحيون شاركوا في الحراك، وكتبوا، وتظاهروا، واعتقلوا، ودفعوا ثمناً. وهناك من خافوا من الفوضى والتطرف، فاختاروا الصمت أو الحذر. وهناك من انحازوا إلى النظام اعتقاداً بأنه الأقل خطراً. وهناك من وجدوا أنفسهم بين نارين: نار الاستبداد ونار التطرف.
ثم جاء صعود الجماعات الجهادية، وفي مقدمتها داعش والنصرة وسواهما، ليمنح رواية النظام ذخيرة هائلة. فقد مارست هذه الجماعات أنماطاً من العنف والإقصاء والتهجير واستهداف الرموز الدينية، وأعادت إنتاج لغة تصنيفية خطيرة تنظر إلى المسيحي لا بوصفه مواطناً، بل بوصفه تابعاً أو ذمياً أو هدفاً محتملاً. وقد وثقت منظمات حقوقية هجمات على أماكن عبادة دينية في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، ومنها نهب كنائس في ريف اللاذقية وتدمير مواقع دينية، محذرة من أن استهداف الأماكن الدينية يعمق المخاوف الطائفية ويهدد التنوع السوري. (Human Rights Watch)
وفي شمال شرق سوريا، خطفت داعش عشرات المسيحيين الآشوريين عام 2015 من قرى قرب تل تمر، في مشهد أكد أن التطرف لا يهدد جماعة بعينها فقط، بل يهدد فكرة البلاد المتعددة نفسها. (Time)
غير أن تحميل التطرف وحده مسؤولية الكارثة سيكون قراءة ناقصة. فالاستبداد هو الذي أغلق السياسة، وأذل المجتمع، ودمّر الثقة، ودفع الاحتجاج إلى العسكرة، وفتح المجال أمام ديناميات الحرب. والتطرف هو الذي حوّل الخوف إلى مشروع إقصاء. وبين الاثنين وجد المسيحيون، كما وجد غيرهم من السوريين، أنفسهم في منطقة رمادية قاسية: لا الاستبداد يمنحهم وطناً حراً، ولا التطرف يمنحهم أماناً كريماً.
لقد كانت الحرب السورية مختبراً مروعاً لانهيار المعاني. صار الجار يسأل عن هوية جاره، وصار الاسم قرينة، واللهجة قرينة، والمنطقة قرينة. وما كان يُدار سابقاً بالتقاليد الاجتماعية صار يُدار بالسلاح والحواجز والولاءات. لذلك لا يمكن الحديث عن وفاق وطني مستعاد من دون الاعتراف بحجم الصدمة التي أصابت الجميع.
محطات لا يجوز القفز فوقها
لفهم المسار السوري، يمكن تلخيص المحطات الكبرى كما يلي:
- فجر المسيحية الشامية: أنطاكية، دمشق، الرها، نصيبين، السريانية، الرهبنة، الأديرة.
- الفتح الإسلامي: انتقال السلطة، استمرار الوجود المسيحي، نشوء صيغ العهد والأمان.
- العصر الأموي: دمشق عاصمة، تداخل إداري وثقافي، تعريب وأسلمة المجال العام.
- العهد العثماني: نظام الملل، الاعتراف بالجماعات، حدود المواطنة.
- النهضة العربية: الصحافة، التعليم، الترجمة، مشاركة المسيحيين في تحديث العربية والفكر.
- الدولة الوطنية: محاولة بناء هوية سورية عابرة للطوائف.
- عهد الأسد: إدارة الخوف، تحويل التعدد إلى ملف أمني.
- الثورة والحرب: انفجار الهشاشة، صعود التطرف، تهجير وتصدع الثقة.
- مرحلة المراجعات: انتقال بعض القوى من خطاب الغلبة إلى خطاب الشراكة، مع بقاء السؤال عن الصدقية والضمانات.
تاسعاً: مراجعات ما بعد الصدمة – من خطاب الغلبة إلى خطاب الشراكة
بعد سنوات الحرب، وجدت بعض القوى الإسلامية المسلحة نفسها أمام اختبار جديد: لم يعد يكفي أن تحمل السلاح أو ترفع شعاراً عقائدياً، بل صار عليها أن تدير مجتمعاً، وتخاطب الخارج، وتتعامل مع الأقليات، وتقدم نفسها كقوة حكم لا كقوة قتال فقط. وهنا برزت محاولات انتقال من لغة الغلبة إلى لغة الشراكة، ومن مصطلحات الإقصاء إلى مصطلحات مثل “شركاء الوطن” و“المكوّن الأصيل” و“العيش المشترك”.
لكن ينبغي التعامل مع هذه التحولات بحذر. فالمراجعة السياسية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، ولا بالزيارات الرمزية، ولا بالصور المنشورة مع رجال دين أو وجهاء محليين. المعيار الحقيقي هو القانون والسلوك والمؤسسات:
- هل حُميت الكنائس لأنها حق وطني أم لأنها رسالة دعائية؟
- هل أعيدت الممتلكات لأصحابها؟
- هل يستطيع المسيحيون العودة والاعتراض والمشاركة؟
- هل توقفت مصادرة البيوت؟ هل تبدلت المناهج والخطابات؟
- هل انتقلت العلاقة من “التطمين” إلى “المواطنة”؟
تشير تقارير إلى أن هيئة تحرير الشام حاولت، في مراحل لاحقة، تحسين صورتها تجاه الأقليات، وأن بعض مناطق إدلب شهدت خطوات مثل إعادة بعض الممتلكات أو السماح بممارسات دينية علنية للمسيحيين في أواخر عام 2022. غير أن هذه المؤشرات بقيت محاطة بمخاوف عميقة بسبب سجل سابق من التضييق والمصادرة وغياب الضمانات المستقلة. (Atlantic Council)
كما أشارت لجنة الحريات الدينية الأمريكية في تقريرها لعام 2022 إلى أن الأقليات الدينية، ومنها المسيحيون و الدروز، تعرضت لانتهاكات في مناطق سيطرة الهيئة، بما في ذلك فقدان منازل وأراضٍ ومصادرة ممتلكات، إضافة إلى قيود على حرية الممارسة الدينية. (USCIRF)
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أصبح سؤال الأقليات والمواطنة أكثر إلحاحاً. فقد نقلت رويترز عن أحمد الشرع قوله، في لقاء مع وليد جنبلاط، إن الانتماء إلى البيئة الإسلامية لا يعني إقصاء الطوائف الأخرى، بل حماية التنوع. وهذا التصريح مهم بوصفه مؤشراً خطابياً، لكنه يبقى بحاجة إلى ترجمة دستورية وقانونية وأمنية واضحة. (Reuters)
وفي السياق ذاته، عبّرت المبعوثة القبرصية سالينا شامبوس، بعد لقاءات مع قيادات دينية سورية، عن أن المسيحيين وسائر الجماعات الدينية يريدون ضمانات في أي تسوية دستورية مقبلة. وقد لخصت المسألة بعبارة دقيقة: “القيادة تتكلم الكلام الصحيح، ونأمل أن تمشي على الطريق الصحيح.” (AP News)
هذه العبارة تختصر جوهر المرحلة: لا يكفي أن يتغير الخطاب. يجب أن يتغير ميزان الحقوق. فالكلام عن الشراكة لا يصبح شراكة إلا عندما يتحول إلى دستور، وقانون، وقضاء، وتعليم، وأمن محايد، ومحاسبة لمن يعتدي على المواطنين أياً كانت هويتهم.
عاشراً: حدود المراجعة – بين البراغماتية والاقتناع
تاريخ الجماعات المسلحة يعلمنا أن التحولات قد تكون حقيقية أحياناً، وقد تكون تكتيكية أحياناً أخرى. قد تراجع جماعة ما خطابها لأنها اكتشفت خطأه الأخلاقي والسياسي، وقد تفعل ذلك لأنها تحتاج إلى شرعية دولية أو تمويل أو رفع عقوبات أو قبول محلي. ولذلك لا ينبغي رفض كل تحول مسبقاً، ولا تصديقه مسبقاً.
السؤال ليس: هل تغيرت الكلمات؟ بل: هل تغيرت بنية السلطة؟
وليس: هل زار مسؤول قرية مسيحية؟ بل: هل عاد أهل القرية إلى بيوتهم آمنين؟
وليس: هل فُتحت كنيسة؟ بل: هل حُميت حرية العبادة كحق دائم؟
وليس: هل قيل للمسيحيين إنهم شركاء؟ بل: هل صاروا شركاء في القضاء والإدارة والتعليم والقرار السياسي؟
تحتاج سوريا المقبلة إلى معيار وطني صارم لا يميز بين مستبد علماني ومتطرف ديني إذا انتهك كرامة الإنسان. فكلاهما خطر حين يضع نفسه فوق القانون. وكلاهما يستعمل الخوف كي يحكم. وكلاهما يطلب من المواطن الطاعة مقابل السلامة.
“لا قيمة لخطاب يمدح العيش المشترك ثم يبقي السلاح فوق القانون، ولا معنى لتطمين الأقليات إذا ظل حقها في الأمان معلقاً على مزاج الحاكم أو الفصيل.”
“د. جورج توما“
إن الخطوة الأولى في أي مراجعة حقيقية هي الاعتراف بالضرر. لا يمكن لمن هجّر أو صادر أو خوّف أو حرّض أن يطلب الثقة من الضحايا من دون اعتراف واضح، وجبر ضرر، وضمانات عدم تكرار. فالضحايا لا يحتاجون إلى خطبة اعتذار عامة، بل إلى حقوق ملموسة: بيت مستعاد، كنيسة مفتوحة بلا خوف، ابن عائد من الهجرة، قاضٍ مستقل، شرطي لا يسأل عن الطائفة، ومدرسة لا تزرع في ذهن الطفل أن جاره أقل منه إيماناً أو وطناً.
حادي عشر: شروط الوفاق الوطني المُستعاد
لا يمكن استعادة الوفاق الوطني في سوريا عبر العبارات الجميلة وحدها. الوفاق ليس إعلان نوايا، بل هندسة سياسية وأخلاقية طويلة. وقد يكون من المفيد هنا تحديد شروطه الأساسية.
1. المواطنة المتساوية
الشرط الأول هو الانتقال من منطق الحماية إلى منطق الحقوق. فالدولة لا تحمي المسيحي لأنه مسيحي، ولا تحمي المسلم لأنه مسلم، بل تحمي الإنسان لأنه مواطن. هذا التحول هو جوهر الدولة الحديثة. وكل صيغة تبقي الجماعات في موقع التابع الباحث عن الحماية ستعيد إنتاج الخوف ولو غُلفت بلغة طيبة.
2. دستور لا يترك الحقوق للمزاج السياسي
لا بد من نصوص دستورية واضحة تكفل حرية الدين والمعتقد، وحرية العبادة، والمساواة أمام القانون، ومنع التمييز على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو المنطقة. الدساتير لا تمنع الشر وحدها، لكنها تضع معياراً لمحاسبته.
3. عدالة انتقالية لا انتقام فيها ولا نسيان
سوريا لا تستطيع أن تبني وفاقاً حقيقياً فوق ذاكرة مطموسة. لا بد من كشف الانتهاكات، وجبر الضرر، وإعادة الممتلكات، وحماية العائدين، ومحاسبة جرائم التهجير والاستيلاء والقتل والتعذيب. العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل شرطٌ كي لا تتحول الضحية إلى مشروع ضحية جديدة.
4. حماية أماكن العبادة بوصفها ذاكرة وطنية
الكنيسة ليست ملكاً للمسيحيين وحدهم، كما أن المسجد ليس ملكاً للمسلمين وحدهم، حين يُنظر إليهما من زاوية الذاكرة الوطنية. الاعتداء على مكان عبادة هو اعتداء على معنى البلاد. ولذلك يجب أن تكون حماية الكنائس والمساجد والمقابر والأديرة والمقامات واجباً قانونياً وأمنياً، لا مبادرة موسمية.
5. إصلاح التعليم والخطاب الديني
الوفاق لا يولد فقط في الدستور، بل في المدرسة والمنبر والإعلام. يجب أن يتعلم الطفل السوري أن تاريخ بلاده متعدد، وأن المسيحية والإسلام جزءان من ذاكرة وطنية واحدة، وأن الاختلاف الديني لا ينقص المواطنة. كما يجب ضبط خطاب الكراهية والتحريض، ومراجعة المناهج التي تختزل الآخر أو تغفله أو تقدمه كطارئ.
6. إعادة بناء المجال المحلي
الوفاق يبدأ من القرى والمدن قبل المؤتمرات. تحتاج سوريا إلى مجالس محلية جامعة، ولجان مصالحة ذات صدقية، وبرامج عودة آمنة، وآليات لاستعادة الممتلكات، ومشاريع مشتركة في التعليم والصحة والخدمات. فالأحياء المختلطة التي دمرتها الحرب لا تعود إلى الحياة بالخطب، بل بالماء والكهرباء والمدرسة والخبز والأمان.
7. الأمن المحايد
لا توجد مواطنة من دون أمن غير طائفي. الأجهزة الأمنية التي تسأل عن الهوية قبل القانون تعيد إنتاج الاستبداد. والفصائل التي تحرس جماعة وتخيف أخرى لا تبني دولة. لذلك فإن احتكار السلاح بيد دولة قانون، لا بيد جماعة أو حزب أو طائفة، شرط لا بد منه لعودة الثقة.
8. حماية الدين من السياسة
ليس المطلوب إقصاء الدين من المجتمع، فهذا مستحيل وغير عادل. المطلوب حماية الدين من أن يتحول إلى أداة سلطة. حين تستعمل السياسة الدين، تفسده. وحين يستعمل السلاح العقيدة، يحولها إلى خوف. وحين تحتكر الدولة تفسير الوطنية أو الإيمان، فإنها تفتح الباب للاستبداد باسم الوحدة أو باسم المقدس.
أسئلة اختبار الوفاق الوطني
لا يكفي أن تسأل سوريا المقبلة: هل تمت طمأنة المسيحيين؟ بل يجب أن تسأل:
- هل توجد مساواة قانونية كاملة؟
- هل يستطيع المواطن أن يعبد أو لا يعبد من دون خوف؟
- هل عادت الممتلكات المصادرة؟
- هل يستطيع المهجرون العودة؟
- هل توقفت لغة التكفير والتخوين؟
- هل توجد مشاركة سياسية حقيقية؟
- هل القضاء مستقل؟
- هل المدرسة تعلم التعدد أم تزرع الريبة؟
- هل الأمن وطني أم فئوي؟
- هل تحمي الدولة الكنيسة والمسجد بالمعيار نفسه؟
- هل يُنظر إلى المسيحي والمسلم والعلوي والدرزي والكردي والإسماعيلي بوصفهم مواطنين، لا ملفات حساسة؟
إذا لم تُجب الدولة المقبلة عن هذه الأسئلة عملياً، فسيبقى الوفاق الوطني معلّقاً بين خطاب جميل وواقع هش.ثاني عشر: من الوفاق العقائدي إلى الوفاق الوطني والمدني
من الضروري هنا تصحيح المصطلح. فالغاية ليست بناء “وفاق عقائدي” بين السوريين، لأن العقائد بطبيعتها مختلفة، ولا يجوز للدولة أن تطلب من الناس توحيد إيمانهم أو تخفيف خصوصياتهم الروحية. المطلوب هو وفاق وطني ومدني: أي اتفاق على قواعد العيش والحقوق والواجبات، لا على العقائد واللاهوت.
الوفاق المدني لا يعني أن يتنازل المسيحي عن مسيحيته، ولا أن يتنازل المسلم عن إسلامه، ولا أن تُذاب الهويات في خليط مصطنع. بل يعني أن تبقى الهويات حرة في فضائها الروحي والثقافي، وأن يكون القانون فوقها جميعاً في المجال العام. فالوطن لا يقوم على تشابه أبنائه، بل على عدالة العلاقة بينهم.
“ليست وحدة السوريين في أن يصبحوا نسخة واحدة، بل في أن يشعر كل واحد منهم أن اختلافه لا يهدد حقه في الكرامة، ولا ينقص من حصته في الوطن.”
“د. جورج توما“
هنا تصبح المسيحية الشامية والإسلام الشامي جزءاً من ذاكرة وطنية مشتركة، لا سلاحين في معركة هوية. وتصبح الكنيسة والمسجد شاهدين على تاريخ البلاد، لا خندقين في حرب رمزية. ويصبح السؤال الحقيقي: كيف نبني دولة تجعل اختلافنا مصدر غنى لا سبب خوف؟
ثالث عشر: عودة الشام إلى نفسه
لقد مرت العلاقة الإسلامية–المسيحية في سوريا بمراحل متداخلة: أصالة مسيحية مبكرة، فتح إسلامي أعاد تشكيل المجال، حياة يومية صنعت الجوار، عهد عثماني نظم الجماعات ولم يحقق المواطنة، نهضة عربية شارك فيها المسيحيون بعمق، دولة وطنية حاولت تجاوز الطوائف، استبداد حوّل التعدد إلى خوف، حرب فجرت الهشاشة، وتطرف هدد المعنى الوطني كله.
غير أن التاريخ، مهما قسا، لا يغلق الباب أمام الترميم. فالشعوب التي جرّبت الخوف تستطيع، إذا امتلكت الشجاعة السياسية والأخلاقية، أن تعيد بناء الثقة. لكن الثقة لا تُبنى بالإنكار. يجب الاعتراف بأن المسيحيين السوريين عاشوا خوفاً حقيقياً، وأن المسلمين السوريين عاشوا قمعاً حقيقياً، وأن العلويين عاشوا ربطاً قسرياً بين مصيرهم ومصير النظام، وأن الدروز والكرد والإسماعيليين وسائر المكونات عاشوا بدورهم قلقاً على المكان والدور والمعنى. ولا يحق لأحد أن يسخر من خوف الآخر، لأن الخوف حين لا يُفهم يتحول إلى عزلة، والعزلة تتحول إلى قابلية للانفجار.
ليست سوريا مطالبة بالعودة إلى ماضٍ مثالي لم يوجد كاملاً. إنها مطالبة بأن تستعيد من ماضيها قدرته على إنتاج الجوار، ومن حاضرها شجاعة الاعتراف، ومن مستقبلها فكرة الدولة العادلة. فالشام لا يكون مشرقاً لأنه يجمع القبة والمئذنة والصليب في صورة واحدة، بل لأنه يستطيع أن يحوّل هذا الاجتماع من مشهد جميل إلى عقد وطني عادل.
لقد آن لسوريا أن تخرج من سؤال “من يحمي من؟” إلى سؤال “من يضمن حقوق الجميع؟”. فالحماية قد تصنع تابعين، أما المواطنة فتصنع شركاء. والحماية قد تتبدل بتبدل الحاكم، أما الحق فيجب أن يبقى ثابتاً ولو تغيرت الحكومات. والحماية قد تزرع الامتنان والخوف، أما المواطنة فتزرع الكرامة والمسؤولية.
خاتمة: الوفاق بوصفه إعادة إعمار الإنسان
سيكون من الخطأ أن تبدأ سوريا المقبلة بإعادة بناء الحجر قبل إعادة بناء الثقة. فالبنيان يمكن أن ينهض بالمال والإسمنت، أما الإنسان فلا ينهض إلا بالعدل والأمان والاعتراف. وإذا كان الخراب قد أصاب المدن والقرى، فإن الخراب الأعمق أصاب علاقة السوريين بأنفسهم وببعضهم وبفكرة الوطن.
من هنا، فإن الوفاق الوطني المُستعاد ليس ترفاً فكرياً ولا شعاراً عاطفياً. إنه شرط بقاء. فلا دولة مستقرة مع جماعات خائفة، ولا اقتصاد مع مهجرين لا يثقون بالعودة، ولا دستور مع ذاكرة جريحة، ولا سيادة مع سلاح فئوي، ولا وطن مع مواطنين يشعرون أنهم ضيوف في أرضهم.
لقد تأخرت سوريا كثيراً في الوصول إلى هذا السؤال، لكنها لم تفقد حقها في الإجابة. أن تصل الأمة متأخرة إلى عقلها خير من أن تبقى أسيرة خوفها. وأن تعود إلى المواطنة بعد الاستبداد والحرب خير من أن تواصل الدوران في حلقة الحماية والانتقام. فالأوطان لا تُرمَّم بالحجارة أولاً، بل بترميم الثقة بين أبنائها.
“أن تصل متأخراً إلى دولة المواطنة خيرٌ من أن تصل مبكراً إلى حرب أهلية جديدة؛ فالتاريخ لا يرحم من يكرر الخوف نفسه بأسماء مختلفة.”
“د. جورج توما“
وهكذا، يبقى أفق الشام المشرق معلقاً على قدرة السوريين على تحويل الذاكرة المشتركة إلى قانون مشترك، والجوار القديم إلى مواطنة حديثة، والخوف المتبادل إلى ضمانات عادلة. عندها فقط يمكن القول إن الشام عاد إلى نفسه: لا مسيحياً ضد الإسلام، ولا إسلامياً ضد المسيحية، بل وطناً يعرف أن الله لا يحتاج إلى كراهية البشر كي يُعبد، وأن الإنسان لا يحتاج إلى إنكار جاره كي يكون مؤمناً أو حراً.
![]()






