
لو غصنا قليلاً في بطون الكتب التراثية لوجدنا أن ثمة ظواهر وقضايا ونظريات وإيديولوجيات قد سادت في حقبة من الزمن ثم بادت، وهناك فنون قد أفل نجمها ثم نهضت من جديد وانتعشت كما نرى ذلك في فن المناظرات الذي كان حضوره قوياً في العصور العربية الفارطة وبلغ ذروة مجده في العصر العباسي ثم بدأ بالتراجع والترهل إلى أن جاء عصرنا الحديث الذي حمل في طياته ثورة علمية وانفجار معرفي أدهش العقول وعلى رأس ذلك التطور التقني، التلفاز والشبكة العنكبوتية التي جعلت بحق العالم قرية صغيرة.
ونلاحظ أن التلفاز وما يضخ عبر قنواته من برامج قد أعاد لنا فن المناظرات بلبوس جديدة يجعل المتناظرين يحظيان بمشاهدة كبيرة تتجاوز الملايين من الناس بعد أن كانت المناظرات تحظى بحضور عشرات الأشخاص على الأكثر.
مفهوم المناظرة:
يقول أبوهلال العسكري: “والناس في صناعة الكلام على طبقات؛ منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، وإذا كتب أو أملى أخلّ وتخلّف. ومنهم إذا أملى برّز، وإذا حاور أو كتب قصّر”
ويُفهم من قوله، أن المناظرة فن ارتجالي مستقل بنفسه عن بقية الفنون الأخرى، بالإضافة إلى أنه موهبة لا تتاح لكثير من الناس، فاعتماد النجاح في المناظرة على الاختيار الدقيق للدليل المناسب في موضعه المناسب، يتطلّب حدّة الذهن وبسرعة البديهة التي تمكّن المناظِر من هذا الاختيار، فقد سُئل الشافعي عن أقدر الناس على المناظرة فقال: “من عَوّد لسانه على الركض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقته العيون بالألحاظ”.
ولا بدلنا من تحديد المعنى اللغوي للمناظرة كما ورد في المعاجم:
- جاء في لسان العرب: المناظرة: أنْ تُناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معاً كيف تأتيانه. و التّناظر: التراوض في الأمر
- جاء في القاموس المحيط: التناظر: التراوض في الأمر
- جاء في المعجم الوسيط: ناظر فلاناً صار نظيراً له . وتناظروا في الأمر : تجادلوا وتراوضوا ،والمُناظر: المجادل المحاجّ.
وبعد الوقوف عند المعنى اللغوي للمناظرة نتحول الآن إلى تعريفها:
عرف الكفوي المناظرة بقوله: “المناظرة هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب“.
ويمكنني تعريف المناظرة بناءً على ما تقدم بأنها: مجادلة فاعلة بين شخصيتين أو فريقين ينبغي أن يكونا على قدر كبير من الثقافة، هدفها إثبات نظرية أو رؤية أحدهما عن طريق سوق الأدلة والبراهين التي تعزّز موقفه ومن خلال ذلك يضخ الشخصان أو الفريقان ما لديه من معلومات وافرة يستفيد منها المتلقين.مناظرات تاريخية حسمها الموت كمداً
كان من أثر المناظرة التي قامت بين «الهمذاني» و«الخوارزمي أنَّ «الخوارزمي» مات بعد قليل من الزمن، ولم تحتمل شيخوخته تلك الصدمة العنيفة، وكان من أثر المناظرة التي قامت بين «الكسائي» و«سيبويه» أن «سيبويه» مات كمداً وهو في ريعان شبابه، وجن نشاطه -كما يقولون- ولم يحتمل شبابه تلك الهزيمة القاتلة، وليست الطرق التي لجأ إليها «الكسائي» أقل قسوة من تلك الطرق التي سلكها «الهمذاني» للتغلب على «الخوارزمي» والانتصار عليه.
سيبويه والكسائي: قامتان لا تلغي إحداهما الأخرى
ينبغي، قبل الدخول في تفاصيل المناظرة، أن نضع الشخصيتين في موضعهما الصحيح. فسيبويه لم يكن نحوياً عادياً، بل صاحب الكتاب الذي صار أصلاً من أصول الدرس النحوي العربي. وقد قيل في منزلته إن علمه كان أوسع من قدرته على البيان الشفهي؛ إذ عبّر معاوية بن بكر العليمي عن هذه المفارقة بقوله: «نظرت في كتابه فرأيت علمه أبلغ من لسانه». وهذه العبارة تلخص مأساة سيبويه في المجلس؛ فقد كان علمه أرسخ من قدرته على مجاراة صخب المناظرة ودهاء الموقف.
وقد عبّر معاوية بن بكر العليمي عن هذه المفارقة بين عمق علم سيبويه ومحدودية حضوره الشفهي بقوله: «نظرت في كتابه فرأيت علمه أبلغ من لسانه». وهذه العبارة تلخص مأساة سيبويه في المجلس؛ فقد كان علمه أرسخ من قدرته على مجاراة صخب المناظرة ودهاء الموقف. “المصدر”
أما الكسائي، فليس خصماً صغيراً في تاريخ العربية. كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ومن كبار علماء الكوفة، ومؤدباً في بلاط الرشيد.
وفي بيان منزلته الجامعة بين النحو والغريب والقراءات، قال ابن الأنباري عنه: «كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وأوحد في علم القرآن». وهذا الوصف يمنع القراءة المتسرعة التي تجعل الكسائي مجرد رجل بلاط، فهو قبل ذلك عالمٌ كبير، وإن كانت ظروف المجلس قد منحت رأيه قوةً إضافية لا يهبها العلم وحده. “المصدر”
وفي بيان منزلته الجامعة بين النحو والغريب والقراءات، قال ابن الأنباري عنه: «كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وأوحد في علم القرآن». وهذا الوصف يمنع القراءة المتسرعة التي تجعل الكسائي مجرد رجل بلاط، فهو قبل ذلك عالمٌ كبير، وإن كانت ظروف المجلس قد منحت رأيه قوةً إضافية لا يهبها العلم وحده.
لهذا لا يصح أن تُقرأ المسألة بوصفها صراعاً بين عالمٍ وجاهل، أو بين حقٍّ مطلق وباطلٍ مطلق. الصحيح أنها لحظة اصطدام بين مدرستين: مدرسة بصرية تميل إلى القياس والصرامة المنهجية، ومدرسة كوفية أكثر اتساعاً في قبول المروي عن العرب ولهجاتهم. لكن ما زاد المسألة تعقيداً أن الخلاف العلمي انعقد في مجلس سياسي غير بريء من رهبة النفوذ.
كيف كانت المناظرة
لم يكد يرد سيبويه إلى العراق حتى شعر الكسائي أن مركزه العلمي في خطر، وأن منافساً جديداً يحاول أن يغتصب منه مقام الزعامة.
قالوا: «وشقَّ أمره على الكسائي فأتى يحيى وجعفر بن برمك وقال: «أنا وليكما وصاحبكما، وهذا الرجل إنما قدم إلى العراق ليُذهب محلي.»
قالا: «فاحتَلْ لنفسك فإنا سنجمع بينكما.»
وهكذا دبرت المؤامرة في بيت البرامكة لهدم سيبويه، فلما حان الموعد حضر سيبويه وحده، وجاء الكسائي ومعه الفراء و الأحمر وغيرهما من أصحابه، فسأله الفراء عن مسألة فلم يكد يجيبه عنها حتى قال له: «أخطأت.» وسأله عن ثانية فأجابه فقال له: «أخطأت.»
ثم سأله عن ثالثة وقال له: «أخطأت.»
فقال له سيبويه: «هذا سوء أدب منك!»
فقال الفراء لصاحبه: «يظهر أن في هذا الرجل عجلة وحِدَّة!»
وسأله الأحمر عن عدة مسائل فكان يخطِّئه في كل جواب يفوه به، قالوا: «فلم يرَ سيبويه إلا أن يكفَّ عن مناقشتهما.»
وهنا يقول له الكسائي – ولعلك تلمح في جملته معنى التحقير والاستصغار: «يا بصري، كيف تقول: كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟»
قال: «أقول فإذا هو هي.»
فأقبل عليه الجمع فقالوا: «أخطأت ولحنت.»
وفي هذا مثال من التهويش والتحامل على سيبويه.
وهنا يقول يحيى بن خالد بن برمك: «هذا موضع مشكل حتى يحكم بينكم!» فيقول الكسائي: «هؤلاء الأعراب على الباب.»
قالوا: «فأدخل أبو الجراح، ومن وجد معه ممن كان يأخذ منه.»
فقال لهم الكسائي: كيف تقولون: «قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا الزنبور إياها بعينها.»
فقالت طائفة: «فإذا الزنبور هي.»
وقالت أخرى: «فإذا الزنبور إياها بعينها.»
فقال الكسائي: «هذا خلاف ما تقول يا بصري!»
وهنا يقبل يحيى رب الدار على سيبويه -وهو الغريب المستوحش – فيقول له ما يشعره بأن صاحب الدار من رأي الكسائي وشيعته: «قد تسمع أيها الرجل!»
فلا يكاد يسمع سيبويه هذه الجملة حتى يستكين، ويسرع الكسائي إلى يحيى فيقول له حتى يطمئن على أن المناظرة قد انتهت، وأن الغلبة قد تمت له: «أصلح الله الوزير، لقد وفد عليك من بلده مؤملاً، فإن رأيت ألا ترده خائباً؟»
فيأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم.
“وكأنما أَلِفَ الكسائي أن يصطنع الناس بالمال ليضمن لنفسه إقرارهم بزعامته العلمية التي يسعى إلى الانفراد بها عند الخليفة، ولعله حسب أن هذه المنحة تنسي سيبويه تلك الصدمة العنيفة التي سبَّبها له.”
“نعيم مصطفى الفيل“
رأي النحاة في هذه المسألة
قالوا: «وأما سؤال الكسائي فجوابه ما قال سيبويه، وهو «فإذا هو هي.» هذا هو وجه الكلام مثل: «فإذا هي بيضاء»، «فإذا هي حية». وأما «فإذا هو إياها» -إن ثبت- فخارج عن القياس واستعمال الفصحاء، ولا يعتد به، كالجزم ب(لن)، والنصب ب(لم)، والجرّ ب(لعلّ). وسيبويه وأصحابه لا يلتفتون لمثل ذلك، وإن تكلم به بعض العرب.»
وجماع القول أن سيبويه هُزِمَ رغم فضله وعلمه وكونه في جانب الحق، ولم يكن له بدٌّ من السكوت والرضى بالهزيمة في هذا المجلس الحاشد.
ومثِّل لنفسك أيها القارئ مجلساً حافلاً بأعيان الدولة، وقادة الرأي فيها، يُجمِع مثلاً على أن «لم» تنصب ولا تجزم، وأنت وحدك تقول «إنها تجزم ولا تنصب، وإن العرب لا تعرف غير ذلك.» وهم لا يسمعون لك قولاً، فأية حجة تستطيع أن تدلي بها في مثل هذا المجلس المتحامل الذي ينكر عليك ما لا سبيل إلى إنكاره؟
“كذلك كان موقف سيبويه يقرر قاعدةً أجمع علماء النحو على أن خلافها شاذ لا يؤخذ به، فلا يُقبل منه قول.”
“نعيم مصطفى الفيل“
ولقد كان في لسان سيبويه حبسةٌ -كما يقولون- ولكنها لم تكن السر في هزيمته فهو لم يقصر في الكلام، ولم يكن ذلك المجلس المتحامل عليه في حاجة إلى خطيب لسنٍ، بل كان في حاجة إلى آذان واعية وقلوب لم يفسدها الهوى والغرض.
وهكذا تمت الهزيمة، فذهب «سيبويه» إلى فارس، ولم تطل مدته بعد ذلك.
قالوا: ولما اعتلَّ سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه، فبكى أخوه لمَّا رآه -لما به- فقطرت من دمعه قطرة على وجهه، فرفع سيبويه رأسه إليه فرآه يبكي فقال: “أُخيَّين كنا، فرَّق الدهر بيننا”
“حين تدخل السياسة مجلس العلم، لا تكتفي بتغيير نتيجة المناظرة، بل تغيّر معنى العدالة فيها.”
“نعيم مصطفى الفيل“
إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا؟
ولقد قضى سيبويه جلَّ حياته في الدرس على خير أساتيذ عصره ولا سيما الخليل و يونس، ومات بعد أن ألَّف كتابه الخالد، وإن كان لم يُدرِّسه، وختمت حياة هذا العالم الجليل دون أن يجني ثمر جهده، رحمة الله عليه وعلى شيخيه الجليلين الخليل ويونس.
![]()






