أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيفها السنوي للدول “غير المتعاونة بالكامل مع جهود الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب” Not Cooperating Fully with U.S. Antiterrorism Efforts، ولم يرد اسم سوريا في قائمة هذا العام، بعدما اقتصرت القائمة على أربع دول هي: إيران، وكوريا الشمالية، وكوبا، وفنزويلا.
يمثل هذا التطور مؤشراً سياسياً وأمنياً لافتاً، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ خارج حدوده القانونية الدقيقة. فعدم إدراج سوريا في هذه القائمة لا يعني خروجاً آلياً من كل القيود الأمريكية، ولا يساوي بالضرورة إزالة تصنيف “الدولة الراعية للإرهاب” أو إنهاء الملفات القانونية والسياسية المرتبطة به. لكنه، في المقابل، لا يمكن اعتباره تفصيلاً إجرائياً عادياً، لأنه يعكس تغيراً في زاوية النظر الأمريكية إلى مستوى التعاون السوري في ملف مكافحة الإرهاب.
أولاً: الفرق بين قائمتين مختلفتين
ينبغي التمييز بين قائمتين أمريكيتين غالباً ما يجري الخلط بينهما في التداول الإعلامي.
الأولى هي قائمة الدول الراعية للإرهاب State Sponsors of Terrorism، وهي قائمة ذات أثر سياسي وقانوني واسع، تترتب عليها قيود شديدة في مجالات المساعدات، والتسليح، والتمويل، والتعاملات المصرفية، ونقل التكنولوجيا ذات الاستخدام الحساس. كما ترفع هذه القائمة مستوى المخاطر القانونية والامتثالية أمام الشركات والمؤسسات المالية الراغبة في التعامل مع الدولة المصنفة.
أما الثانية فهي قائمة الدول غير المتعاونة بالكامل مع جهود مكافحة الإرهاب Not Cooperating Fully with U.S. Antiterrorism Efforts، وهي أضيق نطاقاً من الأولى. فهي ترتبط أساساً بتقييم مستوى التعاون الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وتنعكس بصورة خاصة على صفقات السلاح والخدمات الدفاعية والتعاون العسكري أو التقني ذي الصلة.
من هنا، فإن خروج سوريا من القائمة الثانية لا يعني حكماً خروجها من المنظومة الأوسع للتصنيفات والقيود الأمريكية، لكنه يعني أن واشنطن لم تعد تضع سوريا، في هذا الملف تحديداً، في الخانة نفسها التي تضم إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا.
الخروج من قائمة ضيقة لا يعني سقوط القيود الكبرى؛ بل يشير فقط إلى أن باب التقييم الأمريكي لم يعد مغلقاً بالكامل.
“محمد وليد اسكاف”
ثانياً: الدلالة السياسية للقرار
الرسالة الأهم في القرار ليست قانونية فقط، بل سياسية أيضاً. فحين لا تدرج وزارة الخارجية الأمريكية سوريا ضمن الدول غير المتعاونة بالكامل في مكافحة الإرهاب، فهذا يعني أن التقييم الأمريكي لم يعد يعتبر السلوك السوري في هذا الباب مطابقاً لسلوك الدول المصنفة في خانة العداء أو الانغلاق الكامل أمام التعاون الأمني.
هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة أمنية متقدمة بين دمشق وواشنطن، لكنه يشير إلى احتمال وجود قنوات تقييم أو تواصل أو تبادل معلومات، ولو في حدود ضيقة وغير معلنة. وفي اللغة الدبلوماسية الأمريكية، نادراً ما تصدر مثل هذه الإشارات بلا خلفية سياسية أو أمنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف بالغ الحساسية مثل مكافحة الإرهاب.
ومن ثم، يمكن النظر إلى القرار بوصفه علامة أولية على انتقال المقاربة الأمريكية من منطق القطيعة المطلقة إلى منطق الاختبار المشروط. فواشنطن لا تمنح عادةً مثل هذه الإشارات مجاناً، لكنها تستخدمها لقياس السلوك، وفتح مساحات محدودة للمراجعة، وربط أي خطوة لاحقة بمستوى الالتزام العملي.
في السياسة الأمريكية، لا تُقرأ الإشارات الصغيرة كتفاصيل عابرة؛ فهي غالباً اختبارٌ للسلوك قبل أن تكون إعلاناً عن التحول.
“محمد وليد اسكاف”
ثالثاً: ماذا يمكن أن يترتب على القرار؟
قد يفتح هذا التطور الباب أمام مسارات محدودة، لا تصل بالضرورة إلى تطبيع سياسي شامل، لكنها قد تسمح بمرونة أكبر في ملفات محددة، منها:
- إطلاق حوارات أمنية أو تقنية محدودة بين الجانبين.
- تحسين تبادل المعلومات المتعلقة بالتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود.
- دراسة ترتيبات خاصة في ملفات الأمن الحدودي، أو تعقب شبكات التمويل، أو مكافحة خلايا تنظيم “داعش”.
- توفير أرضية سياسية أهدأ لمراجعة بعض القيود، إذا تراكمت مؤشرات إيجابية إضافية.
غير أن هذه المسارات تبقى مشروطة. فالإدارة الأمريكية، حتى عندما تتجه إلى تخفيف الضغط، غالباً ما تحتفظ بأدوات المراقبة والمراجعة، وتربط أي انفتاح إضافي بسلوك الدولة المعنية، وبمواقف الكونغرس، وبحسابات الأمن الإقليمي.
الانفتاح الأمريكي، حين يبدأ، لا يأتي بلا شروط؛ إنه يفتح ممراً ضيقاً للتعاون، لكنه يُبقي مفاتيح المراجعة والضغط بيد واشنطن.
“محمد وليد اسكاف”
رابعاً: هل أصبح رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وشيكاً؟
الجواب: ليس بالضرورة.
فإزالة أي دولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب تخضع لمسار قانوني وسياسي مستقل، أكثر تعقيداً من مجرد عدم إدراجها في قائمة الدول غير المتعاونة بالكامل مع جهود مكافحة الإرهاب. ويحتاج هذا المسار إلى تقييم رسمي، وقرار من الإدارة الأمريكية، وإخطار للكونغرس، إضافة إلى شروط تتعلق بسلوك الدولة المعنية، وتعهدها بعدم دعم أعمال الإرهاب مستقبلاً.
لذلك، من الخطأ قراءة القرار بوصفه رفعاً جاهزاً أو وشيكاً لكل التصنيفات. لكنه، في الوقت نفسه، مؤشر لا يمكن التقليل من قيمته، لأنه يضع الملف السوري في منطقة انتقالية بين الجمود السابق وإمكانات المراجعة اللاحقة.
خامساً: بين الإشارة القانونية والرسالة السياسية
تكمن أهمية القرار في أنه لا يقدم جواباً نهائياً عن مستقبل العلاقات السورية ـ الأمريكية، لكنه يكشف عن تغير في طريقة إدارة الملف. فواشنطن تبدو وكأنها تفصل تدريجياً بين مستويات متعددة: مستوى العقوبات والقيود المتبقية، مستوى التصنيفات الإرهابية، مستوى التعاون الأمني، ومستوى الانخراط السياسي الأوسع.
هذا الفصل بحد ذاته تطور مهم. فبدلاً من وضع الملف السوري كله في سلة واحدة، بدأت المقاربة الأمريكية تميل إلى تفكيك الملفات، واختبار كل ملف وفق معاييره الخاصة. وفي السياسة الخارجية الأمريكية، كثيراً ما تبدأ التحولات الكبرى بإشارات صغيرة في ملفات تقنية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مراجعات سياسية أوسع.
حين تبدأ واشنطن بتفكيك الملفات بدل جمعها في سلة واحدة، فإنها لا تعلن تحولاً كاملاً، لكنها تفتح طريق المراجعة خطوةً خطوة.
“محمد وليد اسكاف”
الخلاصة
لا يعني استبعاد سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بالكامل مع جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية خروجاً فورياً من كل التصنيفات أو القيود الأمريكية. لكنه يمثل إشارة إيجابية إلى تغير تدريجي في التقييم الأمريكي لبعض جوانب السلوك السوري، وخصوصاً في ملف مكافحة الإرهاب.
الأهم أن القرار يفتح نافذة سياسية صغيرة يمكن البناء عليها، إذا أحسنت دمشق قراءة الرسالة، وإذا استطاعت تحويلها من إشارة ظرفية إلى مسار مستدام من التعاون الأمني، والانضباط السياسي، وتقديم الضمانات التي تحتاجها واشنطن قبل الانتقال إلى خطوات أوسع.
بهذا المعنى، لا نحن أمام تحول كامل في السياسة الأمريكية، ولا أمام تفصيل إداري عابر. نحن أمام علامة انتقالية محسوبة، قد لا تكفي وحدها لتغيير المشهد، لكنها قد تكون بداية مراجعة أوسع لواحد من أكثر الملفات تعقيداً بين دمشق وواشنطن.

ثبت المراجع والمصادر:
- U.S. Department of State / Federal Register – Determination and Certification of Countries Not Cooperating Fully with Antiterrorism Efforts, 2026.
https://www.federalregister.gov/documents/2026/05/19/2026-09952/determination-and-certification-of-countries-not-cooperating-fully-with-antiterrorism-efforts - Public Inspection – Federal Register Document No. 2026-09952: Determination and Certification of Countries Not Cooperating Fully with Antiterrorism Efforts.
https://public-inspection.federalregister.gov/2026-09952.pdf - Federal Register – Determination and Certification of Countries Not Cooperating Fully with Antiterrorism Efforts, 2025.
https://www.federalregister.gov/documents/2025/05/30/2025-09807/determination-and-certification-of-countries-not-cooperating-fully-with-antiterrorism-efforts - U.S. Code – 22 U.S.C. §2781: Transactions with Countries Not Fully Cooperating with United States Antiterrorism Efforts.
https://www.law.cornell.edu/uscode/text/22/2781 - U.S. Department of State – State Sponsors of Terrorism.
https://www.state.gov/state-sponsors-of-terrorism - U.S. Code – 22 U.S.C. §2371: Prohibition on Assistance to Governments Supporting International Terrorism.
https://uscode.house.gov/view.xhtml?req=%28title%3A22+section%3A2371+edition%3Aprelim%29 - U.S. Code – 22 U.S.C. §2780: Transactions with Countries Supporting Acts of International Terrorism.
https://www.law.cornell.edu/uscode/text/22/2780 - U.S. Department of the Treasury / OFAC – Syria Sanctions: Inactive and Archived.
https://ofac.treasury.gov/sanctions-programs-and-country-information/syria-sanctions-inactive-and-archived - U.S. Department of State – Syria Sanctions.
https://www.state.gov/syria-sanctions - U.S. Department of State – Country Reports on Terrorism 2024.
https://www.state.gov/reports/country-reports-on-terrorism-2024






