
![]()
بعد عقود طويلة من غياب الحياة السياسية الطبيعية في سوريا، يأتي تشكيل مجلس الشعب الانتقالي الجديد في مرحلة استثنائية بكل المقاييس. فهو ليس مجرد مؤسسة تشريعية مؤقتة تمتد ولايتها لثلاثين شهراً، بل هو جزء من عملية أكبر تهدف إلى إعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها، وترميم الثقة بين المواطن والسلطة بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.
ومن الطبيعي أن ينظر السوريون إلى هذه الخطوة بمزيج من الأمل والحذر. فوجود مؤسسة تشريعية، مهما كانت ظروف تشكيلها، يمثل انتقالاً مهماً من مرحلة الفراغ السياسي إلى مرحلة محاولة تنظيم الحياة العامة ووضع قواعد جديدة لإدارة الدولة. لكن في الوقت ذاته، فإن نجاح هذه التجربة لا يقاس بمجرد وجود المجلس، وإنما بقدرته على التعبير عن السوريين جميعاً، وعلى أن يكون مساحة للحوار الوطني الحقيقي لا مجرد انعكاس لتوازنات مرحلة انتقالية محددة.
إن أهم ما يحتاجه السوريون اليوم ليس فقط مؤسسات جديدة، بل ثقافة سياسية جديدة تقوم على المشاركة، واحترام الاختلاف، وقبول التعددية. فالمشكلة التي ورثتها سوريا لم تكن فقط في شكل النظام السياسي، وإنما في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث غابت لعقود طويلة آليات المشاركة والمساءلة، وتحولت السياسة إلى مجال للإقصاء والخوف بدل أن تكون مساحة للتنافس السلمي بين البرامج والرؤى.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة الحالية؛ فالمجلس الانتقالي أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز إصدار القوانين المؤقتة أو معالجة الملفات الإدارية. إنه أمام فرصة للمساهمة في بناء قواعد الحياة السياسية السورية القادمة، عبر تمهيد الطريق أمام انتخابات أكثر شمولاً، وتشجيع قيام أحزاب وطنية حقيقية، ودعم دور المجتمع المدني، وضمان مشاركة جميع السوريين دون تمييز أو إقصاء.
ومع ذلك، فإن التفاؤل لا يعني تجاهل التحديات. فالتشكيلة الحالية للمجلس، رغم ما قد تحمله من شخصيات وطنية وكفاءات مختلفة، لا تزال تثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرتها على تمثيل التنوع السوري الواسع بكل مكوناته ومناطقه وتياراته السياسية والاجتماعية. سوريا بلد متنوع تاريخياً، ولا يمكن لأي مرحلة انتقالية ناجحة أن تستند إلى تمثيل محدود أو إلى غياب أصوات معينة عن طاولة صناعة القرار.
إن شرعية أي مؤسسة انتقالية لا تُبنى فقط على طريقة تشكيلها، بل على قدرتها على الانفتاح والاستماع والاستجابة لمخاوف المجتمع. فالمواطن السوري اليوم لا يبحث فقط عن تغيير أسماء أو وجوه، وإنما يريد ضمانات حقيقية بأن الدولة الجديدة ستكون ملكاً لجميع أبنائها، وأن الاختلاف السياسي لن يعود سبباً للإقصاء أو التخوين.
كما أن نجاح المجلس سيكون مرتبطاً بقدرته على الابتعاد عن ثقافة الماضي؛ ثقافة التصفيق غير المشروط من جهة، وثقافة الرفض الكامل والتشكيك المطلق من جهة أخرى. فالمراحل الانتقالية تحتاج إلى نقد مسؤول، كما تحتاج إلى دعم صادق لأي خطوة يمكن أن تساهم في بناء الاستقرار.
التجربة التركية، وغيرها من التجارب الانتقالية في العالم، تقدم درساً مهماً: بناء الدولة لا يحدث فقط عبر تغيير المؤسسات، بل عبر تطوير علاقة جديدة بين المجتمع والسلطة، تقوم على القانون، والمساءلة، والقدرة على استيعاب التعددية. فالنجاح لا يأتي من قوة السلطة وحدها، وإنما من قدرتها على بناء الثقة مع المواطنين.
لذلك فإن موقفي من مجلس الشعب الانتقالي هو تفاؤل حذر. التفاؤل لأن سوريا بحاجة إلى أي خطوة تساعدها على الخروج من إرث الاستبداد والفوضى وبناء مؤسسات الدولة. والحذر لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توسيع دائرة المشاركة، وتصحيح أي نقص في التمثيل، وضمان أن يشعر كل سوري بأن له مكاناً وصوتاً في مستقبل بلاده.
“هل يستطيع مجلس الشعب الانتقالي أن يتحول إلى مؤسسة تمثل جميع السوريين، أم ستبقى قدرته محدودة بتوازنات المرحلة الحالية؟”
“ياسر أشقر“
فالسوريون لا يريدون فقط مجلساً يتحدث باسمهم، بل مجلساً يشعرون أنه يمثلهم فعلاً. والفرق بين الاثنين هو ما سيحدد نجاح هذه التجربة أو فشلها.
في النهاية، فإن مجلس الشعب الانتقالي ليس نهاية الطريق، بل بداية اختبار طويل. نجاحه لن يكون في عدد القوانين التي يصدرها، وإنما في قدرته على فتح الباب أمام سوريا أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر قدرة على احتضان جميع أبنائها.








