حين تسقط قداسة التحالف
لعقود طويلة، نجحت إسرائيل في تثبيت سردية سياسية تكاد تبدو فوق التاريخ: أن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست مجرد تحالف، بل قدر استراتيجي دائم، ورابط لا يخضع لتقلب الإدارات، ولا لتبدل الرأي العام، ولا لانقلاب موازين المصالح. غير أن هذه الصورة، على جاذبيتها الدعائية، تخفي حقيقةً أكثر برودةً: السياسة الدولية لا تعرف صداقةً أبديةً، ولا التزاماً مجانياً، ولا شيكاً مفتوحاً خارج حسابات القوة والربح والخسارة.
ما يظهر في الإعلام بوصفه دعماً أمريكياً غير مشروط لإسرائيل، قد يكون في غرف القرار ملفاً قابلاً للمراجعة. فواشنطن التي ما تزال تعلن التزامها بأمن إسرائيل، بدأت في الوقت نفسه ترى أن الشرق الأوسط لم يعد يُقرأ من زاوية تل أبيب وحدها. هناك الخليج، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والممرات البحرية، ومواجهة الصين وروسيا، وصفقات بمئات المليارات. وسط هذه الخريطة الجديدة، لم تعد إسرائيل بالضرورة مركز الثقل الوحيد، بل قد تتحول في لحظة ما إلى عقدة تعطل المشروع الأمريكي الأوسع.
لقد أنفقت الولايات المتحدة على إسرائيل، عبر مسارات الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي، ما جعل العلاقة تبدو غير قابلة للمساءلة. لكن السؤال الذي يتسلل اليوم إلى مراكز التفكير والكونغرس والجامعات والإعلام الأمريكي لم يعد: كيف نحمي إسرائيل؟ بل: ماذا تكسب أمريكا من دعم غير مشروط؟ وهل تظل إسرائيل ذُخراً استراتيجياً عندما تصبح كلفتها الدبلوماسية والأخلاقية والاقتصادية أعلى من عائدها؟
“هذه العبارة لا تأتي من ناشط عربي غاضب، بل من أحد أبرز منظري الواقعية السياسية في الولايات المتحدة، ولذلك تكشف أن نقد العلاقة لم يعد هامشياً، بل دخل قلب النقاش الاستراتيجي الأمريكي.”
“ستيفن والت“: «فوائد هذه السياسة صفر، وكلفتها عالية وتتزايد».
أولاً: قانون همنغواي… التآكل يبدأ صامتاً ثم يظهر فجأةً
في العلاقات الدولية، لا تنهار التحالفات الكبرى غالباً بضربة واحدة. إنها تتصدع ببطء، تتراكم داخلها شقوق صغيرة، ثم تأتي لحظة تكشف أن البناء الذي بدا صلباً من الخارج كان هشاً من الداخل. هنا تبدو عبارة إرنست همنغواي عن الإفلاس صالحةً لفهم السياسة أيضاً: يحدث الانهيار تدريجياً، ثم فجأةً.
العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية تمر بهذا النوع من التآكل. فالصورة الخارجية ما تزال صلبة: مساعدات عسكرية، زيارات رسمية، خطابات في الكونغرس، تصريحات عن “الالتزام الأبدي”، واستخدام متكرر للفيتو أو الضغط الدبلوماسي لحماية إسرائيل. لكن خلف هذا المشهد تتحرك طبقات أخرى:
- تراجع في الرأي العام،
- غضب طلابي،
- انقسام حزبي،
- اعتراض داخل الجالية اليهودية الأمريكية،
- استياء متزايد من أن إسرائيل تدفع واشنطن إلى مواجهة دائمة مع العالمين العربي والإسلامي،
- إضافة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.

كانت إسرائيل تاريخياً تراهن على أن أمريكا لا تستطيع تركها، وأن أي إدارة أمريكية، مهما اختلفت لغتها، ستعود في النهاية إلى القاعدة نفسها: حماية إسرائيل أولاً. لكن التاريخ الأمريكي نفسه يقول شيئاً آخر. حلفاء واشنطن في فيتنام ظنوا أن المظلة الأمريكية لا تنسحب، وحلفاؤها في أفغانستان عاشوا الوهم ذاته، إلى أن جاءت لحظة الانسحاب كصدمة لا كمسار متوقع. صحيح أن إسرائيل ليست فيتنام الجنوبية ولا أفغانستان، فهي تمتلك دولةً قويةً وجيشاً متقدماً ونفوذاً واسعاً داخل واشنطن، لكن الوهم واحد: الإيمان بأن أمريكا لا تغير سلم أولوياتها عندما تتغير مصالحها.
الأخطر من ذلك أن تل أبيب تتصرف أحياناً كأن قوة اللوبي، وحساسية الذاكرة التاريخية الغربية، وتقاليد الدعم الحزبي، تمنحها رخصةً دائمةً لتحدي واشنطن. لكنها تغفل أن الإمبراطوريات لا تنسحب من تحالفاتها لأنها “تكره” حلفاءها، بل لأنها تعيد ترتيب دفاترها عندما يصبح الحليف عبئاً على مشروع أكبر.
“هذه الخلاصة تلخص جوهر التحول: المشكلة لم تعد في وجود علاقة بين الطرفين، بل في أن العلاقة غير المشروطة بدأت تستهلك رصيد أمريكا وتضعف صورتها وموقعها.”
“جون هوفمان“: «احتضان واشنطن لإسرائيل أضعف موقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط».
ثانياً: من القيم المشتركة إلى براغماتية المصالح
قامت السردية التقليدية للتحالف على فكرة “القيم المشتركة”: ديمقراطيتان، حليفان، مجتمعان منفتحان، ومشروع غربي واحد في منطقة مضطربة. هذه اللغة منحت إسرائيل غطاءً أخلاقياً واسعاً داخل واشنطن، وجعلت الدفاع عنها يبدو دفاعاً عن امتداد قيمي للغرب لا عن دولة ذات مصالح وأخطاء وحسابات.
لكن هذه الركيزة لم تعد صلبةً كما كانت. فإسرائيل، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، دخلت في أزمة داخلية عميقة مع محاولات تقييد القضاء، وتصاعد نفوذ اليمين القومي والديني، وتوسع الاستيطان، وحرب غزة بما حملته من مشاهد إنسانية صادمة. كل ذلك جعل صورة إسرائيل الليبرالية تتآكل، ليس في العالم العربي فقط، بل داخل الغرب ذاته.
في المقابل، صعود تيار “أمريكا أولاً” أضعف لغة التحالفات العاطفية. فهذا التيار لا يفكر بمنطق الوفاء التاريخي، بل بمنطق الصفقة:
- ماذا ندفع؟
- ماذا نربح؟
- ولماذا تتحمل أمريكا كلفة حروب ومواجهات لا يريدها الناخب الأمريكي؟
وهنا تكمن مفارقة قاسية بالنسبة إلى إسرائيل: اليمين الأمريكي قد يكون أكثر قرباً منها أيديولوجياً، لكنه أقل استعداداً، على المدى الطويل، لقبول التزامات مفتوحة لا يمكن تحويلها إلى ربح مباشر.
من هنا، لم تعد إسرائيل محميةً فقط بمنطق “القيم المشتركة”، لأن هذه القيم نفسها باتت موضع سؤال. ولم تعد محميةً كلياً بمنطق اليمين الأمريكي، لأن هذا اليمين يزداد براغماتيةً وانكفاءً. أما الحزب الديمقراطي، الذي كان شريكاً تقليدياً في الإجماع المؤيد لإسرائيل، فقد أصبح أكثر انقساماً، خصوصاً بين قواعده الشبابية والتقدمية.
“أهمية هذا التقدير أنه يقلب المعادلة القديمة: لم تعد إسرائيل دائماً هي التي تضغط على واشنطن، بل أصبحت واشنطن، حين تريد، قادرةً على الضغط على إسرائيل وفرض إيقاعها.”
“آرون ديفيد ميلر” و “دانيال كيرتزر“: «ترامب يملك نفوذاً غير مسبوق على إسرائيل».
ثالثاً: إسرائيل من قضية إجماع إلى مادة استقطاب داخلي
كان أحد أهم أسرار قوة إسرائيل في واشنطن أنها نجحت في جعل دعمها قضيةً عابرةً للحزبين. الجمهوري والديمقراطي قد يختلفان حول الضرائب والهجرة والرعاية الصحية، لكنهما كانا يلتقيان تقليدياً عند أمن إسرائيل. هذا الإجماع كان رأس مال سياسياً لا يقدر بثمن، لأنه جعل أي انتقاد لإسرائيل يبدو خروجاً على ثابت أمريكي شبه مقدس.
اليوم، لم يعد هذا الإجماع كما كان. إسرائيل دخلت إلى قلب الاستقطاب الأمريكي. داخل الحزب الديمقراطي، لم تعد القواعد التقدمية تقبل بسهولة فكرة الدعم العسكري غير المشروط، خصوصاً بعد حرب غزة. وداخل الجامعات، لم تعد الرواية الإسرائيلية تحظى بالهيمنة الأخلاقية السابقة. أما داخل اليمين الشعبوي، فبدأت بعض الأصوات تسأل بلغة “أمريكا أولاً”: لماذا يجب على واشنطن أن تمول وتغطي وتدفع الثمن السياسي لحليف لا يلتزم دائماً بالحسابات الأمريكية؟
الأرقام تكشف عمق التحول. لم يعد الرأي العام الأمريكي يرى إسرائيل بالصورة نفسها التي ترسخت بعد عقود من الدعاية والذاكرة الدينية والسياسية. تزايدت النظرة السلبية، وارتفعت الشكوك تجاه سلوك الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين. وفي السياسة الأمريكية، عندما يتحرك الشباب والمستقلون، لا يبقى الأمر نقاشاً أخلاقياً فقط، بل يتحول إلى حساب انتخابي.
الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب أن انتقاد إسرائيل لم يعد يأتي فقط من العرب أو المسلمين أو اليسار الراديكالي، بل من يهود أمريكيين ليبراليين، ومنظمات يهودية تقدمية، وأصوات أكاديمية وإعلامية لم تعد تقبل خلط اليهودية بإسرائيل، ولا خلط أمن اليهود بتبرير كل سياسة حكومية إسرائيلية.
“هذه ليست جملةً عاطفيةً، بل قراءة سياسية: حين يتغير المزاج الشعبي، تبدأ النخبة المنتخبة بتعديل لغتها، ثم سياساتها، ثم تحالفاتها.”
“من خلاصة استطلاعات الرأي الأمريكية“: «تآكل الدعم الشعبي الأمريكي علامة مقلقة لإسرائيل».
رابعاً: إيران… حين يتفق الحليفان على الخطر ويختلفان على الهدف
لطالما شكلت إيران نقطة التقاء كبرى بين واشنطن وتل أبيب. كلاهما يرى في إيران خصماً خطيراً، وكلاهما يخشى من البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني. لكن الاتفاق على توصيف الخطر لا يعني الاتفاق على طريقة التعامل معه. وهنا يتكشف التباين الحقيقي.
إسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها تهديداً وجودياً، وترى أن المطلوب ليس احتواءها فقط، بل تقويض قوتها النووية والإقليمية إلى أبعد حد ممكن. أما واشنطن فتميل، حتى عندما تستخدم القوة أو العقوبات، إلى حسابات أوسع: منع الانتشار النووي، حماية القواعد الأمريكية، تأمين الممرات البحرية، تجنب حرب مفتوحة، وعدم دفع أسعار النفط والأسواق العالمية إلى فوضى كبرى.
هذا الفارق يجعل إيران ملفاً قابلاً لتحويل إسرائيل من حليف مفيد إلى حليف مزعج. فتل أبيب تريد أحياناً دفع أمريكا نحو سقف عسكري أعلى، بينما تحاول واشنطن إدارة التوتر من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. بعبارة أخرى، تريد إسرائيل حسم الخطر، بينما تريد أمريكا ضبطه. وبين الحسم والضبط تتسع فجوة المصالح.
في عقل تل أبيب، كل تأجيل أو تفاوض مع إيران يبدو تهاوناً خطيراً. أما في عقل واشنطن، فإن الحرب الشاملة قد تكون خدمة مجانية للصين وروسيا، واستنزافاً جديداً للقوة الأمريكية، وإحراجاً للحلفاء الخليجيين الذين يريدون الأمن والاستقرار لا انفجار المنطقة.
“هذه الجملة تختصر جوهر الأزمة: الخلاف لم يعد حول خطورة إيران، بل حول النهاية المطلوبة، وسقف الحرب، ومن يدفع ثمنها.”
“إريك لوب“، مؤسسة كارنيغي: «الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في إيران بدأت تتباعد».
خامساً: الخليج كبديل استراتيجي… عندما تتقدم الصفقات على الشعارات
أكبر تحول لا تريد إسرائيل الاعتراف به هو أن مركز الثقل الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد يدور حولها وحدها. واشنطن تنظر اليوم إلى الخليج بوصفه بوابةً للمال، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتصنيع الدفاعي، والمعادن الحرجة، ومواجهة الصين وروسيا. هذه ليست شعارات دبلوماسية، بل عقود واستثمارات وبنية اقتصادية عابرة للعقود.
عندما تعلن السعودية التزامات استثمارية ضخمة في الولايات المتحدة، وتتحدث واشنطن عن شراكات في الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة والبنية التحتية، فإن الرسالة العميقة واضحة: أمريكا تريد شرقاً أوسطياً يعمل كمنصة اقتصادية وتكنولوجية لا كساحة حروب مفتوحة. وفي مثل هذا التصور، تصبح القضية الفلسطينية ليست مجرد عبء أخلاقي، بل عقدة عملية تعرقل التطبيع السعودي–الإسرائيلي، وتحرج واشنطن أمام حلفائها العرب، وتضعف هندسة التحالفات الجديدة.
هنا يظهر مأزق إسرائيل. فهي تريد التطبيع مع السعودية من دون دفع ثمن سياسي حقيقي في الملف الفلسطيني. وتريد شراكة الخليج من دون الاعتراف بأن الرياض لا تستطيع، لأسباب دينية وشعبية وإقليمية، تجاوز فلسطين كلياً. وتريد من واشنطن أن تضغط على العرب، لا أن تضغط عليها. لكن واشنطن، عندما ترى أن التعنت الإسرائيلي يهدد مشروعاً اقتصادياً واستراتيجياً أوسع، قد تبدأ بتغيير لغتها.
ليس المقصود أن أمريكا ستبيع إسرائيل فوراً مقابل صفقات الخليج، بل أن إسرائيل لم تعد الحليف الوحيد الذي يستحق التضحية من أجله بكل شيء. في ميزان المصالح الجديد، الخليج يمنح واشنطن مالاً واستثمارات وأسواقاً وطاقةً ونفوذاً تكنولوجياً، بينما تمنحها إسرائيل تفوقاً عسكرياً واستخبارياً، لكنها تمنحها أيضاً صداعاً دبلوماسياً لا ينتهي.
“هذه العبارة تكشف التحول الرمزي: اللغة التي كانت تُستخدم حصراً تقريباً مع إسرائيل باتت تُستخدم مع الخليج، لكن هذه المرة مدعومةً بأرقام وصفقات هائلة.”
“من وثائق الشراكة الأمريكية–السعودية“: «مرحلة ذهبية جديدة من الشراكة».
سادساً: تصدع الجسر اليهودي الأمريكي
لطالما كان الجسر اليهودي الأمريكي أحد أعمدة العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب. لم يكن الأمر مجرد نفوذ انتخابي أو مالي، بل شبكة ثقافية وإعلامية وأكاديمية وسياسية جعلت إسرائيل حاضرةً في الضمير الأمريكي باعتبارها قضيةً أخلاقيةً لا مجرد دولة أجنبية.
لكن هذا الجسر لم يعد كتلةً واحدةً. ثمة انقسام متزايد داخل الجالية اليهودية الأمريكية، خصوصاً بين الأجيال الأكبر سناً التي تميل إلى ارتباط وجداني أقوى بإسرائيل، والأجيال الأصغر التي ترى أن الدفاع عن القيم اليهودية لا يعني تبرير الاحتلال أو الحرب أو سياسات اليمين الإسرائيلي. وهنا تظهر واحدة من أخطر خسائر إسرائيل: لم تعد قادرةً بسهولة على احتكار تعريف “الصوت اليهودي” في أمريكا.
الحراك الطلابي في جامعات مثل كولومبيا و هارفارد و ييل و نيويورك لم يكن مجرد احتجاج عابر. الأهم فيه أن جزءاً من المشاركين والداعمين جاء من منظمات وشباب يهود يرفضون ربط هويتهم الدينية بالسياسات الإسرائيلية. هذا التحول يضرب واحدةً من أقوى أدوات الدفاع الدعائي عن إسرائيل: اتهام كل نقد لها بأنه عداء لليهود. فعندما يأتي النقد من داخل البيت اليهودي الأمريكي نفسه، تسقط المعادلة القديمة.
وهذا لا يعني أن الجالية اليهودية الأمريكية انقلبت كلياً على إسرائيل، فالصورة أكثر تعقيداً. هناك قطاعات واسعة ما تزال مؤيدةً لها، لكن الشرخ صار واضحاً، والاتجاه الجيلي يثير قلق تل أبيب. فالدعم الذي كان ينتقل تلقائياً من جيل إلى آخر لم يعد مضموناً، والذاكرة المؤسسة لإسرائيل لم تعد قادرةً وحدها على إسكات صور غزة والضفة والاستيطان.
“هذه الجملة ليست تفصيلاً ديموغرافياً، بل إنذار استراتيجي؛ لأن التحالفات التي تخسر الجيل القادم تخسر مستقبلها ببطء.”
“خلاصة دراسات الرأي العام“: «الشباب أكثر سلبيةً تجاه إسرائيل من الأكبر سناً».
سابعاً: هل أصبحت إسرائيل عبئاً استراتيجياً؟
تعبير “العبء الاستراتيجي” لا يعني أن إسرائيل فقدت كل قيمتها بالنسبة إلى واشنطن. فهي ما تزال قوةً عسكريةً وتكنولوجيةً واستخباريةً مهمةً، وما تزال تمتلك تأثيراً واسعاً في السياسة الأمريكية، وما تزال جزءاً من شبكة المصالح الغربية في الشرق الأوسط. لكن السؤال لم يعد: هل لإسرائيل قيمة؟ بل: هل قيمتها أعلى من كلفتها؟
الكلفة اليوم متعددة المستويات. دبلوماسياً، تضطر واشنطن إلى الدفاع عن إسرائيل في محافل دولية وهي تدرك أن صورتها الأخلاقية تتضرر. عسكرياً، تصبح القواعد الأمريكية في المنطقة أكثر عرضةً للتهديد عندما تتوسع الحروب. سياسياً، يتحول دعم إسرائيل إلى مادة خلاف داخلي أمريكي. اقتصادياً، يهدد التعنت الإسرائيلي مسارات التطبيع والاستثمار مع الخليج. أخلاقياً، يضعف خطاب واشنطن عن حقوق الإنسان والديمقراطية عندما تغطي حرباً طويلةً ودمويةً في غزة.
هذا لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن إسرائيل على طريقة الانسحاب الدرامي. السياسة الأمريكية لا تعمل بهذه البساطة. لكن قد يحدث ما هو أخطر على تل أبيب: انتقال العلاقة من مستوى القداسة إلى مستوى المساومة. عندها، لن يكون السؤال:
- كيف نحمي إسرائيل مهما فعلت؟ بل: كيف نضغط عليها كي لا تعطل مصالحنا؟
وهذه لحظة تحول كبرى، حتى لو لم تُعلن في بيان رسمي.
“قوة هذه العبارة أنها لم تعد مجرد شعار نقدي، بل عنواناً مطروحاً في مراكز تفكير أمريكية تناقش السياسة بلغة المصلحة لا بلغة التعاطف.”
“جون هوفمان“: «إسرائيل عبء استراتيجي على الولايات المتحدة».
خاتمة
ما وراء مسرح العرائس السياسي
أيها القارئ العربي الشغوف بفك شفرات السياسة، لا تنخدع بمسرح التصريحات العلنية. حين تسمع مسؤولاً أمريكياً يتحدث عن الالتزام الأبدي بأمن إسرائيل، لا تقرأ العبارة وحدها، بل اقرأ ما خلفها: استطلاعات الرأي، صفقات الخليج، غضب الجامعات، انقسام الحزب الديمقراطي، تململ بعض تيارات اليمين الشعبوي، وتراجع قدرة إسرائيل على تسويق نفسها بوصفها ضحيةً دائمةً فوق المحاسبة.
الإعلام الموجه يريدك أن ترى التحالف الأمريكي–الإسرائيلي كأنه جدار لا يتصدع، كي يزرع في وعيك شعوراً بالعجز. يريدك أن تصدق أن القوة مطلقة، وأن واشنطن لا تغير موقفها، وأن إسرائيل محصنة ضد التاريخ. لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. التحالفات الكبرى تُبنى بالمصالح، وتُراجع بالمصالح، وتُهدم أحياناً بالمصالح ذاتها.
الحقيقة المستورة أن واشنطن لا تحب ولا تكره بالمعنى الأخلاقي البسيط. إنها تحسب. وعندما يصبح دعم إسرائيل عائقاً أمام عقود الخليج، ومراكز الذكاء الاصطناعي، والتطبيع السعودي، واحتواء الصين، وتخفيف كلفة الوجود العسكري، فإن لغة الحب التاريخي تبدأ بالتراجع أمام لغة الأرقام.
“لا أحد يُصدّق أنَّ صورة الجدار الصلب التي يصنعها الإعلام للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي؛ فالجدران التي تُبنى بالمصالح قد تتصدع بالمصالح ذاتها، وواشنطن لا تحب ولا تكره، بل تحسب. وحين تصبح إسرائيل كلفةً فائضةً على مشاريع النفوذ والصفقات، يبدأ التاريخ بكتابة لغته الباردة.”
“د. جورج توما”
لا يعني ذلك أن سقوط العلاقة قريب أو حتمي، ولا أن واشنطن ستدير ظهرها لإسرائيل غداً. لكنه يعني أن القداسة تآكلت، وأن الشيك المفتوح لم يعد آمناً كما كان، وأن ما يجري خلف الكواليس أخطر بكثير مما يظهر على الشاشات. فالجدران الكبرى لا تنهار دائماً بضجيج، بل تبدأ بشقوق صغيرة. وعندما يكتشف الناس الشقوق، يكون البناء قد دخل فعلاً مرحلةً جديدةً: تدريجياً، ثم فجأةً.

ثبت المراجع والمصادر التوثيقية
- Stephen M. Walt, “It’s Time to End the ‘Special Relationship’ With Israel”، Foreign Policy، 27 أيار/مايو 2021.
يستند المقال إلى أطروحة والت التي يرى فيها أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل لم يعد يخدم المصالح القومية الأمريكية، وأن كلفته السياسية والاستراتيجية باتت أعلى من عوائده. (Foreign Policy) - Jon Hoffman, “Israel Is a Strategic Liability for the United States”، Cato Institute، 22 آذار/مارس 2024.
يعرض هوفمان قراءة نقدية تعتبر أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل أصبحت عبئاً استراتيجياً على واشنطن، خصوصاً بعد حرب غزة وما خلّفته من أضرار على صورة الولايات المتحدة وموقعها الإقليمي. (Cato Institute) - Aaron David Miller and Daniel C. Kurtzer, “There’s Never Been a President Like Trump on Israel”، Carnegie Endowment for International Peace، 16 كانون الثاني/يناير 2026.
يناقش المقال النفوذ غير المسبوق الذي يمتلكه ترامب على نتنياهو، وكيف يمكن لهذا النفوذ أن يغير قواعد العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب. (Carnegie Endowment) - Eric Lob, “The Diverging U.S. and Israeli Goals in Iran Are Making the Endgame Even Murkier”، Carnegie Endowment for International Peace، 20 آذار/مارس 2026.
يوضح لوب اتساع التباعد بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في التعامل مع إيران، ولا سيما في ملفات الطاقة وأهداف القيادة وسقف التصعيد. (Carnegie Endowment) - Pew Research Center, “Negative Views of Israel, Netanyahu Continue to Rise Among Americans, Especially Young People”، 7 نيسان/أبريل 2026.
يقدّم مركز بيو بيانات حديثة تظهر ارتفاع النظرة السلبية تجاه إسرائيل داخل الرأي العام الأمريكي، ولا سيما بين الفئات العمرية الأصغر. (Pew Research Center) - Reuters/Ipsos Poll, “Most Americans Believe Countries Should Recognize Palestinian State”، Reuters، 20 آب/أغسطس 2025.
يستعرض التقرير نتائج استطلاع أظهر أن غالبية من الأمريكيين تؤيد اعتراف دول الأمم المتحدة بفلسطين، وترى أن الرد العسكري الإسرائيلي في غزة كان مفرطاً. (Reuters) - The White House, “President Donald J. Trump Secures Historic $600 Billion Investment Commitment in Saudi Arabia”، 13 أيار/مايو 2025.
يتناول البيان الرسمي التزاماً سعودياً استثمارياً ضخماً في الولايات المتحدة، يشمل قطاعات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. (The White House) - Reuters, “US Tech Firms Nvidia, AMD Secure AI Deals as Trump Tours Gulf States”، 13 أيار/مايو 2025.
يوضح التقرير تفاصيل صفقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بين الشركات الأمريكية والسعودية، بما في ذلك Nvidia وAMD وDataVolt وHumain، ضمن التحول الاقتصادي–التكنولوجي في العلاقة الأمريكية–الخليجية. (Reuters)






