مالات .. سورية رؤى مستقبلية

سورية.. رؤى مستقبلية

Search
Close
Facebook X-twitter Youtube
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
Facebook X-twitter Youtube
Menu
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
الرئيسية ذاكرة متفرقات

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة / القسم الأول

قراءة تحليلية في الزمن بوصفه سؤالاً عن الغيب والوجود والوعي، من الآيات المقدسة إلى النسبية وميكانيكا الكم.

مايا سمعان مايا سمعان
2026-07-05
في ... متفرقات
0 0
A A
0
صورة رمزية عن مفهوم الزمن بين الوحي والفلسفة وسؤال الوجود.

مشهد رمزي يجمع ساعةً رملية ومخطوطةً قديمة وسماءً كونية، للتعبير عن مفهوم الزمن بين الوحي والفلسفة وسؤال الوجود.

0
شارك
212
المشاهدات

 

 

 

مقدمة عامة للدراسة

ليست مشكلة الزمن في أننا نجهله، بل في أننا نعتقد أننا نعرفه. كل إنسان ينظر إلى ساعته عشرات المرات في اليوم، يضبط مواعيده، يحسب عمره، ينتظر خبراً، يندم على ماضٍ، ويخاف من مستقبل. ومع ذلك، ما إن نسأله: ما الزمن؟ حتى يبدأ اليقين بالتلاشي. لهذا لم يكن سؤال الزمن سؤالاً فلسفياً مجرداً، بل سؤالاً يمسّ الدين والعلم والوعي والموت والمعنى.

في النص القرآني، يطلّ الزمن من نافذة مختلفة عن حسابات الإنسان اليومية. ليست الآيات القرآنية -التي سترد لاحقاً- دعوةً إلى تحويل النص المقدس إلى معادلة فيزيائية، بل إلى الانتباه إلى أن الزمن البشري ليس المقياس الوحيد للوجود. فقد فهم بعض المفسرين هذه المقادير في سياق القيامة وشدتها، أو في سياق تدبير الأمر وصعوده، أو في سياق اختلاف المقاييس بين عالم الإنسان وعالم الغيب.

ولا يقتصر هذا السؤال على الثقافة الإسلامية وحدها. ففي التوراة والعهد القديم يظهر الزمن بوصفه نظاماً للخَلق والراحة والعبادة، كما يظهر في فكرة السبت و اليوبيل، حيث لا يكون الزمن مجرد تعاقب أيام، بل إيقاعاً أخلاقياً واجتماعياً يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والعمل والجماعة. وفي المزامير يرد المعنى القريب من اختلاف المقاييس بين الزمن الإلهي والزمن البشري، حيث تبدو ألف سنةٍ في عين الرب كيومٍ عابر. أما في الأناجيل و العهد الجديد، فيظهر الزمن أحياناً بوصفه لحظة اكتمال ومعنى، لا مجرد امتداد حسابي، كما في التعبير عن «كمال الزمان» و«حلول الساعة».

وفي المقابل، تقدّم بعض التقاليد الدينية غير السماوية تصوراً آخر للزمن تحضر فكرة دورة الولادة والموت والولادة الجديدة، وهي رؤية تجعل الزمن دائرياً تكرارياً، بخلاف تصور الملل السماوية الثلاث الغالب الذي يفترض “زمناً خطياً” يبدأ بالخَلق ويتجه إلى الحساب أو الخلاص أو النهاية. ويمكن الإشارة بحذر إلى الزرادشتية أيضاً، حيث عُرفت في بعض تطوراتها فكرة  حضور تصور صراعي للتاريخ بين الخير والشر يتجه نحو حسمٍ أخير.

وهذا السؤال نفسه حيّر الفلاسفة. فالقديس أوغسطينوس / أوغسطين عبّر عن المأزق بعبارة شهيرة:

"ما الزمن؟ إن لم يسألني أحد عنه عرفته، وإن أردت شرحه لم أعرفه. ثم تساءل: كيف يكون الماضي موجوداً وقد مضى، وكيف يكون المستقبل موجوداً ولم يأتِ بعد، وكيف يثبت الحاضر وهو لا يكفّ عن الانزلاق؟"

ومن هذا السؤال نشأت جدليات كبرى:

  • هل الزمن حقيقة قائمة بذاتها، أم مجرد علاقة بين الأحداث؟
  • هل الحاضر هو الموجود الوحيد، أم أن الماضي والمستقبل يملكان نوعاً آخر من الوجود؟
  • وهل الزمن يتدفق فعلاً، أم أن الوعي الإنساني هو الذي يختبره كتدفق؟

أما الفيزياء الحديثة فقد زادت السؤال عمقاً. فالزمن ليس مجرد عقرب يدور على ساعة معلّقة في الجدار، بل بُعدٌ يتأثر بالسرعة والجاذبية، حتى إن أنظمة الملاحة في هواتفنا لا تعمل بدقة من دون تصحيح آثار النسبية على ساعات الأقمار الصناعية. ثم جاءت ميكانيكا الكم لتضيف طبقةً أخرى من التعقيد، لا لأنها تثبت الغيب أو تشرح النصوص الدينية، بل لأنها تكشف أن الواقع في مستوياته الدقيقة لا يخضع دائماً للبداهات التي صاغها الحسّ اليومي.

من هنا تنطلق هذه الدراسة في ثلاثة أقسام:
 
*- الأول عن الزمن بين الوحي وسؤال الوجود، 
*- والثاني عن الزمن بين الدماغ والنسبية وميكانيكا الكم، 
*- والثالث عن الزمن بوصفه تاريخاً وحريةً ومعنى. 

الغاية ليست تقديم جواب نهائي عن لغز الزمن، بل تحرير السؤال من التبسيط. فالزمن الذي نظنه بديهياً قد يكون أكثر مفاهيم الوجود غموضاً: نعيشه ولا نمسكه، نقيسه ولا نملكه، نتساوى فيه حسابياً ثم نختلف في معناه، ونحسبه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فإذا به يكشف حدود العقل، واتساع الغيب، وعمق التجربة الإنسانية.

القسم الأول

مفهوم الزمن بين الوحي وسؤال الوجود

الملخص التنفيذي للقسم الأول

ينطلق هذا القسم من سؤالٍ بسيط في ظاهره وعميق في جوهره: ما الزمن؟ فالإنسان يعيشه كل لحظة، لكنه يعجز عن تعريفه حين يحاول الإمساك به فكرياً. وتبدأ الدراسة من حضور الزمن في النصوص الدينية، ولا سيما الآيات القرآنية التي تشير إلى اختلاف المقاييس بين الزمن البشري والزمن المتصل بالغيب: يومٌ كألف سنة، ويومٌ كخمسين ألف سنة.

ولا تُقرأ هذه الآيات بوصفها إثباتاً مباشراً لنظريةٍ فيزيائية حديثة، بل بوصفها مدخلاً إلى سؤالٍ أوسع: هل الزمن الذي نقيسه بالساعات والأيام هو المقياس الوحيد للوجود؟ ومن هنا يقارن القسم، بإيجاز، بين التصور الإبراهيمي للزمن بوصفه مساراً يتجه من الخَلق إلى المصير، وبعض التقاليد الشرقية التي تميل إلى رؤية الزمن في صورة دوراتٍ كونية ووجودية متكررة.

ويعالج القسم ثلاث جدليات مركزية: هل الزمن حقيقة قائمة بذاتها أم علاقة بين الأحداث؟ هل الحاضر موجود فعلاً أم أنه حدٌّ خاطف بين الماضي والمستقبل؟ وهل ترى الثقافات الدينية الزمن خطاً صاعداً نحو نهاية، أم دائرةً تتكرر فيها الولادة والموت والعودة؟

مدخل: حين يصبح الزمن سؤالاً لا ساعة

ليست مشكلة الزمن في أننا لا نعيشه، بل في أننا نعيشه أكثر مما نفهمه. فالإنسان يعرف موعد استيقاظه، وساعة عمله، وتاريخ ميلاده، وعمر أبنائه، وذكرى أحزانه، لكنه حين يُسأل: ما الزمن؟ يبدأ الوضوح بالتراجع. نحن لا نرى الزمن كما نرى الضوء، ولا نلمسه كما نلمس الحجر، ولا نسمعه كما نسمع الصوت؛ إننا نراه في آثاره: في شيخوخة الوجه، ونمو الشجر، وذبول الوردة، وتعاقب الليل والنهار.

«ليس الزمن ما تقوله الساعة فقط؛ إنه الطريقة التي يترك بها الوجود أثره في الأشياء، ثم في الذاكرة.»

“مايا سمعان“

من هنا يبدأ سؤال هذا القسم:

  • هل الزمن حقيقة قائمة خارج الإنسان، أم أنه طريقة يرتب بها العقل حركة العالم؟
  • وهل الحاضر الذي نثق به هو حقيقة ثابتة، أم حدٌّ خاطف بين ماضٍ انتهى ومستقبلٍ لم يبدأ؟
  • وهل الزمن في الوعي الديني خطٌّ يتجه من الخلق إلى المصير، أم دائرة تتكرر فيها الولادة والموت والعودة؟

أولاً: هل الزمن حقيقة قائمة بذاتها أم تصور ذهني؟

من أقدم جدليات مفهوم الزمن السؤال الآتي:

  • هل الزمن موجود حتى لو لم يحدث شيء؟
  • لو تخيلنا كوناً صامتاً تماماً، لا حركة فيه، ولا ضوء، ولا موت، ولا ولادة، ولا تغيّر في الذرات، فهل يبقى الزمن جارياً؟

هنا يظهر اتجاهان كبيران في الفلسفة. الأول يرى الزمن علاقةً بين الأحداث؛ أي إننا لا نستطيع الحديث عن زمنٍ من دون تغيّر. وفق هذا التصور، لا معنى للزمن إذا لم يكن هناك قبل وبعد، وحركة وسكون، وظهور واختفاء. أما الاتجاه الثاني فيرى الزمن أشبه بوعاء أو حاوية مستقلة، تجري فيها الأحداث كما تجري المسرحية على خشبة المسرح؛ فإذا توقفت المسرحية بقيت الخشبة قائمة. تعرض موسوعة ستانفورد للفلسفة هذه الجدليات ضمن نقاش أوسع حول طبيعة الزمن، وعلاقته بالتغيّر، ونظريات الحاضرية والأبدية والكتلة المتنامية. (Stanford Encyclopedia of Philosophy)

يمكن تبسيط الفكرة بمثال قريب: حين نرى ساعةً معلقة على جدار، نظن أن الزمن هو حركة العقارب. لكن لو تعطلت الساعة، لا نقول إن الزمن توقف؛ بل نقول إن أداة القياس تعطلت. غير أن السؤال الفلسفي أعمق: لو توقفت كل ساعات الكون وكل حركاته، فهل يبقى هناك زمنٌ غير قابل للرصد؟ 

هذه هي المسافة الفاصلة بين الزمن بوصفه حقيقةً مستقلة، والزمن بوصفه علاقةً لا تظهر إلا مع التغيّر.

«إذا كان الزمن لا يظهر إلا في التغيّر، فإن كل شيء ثابتٍ تماماً سيكون خارج خبرتنا الزمنية، لا لأنه أبدي بالضرورة، بل لأنه لا يمنح وعينا علامةً على المرور.»

“مايا سمعان“

ثانياً: الزمن في الوحي: اختلاف المقاييس لا إثبات النظريات

في النص القرآني، يظهر الزمن أحياناً بوصفه مختلفاً عن حساب الإنسان اليومي. يقول تعالى في سورة الحج: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾. وتورد بعض التفاسير أن الآية يمكن أن تُفهم في سياق شدة يوم القيامة وطوله على الناس، أو في سياق بيان أن وعد الله لا يُقاس باستعجال الإنسان للزمن. (Quran.com)

وفي سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾، يظهر الزمن في سياق تدبير الأمر وصعوده. (Quran.com) أما في سورة المعارج، فيقول تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾، بما يفتح سؤالاً أوسع عن اختلاف المقاييس بين الزمن البشري والزمن المتصل بعالم الغيب. (Quran.com)

الأهم هنا هو تجنّب التبسيط الإعجازي. فالآيات لا تحتاج أن تُحمَّل ما لا تقوله، ولا أن تُحوَّل إلى معادلات فيزيائية. قوتها المعرفية تكمن في أنها تكسر ضيق الحسّ اليومي، وتقول للإنسان إن الزمن الذي يحسبه بالساعة والتقويم ليس بالضرورة هو المقياس الوحيد للوجود.

«القرآن لا يقدّم الزمن بوصفه رقماً فيزيائياً، بل يفتح وعينا على احتمال أن يكون ما نعدّه زمناً نهائياً مجرد مقياس بشري محدود.»

“مايا سمعان“

ولا ينفرد النص الإسلامي بحضور سؤال الزمن. ففي سفر التكوين تظهر الأنوار السماوية علاماتٍ للأزمنة والأيام والسنين، بما يجعل الزمن جزءاً من انتظام الخلق وحساب الحياة. (Bible Gateway) وفي سفر الجامعة يظهر البعد الوجودي للزمن: وقتٌ للولادة ووقتٌ للموت، وقتٌ للبناء ووقتٌ للهدم، وقتٌ للبكاء ووقتٌ للضحك. (Bible Gateway) وفي العهد الجديد ترد عبارة قريبة من المعنى العام لاختلاف المقاييس: يومٌ واحد عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحد. (Bible Gateway)

بهذا المعنى، تتقاطع المِلل الثلاث (اليهودية– المسيحية–الإسلام) في الإشارة إلى أن الزمن لا يُفهم حسابياً فقط، بل يرتبط بالخَلق، والوعد، والانتظار، والمصير، والعدالة، والحساب.

تنويه اصطلاحي:
استُعملت عبارة «المِلل الثلاث» بدلاً من «الديانات الثلاث» مراعاةً للدقة الاصطلاحية في السياق الإسلامي؛ إذ يقرر القرآن الكريم أن الدين عند الله هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، بينما يستعمل لفظ «الملة» للدلالة على الانتماء الديني والتاريخي، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾. والمقصود هنا بالملل الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، في سياقٍ وصفيٍّ ثقافيٍّ مقارن، لا بقصد المفاضلة الجدليّة أو الانتقاص. وقد جرى تجنّب عبارة «الإبراهيمية» لما اكتسبته في التداول السياسي المعاصر من دلالات قد تُربك المعنى البحثي المقصود.

ثالثاً: هل الحاضر موجود فعلاً؟

الحاضر أكثر لحظات الزمن قرباً إلينا، لكنه أكثرها مراوغة. نحن نقول: «أنا أعيش الآن»، لكن ما إن ننطق كلمة «الآن» حتى تكون اللحظة قد انزلقت إلى الماضي. ولهذا حيّر الحاضر الفلاسفة واللاهوتيين؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا في الحاضر، لكنه لا يستطيع الإمساك به.

في الفلسفة الحديثة، تظهر هنا نظريات متعددة. «الحاضرية» ترى أن الموجود حقاً هو الحاضر وحده، أما الماضي فقد مضى والمستقبل لم يأتِ. في المقابل، ترى «الأبدية» أن الماضي والحاضر والمستقبل لها جميعاً نوعٌ من الوجود داخل بنية زمنية أوسع، وإن كان وعينا لا يدرك منها إلا مقطعاً محدوداً. وتعرض موسوعة ستانفورد أيضاً نظرية «الكتلة المتنامية»، التي ترى أن الماضي والحاضر موجودان، بينما المستقبل لم ينضم بعد إلى سجل الوجود. (Stanford Encyclopedia of Philosophy)

ولتبسيط ذلك، يمكن تشبيه الزمن بفيلم. الحاضرية تقول إن المشهد المعروض الآن هو وحده الموجود. الأبدية تقول إن الفيلم كله موجود، من البداية إلى النهاية، لكننا لا نشاهد إلا لقطةً واحدة. أما نظرية الكتلة المتنامية فتقول إن المشاهد التي عُرضت صارت موجودة في الأرشيف، والمشهد الحالي موجود، أما المشاهد المقبلة فلم تُطبع بعد.

رابعاً: كيف نفهم العلاقة بين الماضي والمستقبل؟

الماضي لا يعود، لكنه لا يختفي تماماً. إنه يعيش في الذاكرة، والوثائق، والعادات، والجراح، والحنين. والمستقبل لم يأتِ بعد، لكنه حاضرٌ في الخوف، والتخطيط، والرجاء، والخيال. لذلك يعيش الإنسان بين زمنين لا يملكهما مباشرة: ماضٍ يشكّله، ومستقبلٍ يستدعيه.

في حياة الناس أمثلة كثيرة على ذلك. من فقد عزيزاً يعيش حاضره محاطاً بظل الماضي. ومن ينتظر نتيجة فحصٍ طبي يعيش حاضره تحت ضغط المستقبل. ومن خرج من حربٍ أو تهجير لا يحمل الماضي في الذاكرة فقط، بل في طريقته في النوم، والكلام، والثقة، والخوف. بهذا المعنى، لا يكون الزمن مجرد ترتيب ميكانيكي للحظات، بل مجالاً نفسياً وأخلاقياً تتصارع فيه الذاكرة والرجاء.

«الماضي لا يموت حين ينقضي، والمستقبل لا يولد فقط حين يأتي؛ كلاهما يسكن الحاضر بطريقةٍ ما: الأول في الذاكرة، والثاني في الانتظار.»

“مايا سمعان“

وهنا يتجاوز الزمنُ الساعة. فالساعة تقول لنا كم مضى من الوقت، لكنها لا تقول لنا ماذا فعل الماضي بنا، ولا كيف يعيد المستقبل ترتيب حاضرنا قبل أن يصل.

خامساً: هل الزمن خطي أم دائري في التصورات الدينية والثقافية؟

تتجه الديانات السماوية الثلاث، في أغلب طروحاتها، نحو تصور خطي للزمن: بدايةٌ بالخَلق، ثم تاريخٌ إنساني، ثم حسابٌ أو خلاصٌ أو نهاية. ليس معنى ذلك أن الحياة اليومية لا تعرف التكرار، فالسبت والأعياد والمواسم تتكرر، لكن المسار الوجودي العام يتجه إلى غاية.

أما في بعض التقاليد الدينية الشرقية، فيظهر الزمن بصورةٍ دائرية أو تكرارية. فمفهوم «السامسارا» في الهندوسية والبوذية والجاينية يشير إلى دورة الولادة والحياة والموت والولادة الجديدة، وترتبط هذه الدورة بفكرة الكارما، أي أثر الأفعال في المصائر اللاحقة. (EBSCO) هنا لا يكون الزمن سهماً واحداً يتجه من بداية إلى نهاية فقط، بل دائرةً كبرى من العود والتحول والتحرر الممكن من التكرار.

ويمكن الإشارة بحذر إلى الزرادشتية أيضاً، ولا سيما في تطورات لاحقة عُرفت فيها فكرة «زُروان»، المرتبطة بالزمن أو الأمد. تذكر «الموسوعة الإيرانية» أن «زُروان» معروف في بعض السياقات بوصفه إلهاً قديماً للزمن أو الأمد، وأن الزروانية طوّرت لاحقاً سرديات حول أصل الخلق والصراع بين الروحين. (Iranica Online) (Iranica Online)

هذه المقارنة لا تهدف إلى مساواة العقائد أو محاكمتها، بل إلى إيضاح أن مفهوم الزمن لم يكن هامشياً في ثقافات البشر. فالإنسان، في مختلف أديانه وأساطيره وفلسفاته، حاول أن يفهم: هل نحن نسير إلى نهاية؟ أم نعود في دورة؟ هل التاريخ وعدٌ يتجه إلى مصير، أم عجلة كونية تتكرر؟ وهل الزمن طريق، أم دائرة، أم سرٌّ يتجاوز الصورتين معاً؟

خاتمة القسم الأول: من سؤال الوجود إلى سؤال العلم

ينتهي هذا القسم إلى نتيجة مركزية: الزمن ليس مفهوماً واحداً بسيطاً. في الوحي، يظهر الزمن بوصفه مجالاً لاختلاف المقاييس بين الإنسان والغيب. وفي الفلسفة، يظهر بوصفه معضلةً بين الوجود والوعي، وبين الحاضر والماضي والمستقبل. وفي الأديان والثقافات، يظهر تارةً خطاً يتجه إلى مصير، وتارةً دائرةً تتكرر فيها الولادة والموت والعودة.

لكن هذا كله لا يغلق السؤال، بل يفتح الباب للقسم الثاني: ماذا تقول العلوم الحديثة عن الزمن؟ كيف يصنع الدماغ إحساسنا بالحاضر؟ وكيف جعلت النسبية الزمن مطاطياً يتأثر بالسرعة والجاذبية؟ وماذا تضيف ميكانيكا الكم إلى هذا اللغز من دون أن نحولها إلى خطابٍ غيبي أو أسطوري؟

«كلما ظن الإنسان أنه أمسك بالزمن، اكتشف أنه لم يمسك إلا بأداةٍ من أدوات قياسه؛ أما الزمن نفسه، فيظل أوسع من الساعة، وأعمق من الذاكرة، وأبعد من الخيال.»

“مايا سمعان“


ثبت المراجع والمصادر

  1. تفسير آية سورة الحج 22:47، Ma’arif al-Qur’an عبر Quran.com. (Quran.com)
  2. آية سورة السجدة 32:5 وتفسيرها عبر Quran.com. (Quran.com)
  3. آية سورة المعارج 70:4 عبر Quran.com. (Quran.com)
  4. Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Time”. (Stanford Encyclopedia of Philosophy)
  5. Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Presentism”. (Stanford Encyclopedia of Philosophy)
  6. Augustine, Confessions, Book XI, New Advent. (New Advent)
  7. Genesis 1:14، Bible Gateway. (Bible Gateway)
  8. Ecclesiastes 3، Bible Gateway. (Bible Gateway)
  9. 2 Peter 3:8، Bible Gateway. (Bible Gateway)
  10. EBSCO Research Starters, “Saṃsāra”. (EBSCO)
  11. Encyclopaedia Iranica, “Zurvan” و“Zurvanism”. (Iranica Online)

انتقل إلى القسم الثاني:

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة / القسم الثاني

          
Tags: أوغسطينالأديانالحاضرالزمن الخطيالزمن الدائريالزمن في القرآنالزمن والغيبالسامساراالغيبالماضي والمستقبلالميتافيزيقافلسفة الزمنمفهوم الزمن
المقالة السابقة

في أربعين محمد كعكاتي: حين يتحول الصحفي إلى ذاكرة جالية

المقالة التالية

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة / القسم الثاني

مايا سمعان

مايا سمعان

سورية مقيمة في ألمانيا

متعلق بـ المقاله

صورة رمزية عن مفهوم الزمن بين التاريخ والحرية والمعنى.
متفرقات

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة /  القسم الثالث

مايا سمعان
2026-07-05
صورة رمزية عن مفهوم الزمن بين الدماغ والنسبية وميكانيكا الكم.
متفرقات

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة / القسم الثاني

مايا سمعان
2026-07-05
ملعب كرة قدم عالمي ليلاً تتوسطه كرة كبيرة على العشب، وحولها جمهور يحتفل، في مقابل مشهد إداريين ومدربين في حالة مراجعة ومحاسبة.
متفرقات

ملاحظات رجل غير رياضي على حدث رياضي

بهنان يامين
2026-07-02
صورة رمزية تجمع بين بوابة حجرية أثرية وفضاء كوني ومخططات زمكانية للتعبير عن البوابات النجمية بين الأسطورة والفيزياء النظرية.
متفرقات

البوابات النجمية بين الحقيقة العلمية والأسطورة

مايا سمعان
2026-06-10
صورة بارزة تجمع غلاف رواية المصابيح الزرق مع صورة الأديب حنا مينة في أجواء مكتبة دافئة ومصباح زيتي.
متفرقات

قراءة في رواية «المصابيح الزرق» لحنا مينة: حي القلعة بين الفقر والاستعمار والذاكرة الشعبية

نعيم مصطفى الفيل
2026-06-09
امرأة مصرية ريفية تقف قرب نهر ونخيل عند الغروب، مع طيور الكروان في السماء وأهرامات مصرية صغيرة في الأفق، في مشهد رومانسي حزين مستوحى من رواية دعاء الكروان.
الأرشيف

دعاء الكروان: كيف حاكم طه حسين مجتمعاً يقتل ضحاياه؟

نعيم مصطفى الفيل
2026-06-03
المقالة التالية
صورة رمزية عن مفهوم الزمن بين الدماغ والنسبية وميكانيكا الكم.

مفهوم الزمن: بين الوحي والفلسفة والفيزياء الحديثة / القسم الثاني

0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
E-mail - support@maalat.com
مالات .. سورية رؤى مستقبلية
DMCA.com Protection Status
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
Menu
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر
جميع الحقوق محفوظة © بموجب قانون الألفية لعام 2023 - مآلات - سورية .. رؤى مستقبلية

إضافة قائمة تشغيل جديدة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. قم بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.