
![]()
الخلاصة التنفيذية
لا يقف الشرق الأوسط أمام سلام مستقر، بل بين جولتين من الصراع؛ إذ لم تتحول تفاهمات يونيو/حزيران 2026 إلى تسوية نهائية، وبقيت ملفات مضيق هرمز والعقوبات والبرنامج النووي والأمن الإقليمي معلقة، قبل أن تتجدد الضربات الأميركية في يوليو/تموز.[1][2] ورغم أن اتفاقات التطبيع العربية ـ الإسرائيلية قد تستمر بفعل المصالح الاقتصادية والأمنية القائمة، فإن مشروع توسيعها تلقى ضربة استراتيجية، بعدما بات من الصعب تقديم إسرائيل بوصفها بوابةً للاستقرار فيما تتواصل الحرب على غزة والاستيطان في الضفة الغربية. وفي المقابل، عادت فلسطين إلى مركز المعادلة الإقليمية؛ إذ لا تنفصل مآلات سوريا والدول العربية عن مآلاتها. فكل اتساع للاحتلال الإسرائيلي ومطامعه يهدد سيادة المنطقة وأمنها، وكل تقدم للفلسطينيين نحو حقوقهم وتقرير مصيرهم يعزز فرص الاستقرار العربي. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى مكسب من دون وحدة فلسطينية، وتجديد للشرعية التمثيلية، ودعم منظم للصمود، وتحويل التعاطف الدولي إلى ضغوط قانونية واقتصادية ودبلوماسية ملموسة.
لسنا أمام «ما بعد الحرب»
في الحروب الكبرى لا يكون السؤال الأهم دائماً: من انتصر عسكرياً؟ بل: من استطاع تحويل نتائج الميدان إلى نظام سياسي جديد؟
وفق هذا المعيار، لم تنجح الحرب الأميركية الإيرانية حتى الآن في إنتاج نظام إقليمي مستقر. فقد أعلنت مذكرة إسلام آباد إنهاء القتال وفتح مضيق هرمز، لكنها تركت مسائل مركزية من دون حسم، ثم تآكلت سريعاً تحت ضغط الخلافات حول حركة الملاحة والعقوبات والضمانات النووية. وفي يوليو/تموز 2026 عادت العمليات العسكرية الأميركية إلى التصاعد، بما أكد أن وقف النار كان ترتيباً مؤقتاً أكثر منه سلاماً قابلاً للاستمرار.[1][2] (Reuters)
«مذكرة التفاهم في أزمة، ونحن بحاجة الآن إلى اتفاق ثانٍ لاستعادتها».
“مهند الحاج علي، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في تصريح لوكالة رويترز[1]”
لذلك، ينبغي قراءة المشهد الراهن بوصفه مرحلة انتقالية بين جولتين: فالحرب لم تعد في ذروتها الأولى، لكنها لم تنته سياسياً؛ والردع الأميركي لم يختف، لكنه لم يعد كافياً لفرض إرادة منفردة؛ وإيران لم تحقق أمناً مستداماً، لكنها أثبتت أن تحييدها أو إسقاطها ليس عملية سريعة منخفضة الكلفة.
هذه النتيجة تفرض مراجعة الافتراض الذي حكم السياسة الإقليمية خلال السنوات السابقة: أن تفوق إسرائيل العسكري، مقروناً بالحماية الأميركية والتطبيع العربي، يستطيع إنشاء شرق أوسط جديد تُهمّش فيه فلسطين، وتُحاصر إيران، وتُدار الدول العربية من داخل منظومة أمنية تقودها واشنطن وتل أبيب.
أولاً: حرب هدمت فرضية الأمن ولم تبنِ بديلاً
حدود القوة العسكرية
استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار عسكرية واقتصادية كبيرة بإيران، لكن القدرة على التدمير لا تساوي القدرة على بناء نظام سياسي. فالضربات الجوية يمكنها إضعاف منشآت أو شبكات، لكنها لا تضمن تغيير سلوك دولة كبيرة، ولا تمنعها من استخدام الجغرافيا والطاقة والصواريخ وحلفائها الإقليميين أدواتٍ للرد.
وفي المقابل، لم يؤدِّ الرد الإيراني إلى إنشاء منظومة ردع مستقرة. فقد امتدت تداعيات الحرب إلى دول الخليج، وتعرضت منشآت ومجالات جوية وممرات بحرية للخطر، وظهرت هشاشة الاقتصادات المعتمدة على استقرار طرق الطاقة والتجارة. وبذلك كشفت الحرب حدود الطرفين معاً: عجز واشنطن وتل أبيب عن تحقيق حسم سريع، وعجز طهران عن الرد من دون تعريض جوارها المباشر لتكاليف مرتفعة.[2][3] (AP News)
أزمة نموذج الحماية الأميركية
أخطر ما أظهرته المواجهة الأميركية الإيرانية بالنسبة إلى دول الخليج ليس مجرد الخطر الإيراني، بل محدودية الضمانات الخارجية. فوجود القواعد والقوات والاتفاقات الدفاعية لم يمنع المنطقة من التحول إلى ساحة مواجهة، كما لم يمنع اضطراب الملاحة والطاقة أو انتقال آثار الحرب إلى اقتصادات الدول التي لم تشارك مباشرةً فيها.
وهنا يظهر تحول استراتيجي بالغ الأهمية: لم تعد دول الخليج تستطيع بناء أمنها على افتراض أن الولايات المتحدة ستمنع الحرب؛ بل بات عليها التفكير في كيفية منع أراضيها ومياهها ومنشآتها من أن تصبح جزءاً من الحرب ذاتها.
«حين تتحول حماية الحليف إلى نقل الحرب إلى أراضي الحلفاء، يبدأ نظام الأمن الإقليمي بفقدان شرعيته».
“عامر عبد الله“
ولا تعني هذه الخلاصة الانحياز إلى إيران أو القبول بسياساتها، بل الانتقال من سياسة المحاور إلى مفهوم الأمن المتبادل: أمن لا يقوم على إسقاط دولة إقليمية أو تفكيكها، وإنما على قواعد تمنع استهداف البنية التحتية المدنية، وتحمي الملاحة، وتحد من الصواريخ والمسيّرات، وتفرض احترام سيادة الدول كافة.
ثانياً: هل تصمد اتفاقات التطبيع؟
الاتفاقات قد تبقى… والمشروع قد يفشل
من الضروري التمييز بين مستويين مختلفين:
الأول هو بقاء العلاقات الرسمية القائمة بين إسرائيل وبعض الدول العربية. فقد نشأت خلال السنوات الماضية سفارات، واتفاقات تجارية، وشبكات استثمار، وتعاون أمني وتقني. وهذه المصالح قد تجعل الإلغاء الكامل والسريع غير مرجح.
أما المستوى الثاني فهو المشروع الأوسع الذي أرادت إسرائيل والولايات المتحدة بناءه فوق هذه الاتفاقات: إدماج إسرائيل في المنطقة، وتوسيع التطبيع إلى السعودية ودول أخرى، وإنشاء تحالف أمني إقليمي يحاصر إيران، مع تأجيل القضية الفلسطينية إلى أجل غير معلوم.
هذا المشروع هو الذي تعرض للضربة الأكبر. فالدراسات التي تابعت مسار الاتفاقات الإبراهيمية لاحظت أن استمرار العلاقات القائمة لا يعني نجاحها في تجاوز القضية الفلسطينية أو في تشكيل نظام إقليمي مقبول شعبياً.[4][14] (Arab Center Washington DC)
«التطبيع الذي لا يغيّر بنية الاحتلال لا يصنع سلاماً؛ إنه يمنح الاحتلال لغةً إقليمية جديدة».
“عامر عبد الله“
العقدة السعودية
كانت السعودية الجائزة الكبرى في مشروع التطبيع. غير أن الموقف السعودي الرسمي ظل يربط السلام الدائم بوقف الحرب، ومنع التهجير، والانسحاب من غزة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.[6] (Saudi Press Agency)
وهذا الربط لا يعكس فقط التزاماً مبدئياً؛ بل يعبر عن حساب استراتيجي. فالتطبيع مع إسرائيل في ذروة الاستيطان والضم وتدمير غزة لن يمنح الرياض استقراراً إقليمياً، بل قد يحمّلها مسؤولية سياسية وأخلاقية عن مشروع لا تملك السيطرة على قراراته.
حتى إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، التي دفعت بقوة نحو التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي، أقرت بأن نجاح هذا المسار يتطلب إنهاء الحرب في غزة وفتح طريق موثوق إلى الدولة الفلسطينية.
«يتطلب الأمر إنهاء الصراع في غزة، كما يتطلب مساراً موثوقاً نحو دولة فلسطينية».
“أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي السابق[5]”
وهكذا لم تعد المشكلة في إقناع دولة عربية أخرى بفتح سفارة، بل في إثبات أن العلاقة مع إسرائيل ستنتج سلاماً فعلياً، لا أن تجعل الدولة المطبّعة شريكاً صامتاً في الاحتلال أو هدفاً في حروب إسرائيل الإقليمية.
ثالثاً: فلسطين الغائبة في النص والحاضرة في الميزان
لم تتضمن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية حلاً لغزة، ولا صيغةً للدولة الفلسطينية، ولا معالجةً للقدس أو الاستيطان أو الأسرى. ومع ذلك، كانت فلسطين حاضرة في خلفية الصراع بصورة يصعب تجاهلها.
فإسرائيل لم تنظر إلى إضعاف إيران بوصفه هدفاً منفصلاً عن مشروعها الإقليمي. كانت تراهن على أن يؤدي تحييد طهران وحلفائها إلى إزالة آخر العوائق أمام تطبيع عربي واسع، يضع الفلسطينيين أمام خيارين: قبول تسوية محدودة بلا سيادة حقيقية، أو مواجهة العزلة.
لكن الحرب لم تحقق هذه النتيجة. فبدلاً من أن تنفرد إسرائيل بقيادة نظام إقليمي جديد، ظهرت باعتبارها طرفاً قادراً على توسيع الحرب أكثر من قدرته على إنهائها. كما أدركت دول عربية أن الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي لا يبقى محصوراً بين الطرفين، وأن الانخراط في محور موجه ضد إيران قد يجعل الأراضي العربية مسرحاً للرد والرد المضاد.
لهذا أصبحت فلسطين، وإن لم تُذكر في التفاهمات، حق نقض سياسياً وأخلاقياً على أي نظام إقليمي جديد. فلا تستطيع واشنطن توسيع التطبيع من دون تقديم أفق فلسطيني، ولا تستطيع إسرائيل المطالبة بالاندماج الإقليمي وهي تواصل الضم والاستيطان، ولا تستطيع الحكومات العربية تجاهل رأي عام يرى في القضية الفلسطينية معياراً لصدقية سياساتها الخارجية.
رابعاً: إسرائيل بين التفوق العسكري والعجز الاستراتيجي
القوة التي لا تنتج شرعية
لا تزال إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وتحظى بدعم أميركي واسع. غير أن القوة العسكرية لا تحل ثلاثة أزمات متراكمة:
- أزمة الشرعية الناتجة عن الحرب على غزة.
- أزمة العزلة القانونية المرتبطة بالاحتلال والاستيطان.
- أزمة الصورة الدولية، خصوصاً بين الأجيال الشابة في الدول الغربية.
أظهر استطلاع لمركز بيو نُشر في يونيو/حزيران 2026 أن وسيط النظرة السلبية إلى إسرائيل بلغ 67% في 36 دولة شملها الاستطلاع، ووصلت النظرة السلبية داخل الولايات المتحدة إلى 60%. كما أظهر استطلاع غالوب في فبراير/شباط 2026 تحولاً تاريخياً في التعاطف الأميركي، إذ أصبح المتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر عدداً، وإن بفارق محدود إحصائياً، من المتعاطفين مع الإسرائيليين.[10][11] (Pew Research Center)
هذه المؤشرات لا تعني أن الحكومات الغربية ستتخلى فوراً عن إسرائيل، لكنها تدل على اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية واتجاهات المجتمع، ولا سيما لدى الشباب والجامعات والقطاعات التقدمية وبعض التيارات المحافظة المعترضة على الحروب الخارجية.
من الخلاف السياسي إلى المأزق القانوني
في يوليو/تموز 2024 خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري، إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وطالبت بإنهائه ووقف النشاط الاستيطاني. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؛ وهي أوامر قضائية وليست أحكام إدانة نهائية، لكنها رفعت الكلفة القانونية والدبلوماسية لاستمرار الحرب.[12][13] (International Court of Justice)
«إن استمرار وجود دولة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني».
“محكمة العدل الدولية[12]”
تتمثل المفارقة هنا في أن إسرائيل قد تحقق إنجازات تكتيكية في الميدان، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف الحرب أخلاقياً وسياسياً أمام العالم. غير أن هذه العزلة تبقى غير مكتملة ما لم تتحول من بيانات واستطلاعات إلى قيود على السلاح والتجارة والاستيطان والإفلات من العقاب.
«قوة فلسطين المقبلة لن تُقاس بالسلاح وحده، بل بقدرتها على تحويل العزلة الأخلاقية لإسرائيل إلى كلفة سياسية وقانونية واقتصادية».
“عامر عبد الله“
خامساً: غزة والضفة الغربية.. الصراع على الوجود لا على الحدود فقط
غزة: وقف النار بوصفه إدارةً للعنف
تكشف التقارير الإنسانية الصادرة في يوليو/تموز 2026 أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لم يؤدِّ إلى إنهاء القتل أو الأزمة الإنسانية. فقد واصلت الأمم المتحدة تسجيل وفيات وإصابات وعمليات نزوح وقيود على المساعدات، إلى جانب انهيار المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات ومخاطر الأمراض.[7] (UN OCHA OPT)
وهذا يعني أن وقف النار يمكن أن يتحول، في غياب آليات تنفيذ ومراقبة، إلى مجرد انتقال من الحرب الشاملة إلى عنف منخفض الوتيرة، يسمح بإدارة الكارثة من دون حل أسبابها.
كما أن فصل ملف إعادة الإعمار عن مستقبل غزة السياسي يحمل خطراً كبيراً. فالإعمار ليس مشروعاً هندسياً فقط، بل معركة على السكان والملكية والسيادة والعودة. وإذا أُدير بمعزل عن الفلسطينيين، فقد يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل القطاع سكانياً وسياسياً، أو لفصله بصورة دائمة عن الضفة الغربية.
الضفة الغربية: الضم تحت غطاء الإجراءات الإدارية
بالتوازي مع حرب غزة، تسارعت عملية إعادة تشكيل الضفة الغربية. ففي يوليو/تموز 2026 وافقت الحكومة الإسرائيلية على تمويل 34 مستوطنة جديدة، ضمن توسع استيطاني أشرف عليه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. كما حذرت دول أوروبية من أن مشروع «E1» سيقسم الضفة الغربية جغرافياً ويقوض إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة.[8][9] (Reuters)
وتشير تقارير الأمم المتحدة كذلك إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين وتهجير تجمعات فلسطينية، خصوصاً في المناطق الريفية ومناطق الرعي.[7] (UN OCHA OPT)
الضم هنا لا يحدث بالضرورة في إعلان سياسي واحد. إنه يتقدم عبر شبكة من الطرق والحواجز والمستوطنات والمناطق العسكرية وقوانين الأراضي وحرمان الفلسطينيين من البناء والحركة والموارد. والغاية ليست احتلال مساحة إضافية فحسب، بل إنتاج جغرافيا يصبح فيها الوجود الفلسطيني محاصراً وغير قابل للحياة.
ولهذا فإن المعركة الفلسطينية الأساسية في السنوات المقبلة ستكون معركة البقاء على الأرض: حماية السكان، ودعم الاقتصاد المحلي، وتأمين الصحة والتعليم والسكن، ومنع تحوّل الضغوط المعيشية إلى تهجير صامت.
سادساً: العزلة الدولية فرصة وليست انتصاراً
ثمة ميل في الخطاب السياسي إلى اعتبار تراجع صورة إسرائيل انتصاراً قائماً بذاته. غير أن التاريخ يبين أن الدول قد تعيش طويلاً تحت النقد الأخلاقي ما دامت لا تواجه تكاليف مادية ومؤسسية.
فالعزلة الفعالة ليست مجرد تظاهرات أو بيانات استنكار، بل تتكون من حلقات مترابطة:
- رأي عام يغيّر اتجاهات الأحزاب.
- برلمانات تفرض رقابة على تصدير السلاح.
- حكومات تربط الاتفاقات التجارية باحترام القانون الدولي.
- جامعات وصناديق استثمار تراجع شراكاتها.
- محاكم تلاحق الجرائم والانتهاكات.
- شركات تنسحب من الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات.
- دول تعاقب مرتكبي عنف المستوطنين وتمنع دخولهم.
وقد أظهرت تجربة جنوب أفريقيا أن الانتقال من التعاطف الأخلاقي إلى الضغط الفعال احتاج إلى سنوات من التنظيم والتوثيق والمقاطعة وبناء التحالفات، لا إلى انتظار تحول تلقائي في ضمير الحكومات.
مع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع المقارنة بين فلسطين وجنوب أفريقيا. فالسياقان مختلفان ديموغرافياً وعسكرياً ودولياً، وإسرائيل ترتبط بعلاقات استراتيجية أعمق مع الولايات المتحدة. لكن القاعدة المشتركة تظل صحيحة: النظام القائم على التمييز والسيطرة قد يحتفظ بقوته العسكرية، لكنه يبدأ بالتآكل حين يفقد قدرته على تبرير نفسه أمام حلفائه ومواطنيه.
سابعاً: ماذا تستطيع الدول العربية أن تفعل؟
لا تتطلب مواجهة المشروع الإسرائيلي دخول الدول العربية في حرب مباشرة، ولا الالتحاق بمحور إيراني مضاد. بل تتطلب استخدام الأدوات التي تمتلكها بالفعل.
1. نقل التطبيع من الامتياز المجاني إلى المشروطية
ينبغي ألا تبقى العلاقات مع إسرائيل منفصلةً عن سلوكها في غزة والضفة والقدس. ويمكن ربط أي تقدم دبلوماسي أو اقتصادي بوقف الاستيطان، وفتح المساعدات، ومنع التهجير، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
2. بناء موقف عربي موحد تجاه الضم
لا تكفي البيانات المتفرقة. المطلوب تحديد إجراءات تترتب تلقائياً على ضم أراضٍ جديدة أو تهجير تجمعات فلسطينية، مثل خفض التمثيل الدبلوماسي، وتجميد الاتفاقات، وفرض قيود على منتجات المستوطنات والشركات العاملة فيها.
3. استخدام الثقل الاقتصادي
تملك الدول العربية، ولا سيما الخليجية، أدوات مالية واستثمارية وأسواقاً كبيرة وعلاقات وثيقة مع واشنطن وأوروبا. ويمكن استخدام هذه الأدوات للتأثير في شركات السلاح والتكنولوجيا وصناديق الاستثمار ومراكز القرار السياسي.
4. دعم الصمود الفلسطيني مباشرةً
ينبغي نقل جزء أكبر من الدعم من المؤتمرات والوعود العامة إلى برامج مستدامة للسكن والصحة والتعليم والزراعة والمشروعات الصغيرة في غزة والضفة والقدس، مع آليات شفافة تمنع الفساد والابتزاز السياسي.
5. إنشاء نظام أمن إقليمي لا يقوم على العدو الدائم
أثبتت الحرب أن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر تحالف إسرائيلي ـ عربي ضد إيران، ولا عبر محور إيراني مضاد. المطلوب نظام تفاوضي يضم دول الخليج وإيران والعراق وتركيا ومصر، ويضع قواعد للملاحة والصواريخ والمسيّرات وعدم الاعتداء وحماية منشآت الطاقة.
ويجب ألا تُستخدم هذه المنظومة لتهميش فلسطين، بل لربط الأمن الإقليمي بإنهاء الاحتلال؛ لأن أي نظام يتجاهل جذور الصراع سيظل قابلاً للانفجار.
ثامناً: ما الذي يحتاجه الفلسطينيون؟
وحدة تتجاوز اقتسام المؤسسات
لا تكفي المصالحة الشكلية أو توزيع المناصب. المطلوب برنامج وطني يحدد الأولويات المشتركة: وقف التهجير، حماية الأرض، إعادة إعمار غزة، مواجهة الاستيطان، حماية القدس، الدفاع عن الأسرى، وتدويل المساءلة القانونية.
تجديد الشرعية والتمثيل
أصبح الانقسام وغياب التجديد الديمقراطي عبئاً استراتيجياً. فالقضية التي تطالب العالم باحترام حقها في تقرير المصير تحتاج إلى مؤسسات تمثيلية قادرة على التعبير عن الفلسطينيين في الداخل والشتات.
ولا ينبغي السماح لإسرائيل بأن تمتلك حق النقض على الانتخابات الفلسطينية، ولا أن يتحول الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة والقدس إلى انقسام سياسي دائم.
اقتصاد للصمود
لا يمكن مطالبة الناس بالبقاء على أراضيهم من دون توفير شروط البقاء. ولذلك يحتاج الفلسطينيون إلى صندوق وطني ودولي مستقل لتمويل السكن والعلاج والتعليم والزراعة والمشروعات العائلية، ولا سيما في المناطق المهددة بالمصادرة والتهجير.
استقلال القرار من المحاور
تحتاج فلسطين إلى دعم إيران والدول العربية وتركيا والصين وروسيا وأوروبا وحركات التضامن الغربية، لكنها يجب ألا تختزل نفسها في محور واحد. فالقضية الفلسطينية أوسع من الاصطفافات الإقليمية، وقوتها تكمن في قدرتها على مخاطبة التيارات القومية والإسلامية واليسارية والليبرالية والإنسانية في آن واحد.
تحويل الرواية إلى سياسة
حققت الرواية الفلسطينية تقدماً كبيراً في الجامعات والإعلام الرقمي والرأي العام العالمي. لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إقناع الجمهور إلى التأثير في التشريعات والانتخابات والميزانيات وسياسات التسليح والاستثمار.
تاسعاً: ثلاثة سيناريوهات لما بعد الجولة الحالية
السيناريو الأول: بقاء الاتفاقات وتجميد التوسع
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. تبقى السفارات والاتفاقات القائمة، لكن من دون اندفاعة تطبيع جديدة، خصوصاً مع السعودية. وتتحول العلاقات إلى تعاون محدود ومحسوب، فيما تحاول الدول العربية تجنب الظهور ضمن محور إسرائيلي ضد إيران.
هذا السيناريو يعني أن التطبيع سيبقى مؤسسياً، لكنه سيفشل بوصفه عقيدةً لإعادة تشكيل المنطقة.
السيناريو الثاني: حرب إقليمية متقطعة
قد يؤدي فشل المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية إلى جولات جديدة حول مضيق هرمز والمنشآت النووية والطاقة والقواعد العسكرية. وفي هذه الحالة ستزداد ضغوط واشنطن على حلفائها، وقد تحاول إسرائيل استعادة مشروع التحالف الإقليمي عبر تضخيم الخطر الإيراني.
غير أن اتساع الحرب قد يحقق نتيجة معاكسة، إذ يدفع دول الخليج إلى الابتعاد أكثر عن إسرائيل والبحث عن تفاهمات مباشرة مع طهران.
السيناريو الثالث: صفقة إقليمية جديدة تتضمن فلسطين
وهو السيناريو الأصعب، لكنه الأكثر قدرة على إنتاج استقرار طويل الأمد. يقوم على تفاهم أميركي ـ إيراني بشأن الملف النووي والملاحة، وضمانات أمنية لدول الخليج، ووقف الحرب في غزة، ومسار ملزم لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، مقابل اندماج إقليمي تدريجي لإسرائيل.
لا يتحقق هذا السيناريو بالنوايا الحسنة، بل عندما تصبح كلفة استمرار الاحتلال أعلى من كلفة التسوية. وهنا تكمن أهمية الضغط العربي والدولي والفلسطيني المنظم.
خاتمة: ما الذي سقط فعلاً؟
لم تسقط اتفاقات التطبيع رسمياً، لكنها فقدت الفكرة التي منحتها زخمها الأول: إمكان صناعة شرق أوسط مستقر عبر تجاوز فلسطين.
لقد بينت الحرب الأميركية ـ الإيرانية أن إسرائيل، على الرغم من تفوقها، لا تستطيع وحدها إنشاء نظام إقليمي؛ وأن الحماية الأميركية لا تمنع الحروب من الوصول إلى حلفاء واشنطن؛ وأن إيران لا يمكن حذفها من الجغرافيا السياسية؛ وأن الأمن العربي لا يُبنى بالاحتماء بطرف إقليمي ضد طرف آخر.
وفي قلب هذه التحولات تعود فلسطين، لا باعتبارها ملفاً إنسانياً هامشياً، بل باعتبارها اختباراً لبنية النظام الإقليمي كله. فما دام الاحتلال قائماً، والاستيطان يتوسع، والتهجير مستمراً، ستبقى كل اتفاقات السلام ناقصة، وكل تحالفات الأمن هشة، وكل وعود الازدهار معرضةً للانفجار.
قد تصمد الاتفاقات بوصفها أوراقاً دبلوماسية، لكنها لن تصمد بوصفها بديلاً عن العدالة. وقد تستطيع إسرائيل تأجيل الدولة الفلسطينية، لكنها لم تعد قادرةً على إخراج فلسطين من السياسة العالمية.
المراجع
- Reuters، Why has the Iran-US ceasefire memorandum frayed?، 13 يوليو/تموز 2026.
- Associated Press، US expands strikes as the interim ceasefire with Iran collapses، 17 يوليو/تموز 2026.
- Arab Center Washington DC، After Iran War, No One Can Guarantee Gulf Security، 2026.
- Arab Center Washington DC، Normalization Survives Despite the Gaza War.
- U.S. Department of State، Toward the Promise of a More Integrated Middle East، يناير/كانون الثاني 2025.
- Saudi Press Agency، Saudi Arabia reiterates requirements for peace and a Palestinian state، أبريل/نيسان 2026.
- United Nations OCHA، Humanitarian Situation Report – 16 July 2026، 16 يوليو/تموز 2026.
- Reuters، Israel allocates $434 million for 34 new West Bank settlements، 14 يوليو/تموز 2026.
- European External Action Service، Joint Statement on the Situation in the West Bank، 22 مايو/أيار 2026.
- Pew Research Center، Most people across 36 countries have negative views of Israel، 4 يونيو/حزيران 2026.
- Gallup، Israelis No Longer Ahead in Americans’ Middle East Sympathies، 27 فبراير/شباط 2026.
- International Court of Justice، Advisory Opinion on Israel’s Policies and Practices in the Occupied Palestinian Territory، 19 يوليو/تموز 2024.
- International Criminal Court، Situation in the State of Palestine، 2024.
- Arab Center Washington DC، The Middle East after the Iran War: Between Order and Chaos، 2026.







