
![]()
اليوم، وبعد خمسة وأربعين يوماً من المراجعة القانونية أمام الكونغرس الأميركي، تطوي سورية واحدة من أثقل صفحات العزلة السياسية والاقتصادية التي رافقتها لعقود، مع انتهاء تصنيفها دولةً راعية للإرهاب، وهو التصنيف الذي لازمها منذ عام 1979، هذا التطوّر ليس مجرّد تغيير في قائمة أميركية، ولا تفصيلاً إجرائياً ينتهي أثره داخل مؤسسات واشنطن، بل محطّة سياسية وقانونية مهمة في مسار مختلف بدأت سورية تسلكه في علاقتها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ففي الثامن من تموز/يوليو، أبلغت الإدارة الأميركية الكونغرس بنيتها رفع تصنيف سورية دولةً راعية للإرهاب، لتبدأ مهلة المراجعة القانونية البالغة خمسة وأربعين يوماً، واليوم، مع اكتمال هذه المرحلة، تطوي سورية صفحة استمرت قرابة سبعة وأربعين عاماً، بما تحمله هذه الخطوة من دلالات تتجاوز البعد السياسي والرمزي إلى الاقتصاد والاستثمار والمصارف وعلاقة سورية بالعالم.
فعلى مدى عقود، لم يكن هذا التصنيف مجرد عنوان سياسي، لقد كان أحد العوامل المؤثرة في نظرة المصارف والشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية إلى أي تعامل مرتبط بسورية، وفي الاقتصاد العالمي، لا تتحرّك رؤوس الأموال بالقوانين وحدها، بل تتحرّك أيضاً وفق تقدير المخاطر والثقة والاستقرار وإمكانية حماية الاستثمار، من هنا، فإن انتهاء هذا التصنيف يمكن أن يشكّل نقطة تحول في صورة المخاطر المرتبطة بسورية، وأن يبعث برسالة إلى المؤسسات المالية والشركات والمستثمرين بأن البيئة القانونية والسياسية المحيطة بالبلاد تتغير.
من المهم ألا نحمّل هذه الخطوة أكثر مما تحتمل، وألا نعتقد أن رفع التصنيف يعني أن التحويلات المصرفية والاستثمارات والتجارة الخارجية ستعود في اليوم التالي إلى طبيعتها الكاملة، فهناك قيود وتشريعات وتصنيفات أخرى لها مسارات قانونية مستقلة، كما أن الثقة التي تراجعت خلال سنوات طويلة تحتاج إلى وقت وسياسات واضحة حتى تعود، لكن الفارق الأساسي اليوم هو أن الاتجاه قد تغير، وهذا ربما هو التطور الأكثر أهمية.
لسنوات طويلة، كان السؤال الذي يطرحه المستثمر أو المصرف أو الشركة الأجنبية: لماذا ندخل إلى سورية في ظل هذه المخاطر القانونية والسياسية؟ أما المرحلة الجديدة، فقد تجعل السؤال مختلفاً: ما الفرص الموجودة في سورية، وكيف يمكن الدخول إليها؟ والفرق بين السؤالين كبير، إنه الفرق بين بلد تُدار العلاقة معه بمنطق العزلة، وبلد يبدأ العالم بإعادة النظر في فرص التعامل معه، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
فسورية بحاجة إلى استثمارات كبيرة في الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والإسكان والصناعة والزراعة والاتصالات وإدارة النفايات والبنية التحتية، وإعادة بناء اقتصاد تعرّض لكل هذا الاستنزاف لا يمكن أن تعتمد على موارد الدولة وحدها، بل تحتاج إلى القطاع الخاص السوري والعربي والدولي، وإلى المصارف والمؤسسات التمويلية وصناديق الاستثمار والشراكات طويلة الأجل، ولذلك، فإن رفع العوائق الخارجية يجب أن يقابله عمل داخلي لا يقل أهمية: بيئة استثمارية واضحة، حماية الملكية ورأس المال، نظام مصرفي قادر على مواكبة المرحلة، شفافية أكبر، إجراءات إدارية أكثر سرعة ومرونة، وتشريعات تمنح المستثمر القدرة على تقدير المخاطر والعوائد على المدى الطويل.
فالاستثمار لا يأتي بالعاطفة، ولا يكفي لجذبه خطاب سياسي إيجابي، رأس المال يبحث عن الاستقرار والثقة والقانون وضمان العقود واستمرارية السياسات، والنجاح الدبلوماسي يفتح الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يجب أن يعبر منه، كما أن ما يجري في العلاقة بين دمشق وواشنطن لا ينبغي قراءته باعتباره حدثاً ثنائياً فقط، فسورية تقع في قلب شبكة من المصالح العربية والإقليمية والدولية، وأي تحوّل جوهري في الموقف الأميركي منها سينعكس بالضرورة على حسابات دول وشركات ومؤسسات مالية ظلت سنوات طويلة تتعامل بحذر شديد مع السوق السورية، وقد تكون القيمة الأعمق لهذه المرحلة أنها تعيد سورية تدريجياً من موقع “الملف” الذي يُناقش في العواصم إلى موقع “الدولة” التي تبني علاقاتها ومصالحها مع الآخرين.
الدولة التي تستعيد موقعها الطبيعي لا تحتاج إلى الانتقال من محور إلى محور، وإنما إلى بناء سياستها الخارجية انطلاقاً من مصالحها الوطنية، وإقامة علاقات متوازنة مع محيطها العربي والولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وبقية القوى الدولية، وفق قاعدة بسيطة وواضحة: مصلحة سورية أولاً.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الجهد الدبلوماسي والسياسي الذي بذلته القيادة السورية خلال المرحلة الماضية لإعادة فتح أبواب كانت مغلقة، وإعادة تقديم سورية إلى العالم بلغة المصالح والاستقرار والتعاون بدلاً من الصدام والعزلة، غير أن الإنجاز الأكبر أمام الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ومؤسسات الدولة السورية عموماً، لن يقاس فقط بعدد العقوبات التي تُرفع أو القرارات التي تتغير، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذا التقدم السياسي والدبلوماسي إلى نتائج يلمسها السوري في حياته اليومية، فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الخارجية بعدد البيانات والاجتماعات والصور الدبلوماسية، وإنما بفرصة العمل، واستقرار الكهرباء، وتحسن الخدمات، وعودة المصانع إلى الإنتاج، ودخول الاستثمارات، وتحسن القدرة الشرائية، وقدرة أبنائه على بناء مستقبلهم داخل بلدهم، وهنا يكمن المعيار الحقيقي لأي نجاح دبلوماسي، فإذا كان انتهاء تصنيف سورية دولةً راعية للإرهاب يفتح اليوم نافذة جديدة أمام البلاد، فإن التحدي هو ألا تبقى هذه النافذة سياسية فقط، بل أن تتحوّل إلى طريق اقتصادي واسع يعيد سورية تدريجياً إلى حركة التجارة والاستثمار والتمويل والعلاقات الدولية الطبيعية.
لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً للحرب والانقسام والعزلة والعقوبات، واليوم تقف أمام فرصة مختلفة، لكن التاريخ يعلّمنا أن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأن الدول الناجحة ليست فقط تلك التي تحصل على الفرص، بل التي تعرف كيف تحول اللحظة السياسية إلى مشروع دولة، ولهذا، فإن ما يحدث اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية معركة العقوبات والقيود، فهناك ملفات أخرى ما زال ينبغي التعامل معها، وإنما باعتباره بداية مرحلة جديدة: مرحلة استعادة الاقتصاد والثقة والمكانة الطبيعية لسورية في العالم، وفي النهاية، تبقى القيمة الحقيقية لأي نجاح سياسي أو دبلوماسي في أثره المباشر على حياة الناس، فلا قيمة لانفتاح سياسي لا يتحول إلى فرصة عمل، ولا معنى لرفع القيود إذا بقي الاقتصاد مقيداً، ولا يكتمل نجاح الدبلوماسية إلا عندما يراه المواطن السوري في معيشته ومستقبل أبنائه، وعندها فقط يمكن القول إن سورية لم تخرج من قائمة فحسب، بل خرجت من مرحلة كاملة، وبدأت كتابة مرحلة جديدة من تاريخها.









نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.