
![]()
قد لا يكون ما نسميه «الطاقة السلبية» قوةً غامضة تلاحق الإنسان من الخارج، بقدر ما يكون أحياناً حصيلةً متراكمة لأفكار وانفعالات وعادات تفسيرية يتبناها حتى تصبح جزءاً من طريقته في رؤية نفسه والعالم. وبين علم النفس ولغة الروح، يطرح هذا المقال سؤالاً أكثر عمقاً: إلى أي حد نصنع بأنفسنا الدوائر التي نسميها «نحساً»، وكيف يمكن للوعي والتخلي والتجلي أن يفتحوا أمام الإنسان طريقاً آخر نحو الصفاء والارتقاء الروحي؟ثمة أشخاص يبدأون نهارهم بالتذمر وينهونه بإدانة الحياة. لا يكاد حدث يقع لهم إلا وجدوا له تفسيراً خارج ذواتهم: الحظ، والزمان، والناس، والقدر، و«النحس» الذي يلاحقهم أينما ذهبوا.
ومع تكرار هذا النمط، لا يعود الشعور بالعجز استجابةً عابرة لمحنة، بل يصبح رؤيةً للعالم، ثم يتحول شيئاً فشيئاً إلى هوية داخلية يعيش الإنسان من خلالها، ويفسر بها كل ما يحدث له.
وليس المقصود هنا إنكار ما في الحياة من ظلم وفقد ومرض وتفاوت في الفرص، ولا تحميل الإنسان مسؤولية ما لا سلطان له عليه. فالبشر لا يبدأون من الظروف نفسها، ولا يحملون التاريخ النفسي والاجتماعي ذاته.
إنما السؤال الأعمق هو:
ماذا يفعل الإنسان بما حدث له؟ وأين تنتهي سلطة الظرف لتبدأ مسؤوليته عن استجابته؟
العجز المتعلَّم: حين يتعلم الإنسان ألا يحاول
يعرف علم النفس مفهوماً يسمى العجز المتعلَّم وفق الطاقة السلبية وعلم النفس.
وقد يبدو المصطلح أكاديمياً، لكن فكرته شديدة البساطة: أن يتعرض الإنسان مراراً لمواقف يشعر فيها بأن محاولاته لا تغير النتيجة، فيتعلم تدريجياً أن المحاولة نفسها عديمة الجدوى.
مثال من الواقع:
طالبٌ أخفق مرات عدة في مادة الرياضيات. بدلاً من أن يقول: «طريقتي في الدراسة لم تكن مناسبة»، يبدأ بالقول: «أنا لا أفهم الرياضيات أصلاً».
بعد مدة، قد يضع المعلم أمامه مسألة يستطيع حلها، لكنه لا يجرب بجدية لأنه حسم النتيجة مسبقاً.
المشكلة هنا لم تعد في المسألة الرياضية فقط، بل في القناعة التي تكونت داخله.
ومثال آخر: موظف تقدم مراراً بطلب ترقية ولم يحصل عليها. قد يصل بعد سنوات إلى حالة يصبح فيها مؤهلاً فعلاً لفرصة جديدة، لكنه يمتنع عن التقديم لأنه يقول: «لا فائدة… حظي دائماً سيئ».
وهكذا تتحول خبرة الفشل الماضية إلى سجن للمستقبل.
وهنا يبدأ ما يسمى أيضاً الأسلوب الإسنادي، أي الطريقة التي يفسر بها الإنسان أسباب ما يحدث له.
فإذا خسر فرصة عمل وقال:
«أنا فاشل، ولن أنجح في أي شيء»؛
فهو جعل حادثة محددة حكماً شاملاً على حياته.
أما إذا قال:
«لم أوفق في هذه المقابلة، وسأعرف أين أخطأت وأستعد بطريقة أفضل للمقابلة التالية»؛
فهو لم ينكر الفشل، لكنه رفض أن يحوله إلى هوية.
وهذا الفرق الصغير في اللغة قد يكون فرقاً كبيراً في مسار الحياة.
الإنسان لا يصبح عاجزاً دائماً لأن الطريق مغلق، بل قد يصبح عاجزاً لأنه تعلّم من تجارب سابقة ألا يبحث عن بابٍ آخر.
هل يصنع الإنسان «نحسه»؟
لماذا نجد في المدرسة الواحدة، أو المهنة الواحدة، أو الحي الواحد، من يمضي نحو النجاح بثبات، ومن يبقى أسير الفشل والتذمر؟
لا تكفي الإجابة بعبارة «الطاقة»، كما لا تكفي الإجابة بالحظ وحده.
فالإنسان يدخل كل موقف محملاً بتاريخ من التعلم، وبنية شخصية، وعادات ذهنية، وقدرة متفاوتة على تنظيم انفعالاته، وتحمل الإحباط، والتعلم من الخطأ.
شخص يرى العقبة سؤالاً يحتاج إلى حل.
وآخر يراها دليلاً جديداً على أن الكون يعاديه.
وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه، مجازاً، صناعة النحس.
ليس المقصود أن الأفكار ترسل إلى الكون أمراً غيبياً فيعيد إلينا المصائب، بل إن الفكرة تؤثر في طريقة رؤيتنا للفرص، وطريقة رؤيتنا تؤثر في قرارنا، وقرارنا يغير سلوكنا، والسلوك يراكم النتائج.
مثال بسيط:
رجل يعتقد أن «الناس جميعاً لا يُوثق بهم».
يدخل في علاقة جديدة وهو متوجس، فيدقق في كل كلمة، ويفسر الصمت إساءة، والتأخر خيانة، والاختلاف عداءً.
تبدأ العلاقة بالتوتر، فيبتعد الطرف الآخر.
عندها يقول الرجل:
«ألم أقل لكم؟ لا أحد يستحق الثقة».
وهكذا أسهم سلوكه، من حيث لا يدري، في صناعة الدليل الذي استخدمه لإثبات اعتقاده الأصلي.
وهذا ما يجعل بعض النبوءات النفسية تتحقق لأنها توجه السلوك نحو النتيجة المتوقعة.
«كثيراً ما لا يكون النحس قوةً تطارد الإنسان من خارجه، بل اسماً يطلقه على دائرة صنعها الخوف في داخله، ثم نسي أنه شارك في رسمها.»
“مايا سمعان“
الطاقة السلبية وعلم النفس
ما المقصود بـ«الطاقة السلبية»؟
عندما نقول في الحديث اليومي:
«فلان طاقته سلبية»،
فنحن لا نقصد بالضرورة «الطاقة» كما يعرفها الفيزيائي في المختبر.
للطاقة في الفيزياء معنى محدد، ويمكن قياسها والتعبير عنها بقوانين ومعادلات.
أما في الخطاب النفسي والروحي، فكلمة «الطاقة» غالباً ما تكون استعارة نصف بها الأثر الذي يتركه حضور إنسان في نفسه وفي الآخرين.
فالطاقة السلبية، بهذا المعنى، قد تكون تركيباً من:
التشاؤم المستمر، والخوف، والعدائية، والشكوى، واجترار الذكريات المؤلمة، والإحساس بالعجز، وتوقع الأسوأ، والنظر إلى العالم بعين لا ترى إلا ما يؤكد مرارتها.
مثال من الحياة اليومية:
تجلس مع صديق لمدة ساعة.
منذ اللحظة الأولى يبدأ بإخبارك أن عمله سيئ، وأن الناس سيئون، وأن البلد سيئ، وأن المستقبل أسوأ، وأن كل نجاح تراه حوله إما حظ أو خداع.
بعد ساعة، قد تغادر اللقاء وأنت تشعر بثقل وانقباض.
في اللغة الشعبية تقول:
«استنزف طاقتي».
أما بلغة علم النفس فيمكن القول إنك قضيت وقتاً طويلاً في استقبال انفعالات سلبية متواصلة، والاستجابة لها ذهنياً وعاطفياً.
الخبرة حقيقية، وإن اختلف تفسيرها.
«الطاقة السلبية» هنا ليست مادة غامضة تطير بين الأجساد، بل اسم روحي ـ نفسي لحالة تتراكم فيها الأفكار والانفعالات والسلوكيات حتمن علم الطاقة السلبية وعلم النفسى تصنع للإنسان مناخاً داخلياً ينعكس على من حوله.
“من علم الطاقة السلبية وعلم النفس”
لماذا نرتاح لإنسان وننقبض من آخر؟
كم مرة قابلت إنساناً للمرة الأولى وشعرت براحة نحوه قبل أن تعرف عنه الكثير؟
وكم مرة حدث العكس؟
نقول أحياناً:
«ارتحت لطاقته».
وهذا التعبير يمكن فهمه دون الحاجة إلى افتراض ظاهرة خارقة.
فالإنسان يلتقط من الآخر عشرات الإشارات في وقت قصير: تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، وطريقة النظر، وسرعة الكلام، وحركة اليدين، والمسافة التي يتركها بينه وبين الآخرين، ودرجة التوتر في جسده.
وأحياناً يستجيب جسمنا لهذه الإشارات قبل أن يستطيع عقلنا الواعي شرح السبب.
وهنا يظهر مفهوم الإدراك الباطني Interoception.
وهو، ببساطة، وعي الدماغ بما يجري داخل الجسد نفسه.
فعندما يدخل شخص غاضب إلى الغرفة، قد يتسارع نبضك قليلاً أو يتوتر جسدك قبل أن تقول لنفسك بوضوح: «هذا الرجل يجعلني غير مرتاح».
وعندما تجلس أمام إنسان هادئ، مستمع، غير عدواني، قد يهدأ تنفسك تلقائياً.
هذا جزء مما نسميه شعوراً داخلياً.
مثال آخر:
قد تدخل مقابلة عمل فتشعر فجأة بانقباض في المعدة وخفقان في القلب.
الجسد هنا لم «يتنبأ بالمستقبل»، بل يستجيب لتوتر الموقف قبل أن تصوغه أنت في كلمات.
وهذا يساعدنا على فهم كثير من الحالات التي نسميها عادةً «إحساساً داخلياً».
العدوى الانفعالية: المشاعر تنتقل
هناك أيضاً مفهوم علمي يسمى العدوى الانفعالية Emotional Contagion.
والاسم قد يبدو معقداً، لكننا نراه كل يوم.
ادخل إلى غرفة يضحك فيها خمسة أشخاص بصدق، فقد تجد نفسك مبتسماً قبل أن تعرف موضوع الضحك.
وادخل إلى بيت حدثت فيه مشادة حادة قبل دقائق، وقد تشعر بالتوتر حتى إن لم يخبرك أحد بما جرى.
فالإنسان كائن اجتماعي، ويتأثر بحالات الآخرين.
مثال واضح جداً:
الأم قلقة بشدة من امتحان طفلها.
تقول له طوال الطريق:
«لا تخف… لا تخف… الامتحان سهل».
لكن صوتها مرتجف، ووجهها مشدود، وحركتها عصبية.
الطفل قد لا يصدق كلماتها، بل يلتقط حالتها الوجدانية، فيزداد خوفه.
هنا انتقل القلق، لا بواسطة قوة سحرية، بل عبر منظومة كاملة من الإشارات الإنسانية.
ما نسميه أحياناً «انتقال الطاقة» قد يكون في كثير من المواقف انتقالاً للمناخ الانفعالي عبر الوجه والصوت والجسد والسلوك.
فالإنسان المطمئن قد يمنح مجلسه شيئاً من الطمأنينة.
والإنسان الغاضب قد يجعل المكان كله أكثر توتراً.
ولهذا فإن السلام الداخلي ليس شأناً فردياً خالصاً؛ إنه أيضاً شكل من أشكال المسؤولية تجاه الآخرين.
الذرة والذبذبة: أين ينتهي العلم وتبدأ الاستعارة؟
تتكرر في الخطابات الروحية كلمات مثل:
«ذبذبات عالية» و«ذبذبات منخفضة» و«ترددات الوعي».
لكن من المهم ألا نخلط بين الاستخدام الروحي لهذه الكلمات وبين معناها في الفيزياء.
في الفيزياء، التردد والذبذبة لهما معنى يمكن قياسه.
أما عندما نقول:
«هذا الإنسان ذو ذبذبات مرتفعة لأنه محب»،
فإننا نستعمل كلمة فيزيائية استعمالاً مجازياً.
وهذا جائز أدبياً وروحياً، بشرط ألا نقدمه على أنه قانون أثبتته المختبرات.
مثال يوضح الفرق:
إذا غضبت من زميلك في العمل، فإن غضبك قد يرفع صوتك، ويشد عضلات وجهك، ويزيد نبضك، ويغير طريقة كلامك.
هذه تغيرات يمكن دراستها علمياً.
أما القول إن غضبك أطلق «ذبذبة كونية» تسببت بعد ساعتين في تعطل سيارتك، فهذه دعوى أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.
التمييز بينهما يحمي الروحانية من الخرافة، ويحمي العلم من إساءة استخدام لغته.
النسيج الكوني: شبكة الكون العظيمة
ومن المصطلحات التي تحتاج إلى تبسيط النسيج الكوني Cosmic Web.
عندما ينظر الفلكيون إلى الكون على مقاييس هائلة جداً، يجدون أن المجرات لا تتوزع مثل حبات رمل مبعثرة بالتساوي، بل تتجمع في خيوط وعناقيد هائلة، وبينها فراغات واسعة.
يمكن تقريب الصورة إلى الذهن بشبكة العنكبوت.
تخيل أن النقاط اللامعة الملتصقة بخيوط الشبكة هي المجرات والعناقيد، وأن المساحات الكبيرة بينها هي الفراغات الكونية.
هذا هو التشبيه المبسط لما يسمى النسيج الكوني.
لكن هذه الحقيقة الفلكية لا تعني تلقائياً أن هناك «شبكة روحية» تحمل أفكار البشر أو تنقل مشاعرهم.
يستطيع الإنسان المؤمن أو المتأمل أن يرى في هذا الاتساق معنى روحياً عميقاً، لكن هذا تأمل فلسفي وإيماني وليس نتيجة تجريبية في علم الفلك.
يستطيع العلم أن يصف كيف تنتظم المجرات في شبكة كونية مذهلة، ويستطيع القلب أن يتأمل في دلالة هذا الانتظام؛ لكن وصف البنية شيء، وتأويل معناها الروحي شيء آخر.
الإدراك خارج الحواس: ماذا نعني به؟
من المصطلحات الشائعة أيضاً الإدراك خارج الحواس ESP.
وهو اسم جامع لظواهر يفترض أصحابها الحصول على معلومة من غير الطريق الحسي المعروف.
ومن الأفضل شرح أنواعه بأمثلة:
التخاطر
هو الادعاء بأن شخصاً يعرف فكرة في عقل شخص آخر من دون حديث أو إشارة أو وسيلة اتصال.
مثال:
تفكر فجأة في صديق لم تره منذ سنوات، ثم يرن الهاتف فتجده هو المتصل، فتقول: «حدث تخاطر بيننا».
قد تكون التجربة مثيرة للدهشة، لكن الحادثة المفردة وحدها لا تكفي لإثبات التخاطر علمياً؛ لأننا نتذكر المصادفات اللافتة أكثر مما نتذكر مئات المرات التي فكرنا فيها بأشخاص ولم يتصلوا.
الاستبصار
هو الادعاء بمعرفة أمر بعيد أو مخفي من دون وسيلة حسية معتادة.
مثال:
أن يقول شخص إنه يعرف ما يوجد داخل صندوق مغلق لم يره من قبل.
هذه ليست كقول الطبيب الخبير، بمجرد رؤية المريض، إن حالته تبدو خطرة؛ لأن الطبيب هنا يعتمد على إشارات وخبرة سابقة.
الإدراك المسبق
هو الادعاء بمعرفة حدث قبل وقوعه.
مثال:
أن يقول شخص إنه رأى في المنام حادثاً بتفاصيل محددة ثم وقع كما رآه.
هذه الخبرات جزء من التراث الإنساني والديني والشعبي، لكن دراستها العلمية شيء آخر يتطلب شروطاً صارمة قابلة للاختبار والتكرار.
التعرف على الماضي
هو الادعاء بمعرفة تفاصيل من الماضي لم يحصل عليها الشخص بوسيلة عادية.
وهنا أيضاً يجب التمييز بين الادعاء الخارق وبين قدرة العقل العادي على استنتاج الماضي من آثار موجودة في الحاضر.
الحدس
أما الحدس فله وضع مختلف.
ليس كل حدس ظاهرة خارقة.
قد يكون العقل التقط عشرات الإشارات بسرعة، لكننا لم ندرك عملية التحليل نفسها.
مثال شهير من الواقع العملي:
ممرضة ذات خبرة تدخل غرفة مريض وتقول:
«هناك شيء غير طبيعي».
قد لا تستطيع فوراً تحديد السبب، ثم يتبين بعد دقائق أن حالة المريض بدأت بالتدهور.
قد يكون عقلها التقط تغيراً طفيفاً في لون البشرة، أو التنفس، أو الحركة، أو الصوت، وقارن ذلك بصورة مخزنة من آلاف الحالات السابقة.
هي لم تجرِ الحساب بوعي، ولذلك شعرت بالنتيجة على هيئة «حدس».
ليس كل ما يأتي إلى الوعي من غير استدلال ظاهر معرفةً خارقة؛ فقد يصل العقل إلى النتيجة قبل أن يخبرنا بالطريق الذي سلكه للوصول إليها.
هندسة الوعي: ماذا نعني بها؟
تستخدم بعض المدارس الروحية تعبير هندسة الوعي.
ويمكن فهمه ببساطة باعتباره العمل المنظم على إعادة تشكيل الطريقة التي يرى بها الإنسان ذاته والعالم.
فنحن لا نرى الأحداث كما هي فقط، بل نراها أيضاً من خلال تاريخنا ومخاوفنا وقناعاتنا.
مثال:
يتلقى شخصان الملاحظة نفسها من المدير:
«هذا التقرير يحتاج إلى تحسين».
الأول يسمعها في داخله هكذا:
«أنت فاشل».
فيغضب وينكمش.
أما الثاني فيسمع:
«هناك أشياء في التقرير يمكن تحسينها».
فيطلب الملاحظات ويعمل عليها.
الحدث الخارجي واحد.
لكن البنية الداخلية التي استقبلته مختلفة.
وهنا يصبح بناء الوعي تدريباً على أن نميز بين الواقعة وبين القصة التي نصنعها حول الواقعة.
التخلي والتحلي والتجلي
وهذه من أجمل المصطلحات في طريق السلوك الروحي، لكنها قد تبدو غامضة لمن يسمعها للمرة الأولى.
التخلي
هو أن يتخلى الإنسان عن الصفات التي تحجبه عن صفائه: الحقد، والحسد، والغرور، والكذب، والطمع، والاستعلاء.
ولا يعني أن يقول:
«لقد تخلصت من الغضب».
بل أن يعمل فعلياً على نفسه.
مثال:
شخص يشعر بالغيرة من نجاح زميله.
التخلي لا يعني أن يخفي الغيرة ويبتسم له مصطنعاً.
بل أن يعترف في داخله:
«نجاحه يؤلمني لأنني أقارن نفسي به».
ثم يبدأ بمعالجة المقارنة بدلاً من تحويل الغيرة إلى تشويه للآخر.
هذه مكاشفة.
وهذه بداية التخلي.
التحلي
بعد إزالة بعض ما يثقل النفس، يأتي العمل على اكتساب ما يقابله.
بدلاً من الحسد: الامتنان.
بدلاً من الغرور: التواضع.
بدلاً من الكذب: الصدق.
بدلاً من الانتقام: القدرة على الصفح حين يصبح الصفح ممكناً وعادلاً.
التجلي
أما التجلي فليس عرضاً سحرياً ولا امتلاكاً لقوة خارقة.
إنه، في لغة روحية مبسطة، أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على رؤية الحقيقة حين يخف الضجيج الذي تصنعه نفسه.
مثال شديد البساطة:
كأس ماء مليء بالطين لا يعكس الصورة بوضوح.
إذا تركته ساكناً، ترسب الطين وأصبح الماء أصفى.
التجربة الروحية تشبه هذه الصورة: ليست الحقيقة دائماً غائبة، لكن اضطراب النفس قد يحجب رؤيتها.
التخلي ليس أن تصبح بلا شخصية، بل أن تتخفف مما يستعبد شخصيتك؛ والتجلي ليس اكتساب قوة غريبة، بل أن ترى بوضوح أكبر بعدما هدأ الضجيج في داخلك.
النيرفانا: ليست نشوة عابرة
ومن المصطلحات التي قد يساء فهمها النيرفانا Nirvāṇa.
وهو مصطلح ينتمي أصلاً إلى التقليد البوذي.
ولا يعني مجرد السعادة، ولا حالة استرخاء عميقة بعد جلسة تأمل.
يمكن تبسيط الفكرة هكذا:
الإنسان يتعلق بشيء ويريد الاحتفاظ به بأي ثمن، أو ينفر من شيء ويريد الفرار منه بأي ثمن، فيظل ذهنه مشدوداً بين التعلق والنفور.
في التصور البوذي، النيرفانا متصلة بالتحرر من هذه الدائرة ومن أسباب المعاناة المرتبطة بها.
مثال تقريبي فقط:
شخص يعيش سنوات وهو يقول:
«لن أكون سعيداً إلا إذا امتلكت هذا المنزل».
يحصل على المنزل.
يسعد شهوراً، ثم ينتقل تعلقه إلى منزل أكبر.
المشكلة لم تكن المنزل، بل أن سعادته أصبحت رهينةً دائمة لشيء لم يحصل عليه بعد.
الفكرة الروحية هنا هي التحرر من الاستعباد للتعلق، لا الامتناع عن امتلاك الأشياء بالضرورة.
ليست النيرفانا نشوةً طاقية عابرة، بل مفهوم للتحرر من التعلق والنفور والجهل الذي يبقي الإنسان أسيراً لدائرة المعاناة.
حين يتحول التشاؤم إلى جسد
يمكن للحالة النفسية المستمرة أن تؤثر في الجسد، لكن من المهم ألا نبسط العلاقة إلى درجة الخرافة.
فالإنسان الذي يعيش ضغطاً نفسياً مزمناً قد يعاني اضطراب النوم، وزيادة التوتر العضلي، وتغيرات في الشهية، والإجهاد، وصعوبة التركيز، وغيرها من المظاهر المرتبطة باستجابة الجسم للضغط.
مثال:
قبل مقابلة مهمة، قد تشعر بخفقان القلب وجفاف الفم وتعرق اليدين.
لم يحدث شيء خارق.
الفكرة النفسية ـ «أنا أمام خطر أو اختبار» ـ حركت استجابة جسدية حقيقية.
فكيف إذا استمرت حالة الخوف أو القلق شهوراً وسنوات؟
لكن ذلك لا يعني أن كل مرض سببه التفكير السلبي، ولا أن المريض مسؤول أخلاقياً عن مرضه، ولا أن التفاؤل يعالج الأمراض وحده.
وهذه نقطة ضرورية أخلاقياً وعلمياً.
لا ينبغي تحويل الخطاب الروحي إلى محاكمة للمريض.
الناموس: النتيجة التي تسكن الفعل
في اللغة الروحية نتحدث أحياناً عن الناموس الكوني.
ويمكن تبسيط الفكرة بعيداً عن الاعتقاد بأن الكون «يعاقب» الإنسان بإرسال مصائب غامضة إليه.
بعض الأفعال تحمل نتائجها داخلها.
مثال:
من يكذب باستمرار لا يحتاج إلى صاعقة تنزل عليه من السماء لكي «يعاقب».
يكفي أن يكتشف الناس كذبه مراراً.
سيفقد ثقتهم.
ثم يحتاج إلى كذبة ثانية لحماية الأولى.
ثم يعيش خائفاً من انكشاف الثالثة.
لقد أصبحت العقوبة جزءاً من بنية الكذب نفسه.
والحقد كذلك.
فالإنسان قد يعتقد أن حقده يؤذي خصمه، بينما قد يكون خصمه يعيش حياته بعيداً عنه، في حين يستيقظ هو كل صباح حاملاً الخصومة في صدره.
وهنا يصبح الحقد سجناً لحامله.
«الناموس لا يحتاج دائماً إلى عقوبة تأتي من الخارج؛ فكثير من الانحرافات تحمل عقوبتها في بنيتها: الحقد يضيّق صاحبه، والخوف يسجن صاحبه، والكذب يفتك بثقة صاحبه قبل أن يفتك بالآخرين.»
“مايا سمعان“
من الحب إلى «اللاحب»
أستعمل هنا كلمة اللاحب بدلاً من جعل الكراهية الضد المباشر للحب.
فالكره انفعال، أما اللاحب فهو أحياناً شيء أشد صمتاً: انقطاع الصلة.
أن يفقد الإنسان دهشته.
أن يصبح عاجزاً عن الامتنان.
أن يرى الآخر وظيفةً أو خصماً أو وسيلةً فقط.
أن تمر أمامه الأشياء الجميلة فلا توقظ فيه شيئاً.
مثال:
قد يعيش زوجان في بيت واحد سنوات.
لا يتشاجران.
ولا يكرهان بعضهما.
لكن كلاً منهما توقف عن الإصغاء إلى الآخر، وعن الاهتمام بألمه، وعن الفرح بفرحه.
ليس هناك كراهية ظاهرة.
لكن الحب انحسر حتى أصبحت العلاقة إدارةً يومية للحياة أكثر منها لقاءً بين روحين.
هذا أحد معاني «اللاحب».
«حين ينطفئ الحب لا تولد الكراهية بالضرورة؛ قد يولد شيء أكثر صمتاً وخطورة: اللاحب، حين يفقد الإنسان قدرته على الاتصال بالحياة والمعنى والآخر، فيغدو حياً بالجسد ومنطفئاً في الداخل.»
“مايا سمعان“
الإيجابية ليست إنكاراً للألم
ومن المهم هنا إزالة سوء فهم شائع.
الطاقة الإيجابية، بالمعنى الذي نقصده، لا تعني أن يبتسم الإنسان وهو محطم، أو أن يقول لمن فقد عزيزاً:
«فكر بإيجابية».
ولا تعني أن المظلوم مسؤول عن الظلم لأنه «جذب طاقة سلبية».
هذه ليست روحانية، بل إنكار للألم الإنساني.
الإيجابية الناضجة هي أن نعترف بالحقيقة كاملة، ثم نسأل:
ما الذي بقي في قدرتي أن أفعله؟
مثال:
شخص فقد عمله.
الإيجابية الزائفة تقول:
«لا تحزن، كل شيء رائع».
أما الإيجابية الناضجة فتقول:
«نعم، ما حدث مؤلم ومقلق. ابك إن احتجت. ثم عندما تستطيع، سنرى معاً ما الخطوة التالية».
الفرق كبير.
الأولى تنكر الألم.
والثانية تعترف به دون أن تسلمه مفاتيح المستقبل.
الروح لا ترتقي بالألفاظ
وهنا نصل إلى موضع بالغ الأهمية.
ليس الإنسان أكثر روحانية لأنه يكثر من استعمال كلمات:
«الوعي»، و«الطاقة»، و«التجلي»، و«التردد»، و«النور».
قد يحفظ قاموس التصوف كله ويبقى أسيراً للغرور والحقد.
وقد يكون إنسان بسيط لا يعرف هذه المصطلحات، لكنه صادق، رحيم، أمين، متسامح؛ فيكون قد حقق في سلوكه ما لم يحققه آخر في آلاف الكلمات.
المعيار ليس ما نقوله عن أرواحنا.
بل ما أصبحت عليه هذه الأرواح.
خاتمة: لا تجحدوا ما أودعه الله فيكم
إلى الذين يصرون على أن أبوابهم جميعاً أغلقت، وأن نصيبهم كُتب عليهم بمداد النحس، وأن لا سلطان لهم على شيء من أرواحهم:
قد لا تستطيع أن تغير كل ما حدث لك.
وقد لا تستطيع استرداد من فقدت، أو محو ظلم وقع عليك، أو استعادة أعوام مضت، أو تبديل العالم وفق ما تشتهي.
لكن الله لم يخلق الإنسان مجرد وعاء تستقر فيه الحوادث.
وهبه وعياً يستطيع أن يراجع نفسه، وإرادة يستطيع أن يدربها، وقلباً يستطيع أن يطهّره، وضميراً يوقظه حين يضل، وعقلاً يميز، وقدرة على الرحمة والمغفرة والمحبة والتوبة والبدء من جديد.
هذه ليست زينة روحية أودعت في الإنسان لكي يتحدث عنها.
إنها آليات للارتقاء.
فالذي يستطيع أن يغضب ويستطيع، بالتدريب، ألا يصبح عبداً لغضبه.
والذي يشعر بالحسد يستطيع أن ينظر إليه في نفسه قبل أن يحوله إلى أذى.
والذي أخفق يستطيع أن يتعلم من إخفاقه بدلاً من أن يصنع منه لقباً أبدياً لنفسه.
والذي جُرح يستطيع، ولو بعد زمن طويل، ألا يسمح لمن جرحه بأن يستمر في حكم حياته من داخل ذاكرته.
هنا تبدأ الحرية الروحية.
ومن الجحود أن يمتلك المرء النور ثم يختار العتمة لأنها أسهل؛ وأن يُعطى باب المكاشفة فيغلقه، ويُعطى إمكانية التعلم فيتخذ من الجهل قدراً، ويُعطى القدرة على المحبة فيستبدلها بالمرارة، ثم يسأل السماء:
لماذا لم يتغير شيء؟
إن الارتقاء الروحي لا يحدث بالادعاء، ولا بترديد كلمات «الطاقة» و«الذبذبات» و«الوعي»، ولا بانتظار قوة غيبية تعيد هندسة حياتنا نيابةً عنا.
إنه يبدأ عندما يصبح الإنسان صادقاً بما يكفي ليرى ظلامه من دون أن يبرره، وشجاعاً بما يكفي ليعمل على تغييره، ومتواضعاً بما يكفي ليعرف أن النور الذي يطلبه لم يكن دائماً بعيداً عنه.
قد يكون محجوباً فقط.
بخوف راكمه.
أو حقد أطعمه.
أو عادة استسلم لها.
أو «نحس» أقنع نفسه بأنه قدره.
فلا تجعلوا ما وهبكم الله من وعي ومحبة وإرادة وضمير قوىً معطلةً في أعماقكم، ثم تشكون فقر الروح.
افتحوا ما أغلقتم.
نقّوا ما تراكم.
فعّلوا ما وُهب لكم.
فالروح لا تسمو لأنها تتمنى السمو؛ بل لأنها تتخفف مما يثقلها، وتتطهر مما يحجبها، وتسير بإرادتها نحو النور. وعندها يصبح التجلي ممكناً: لا بوصفه معجزة تهبط على من ينتظرها خاملاً، بل ثمرةَ نفسٍ جاهدت كي تصبح أكثر صفاءً، وأكثر وعياً، وأكثر جدارةً بما أودع الله فيها منذ البدء.







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.