
![]()
الإنسان كائن ديناميكي غير مستقر على حال واحدة؛ تتجاذبه العواطف والأفكار والظروف الخارجية، مما يجعله دائم التغيّر في مشاعره ومواقفه وسلوكه.
ولكن هذا التعريف لا يعني أن الإنسان يمكن أن يتحول من النقيض إلى النقيض، وإنما قد تتغير مواقفه وأدواته من دون أن تمسّ هذه التغيّرات ثوابته الجوهرية. فالذي يحمل لواء الدفاع عن المظلومين، وتحقيق الحرية والكرامة، يفترض أن يبقى على هذا النهج ما دام حيّاً، ولا بأس أن يطوّر أدواته وأساليبه بما ينسجم مع تغيّر الأزمنة والظروف.
والتاريخ يضرب لنا أمثلة كثيرة عمّن أفنوا حياتهم في الكفاح والنضال، وصبروا على السجون والتعذيب، وضحّوا بالغالي والنفيس من أجل تحقيق أهدافهم. وقد خلّد التاريخ أسماءً بحروف من ذهب، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: نلسون مانديلا، الذي حارب نظام الفصل العنصري، ومارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية، ومالكوم إكس، المدافع الشرس عن حقوق الإنسان وحقوق السود في أميركا. هؤلاء لم يضعوا عصاهم، ولم تلن لهم قناة، حتى أتاهم اليقين.
أعبر من هذه المقدمة إلى الثورة السورية التي امتدت قرابة عقد ونصف، وحمل لواءها أفراد ومنظمات وشخصيات وأحزاب، وكلها كانت تدّعي وصلاً بليلى، وتعلن حرصها على خدمة الشعب السوري المكلوم وتحقيق الأهداف التي خرج من أجلها، ودفع في سبيلها ثمناً باهظاً من الشهداء والمفقودين والجرحى والمهجّرين، وعطالة الشخصيات الثورية بعد التحرير المفتعلة.
لقد كانت حناجر الثوار تلهج، من دون كلل أو ملل، بالمطالبة بإسقاط النظام الحاكم المستبد، وتحقيق الحرية والكرامة والديمقراطية، وإرساء العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وبناء دولة القانون والمواطنة.
وما إن رفرفت رايات النصر خفاقة فوق سماء دمشق، حتى عمّت الأفراح والأهازيج والسرور أرجاء الوطن الجريح، وجاءت البيانات المطمئنة من المحررين والفاتحين بأن حقبة الظلم والقهر والقتل والاعتقال قد طُويت وولّت، وأصبحت في خزائن التاريخ.
بدأ الشعب السوري يتنفس الصعداء، ويترقب المستقبل المنشود والأمل المعقود، متطلعاً إلى فتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة.
بدأ الزبد يذهب جفاء، وشرعت أنوار الحقيقة تشق طريقها لتفرز الغث من السمين، وتكشف الأوراق عن مناضلي الثورة الثابتين كالجبال الراسية، وعن الوصوليين والانتهازيين الذين كانت غايتهم تحقيق مآرب شخصية.
“نعيم مصطفى الفيل”
ثلاثة أصناف بعد التحرير
تباينت مواقف الثوار، ومن كانوا يسمَّون ثواراً، وانقسموا ـ في تقديري ـ إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: التأييد المطلق
هو الذي أيّد الحكومة الجديدة، وراح يشد على يدها ويذود عن حياضها في الحق والباطل، بكل ما أوتي من قوة.
وراح بعض أفراد هذا الصنف يطرح أفكاراً تحاكي، في جوهرها، بعض ممارسات النظام البائد؛ فمنهم من ينتقد إنشاء الأحزاب، ويزعم أنها تفسد الوطن، مع أن الأحزاب تمثّل إحدى ركائز الحياة السياسية في كثير من الدول المتحضرة والمتطورة.
ومنهم من يدعو إلى نظام ملكي على غرار بعض ملكيات الخليج، وثالث ينتقد أي مظاهرة، ويعتبر المشاركين فيها من «الفلول»، حتى لو كانت المظاهرة تطالب بالعدالة الانتقالية أو بحق من حقوق الشعب.
الصنف الثاني: المعارضة المطلقة
أما الصنف الثاني، فقد اتخذ موقفاً مناهضاً للحكومة الجديدة منذ وصولها إلى سدة الحكم، وراح يكيل لها الاتهام تلو الآخر، ويعتبرها ـ زوراً وبهتاناً في رأيي ـ أسوأ من سابقتها.
وأعتقد أن بعض أفراد هذا الصنف يسعون إلى الشهرة والأضواء والمناصب أكثر مما يعنيهم الشعب السوري ومعاناته، ولا ينظرون إلى الواقع الجديد إلا من زاوية الرفض المسبق.
الصنف الثالث: التأييد النقدي
وهو الصنف الذي أراه الأكثر عقلانية؛ يؤيد الحكومة الجديدة، لكنه ينتقد ما يستحق النقد، ويشيد بما يستحق الإشادة، ولا يزال يضع أهداف الثورة نصب عينيه معياراً للحكم على الأداء.
ويراقب هذا الصنف سلوك الحكومة بدقة، ويبدو أن غايته حسنة؛ فهو يسعى إلى بناء دولة تكون نتاجاً لثورة عظيمة شهد لها القاصي والداني، لا مجرد استبدال سلطة بسلطة أو أشخاص بأشخاص.
«الثائر الحقيقي لا تتحول الثورة عنده بعد النصر إلى ولاءٍ أعمى؛ فالمبادئ التي واجه بها الاستبداد يجب أن تبقى معياراً يحاكم به السلطة الجديدة أيضاً.»
“نعيم مصطفى الفيل”
بين النجاح الخارجي والتعثر الداخلي
ولو وقفنا وقفة موضوعية لتسليط الضوء على أداء الحكومة التي وُلدت منذ قرابة سنتين، لرأينا أنها حققت، على الصعيد الخارجي، نجاحات واضحة، وسلكت طريق المقاربة والتسديد، وحاولت تطبيق سياسة تقوم على تقليل الخصومات ومد جسور التواصل مع مختلف الدول.
وقد يكون الاقتراب من مفهوم «صفر مشاكل» خياراً مناسباً للدولة السورية في المرحلة الحالية، لأنها دولة منهكة ومحطمة، ولم يتركها آل الأسد إلا بعد أن جسّدوا عملياً شعارهم الخبيث: «الأسد أو نحرق البلد».
ومن الحكمة في هذه المرحلة المهادنة ومد يد السلام إلى دول العالم العربية والإقليمية والدولية، إلى أن تقوى شوكة الدولة ويشتد عودها، فتتمكن لاحقاً من العمل على استعادة حقوقها ومصالحها المسلوبة.
أما على الصعيد الداخلي، وللأسف، فقد كانت النجاحات أقل بكثير مما تحقق في السياسة الخارجية.
وأرى أن أحد الأسباب يعود إلى أن الأداء لا يزال يعتمد، في بعض المواقع، على الولاءات أكثر من اعتماده على أصحاب الكفاءات، إضافة إلى أن عدداً من الذين يتولون مسؤوليات حكومية هم من الشباب ذوي الخبرة المحدودة.
ولو عرضنا بعض ما يؤخذ على الحكومة لوجدنا ما يلي:
بقايا النظام السابق داخل المؤسسات
ما تزال بعض المؤسسات الحكومية تضم أشخاصاً محسوبين على النظام السابق، وبعضهم مرتبط بممارسات الفساد وتلقي الرشى، في حين يوجد ثوار وأصحاب خبرات يمكن الاستفادة منهم.
بل إن من ترك وظيفته والتحق بالثورة، أو اضطر إلى الهجرة، قد يجد اليوم صعوبة في العودة إلى عمله.
وما هكذا يُكافأ من دفع ثمناً لموقفه.
معارضون يعودون فتنتظرهم ملفات النظام السابق
بعض الشخصيات السورية الموجودة في الخارج، ومنها شخصيات معروفة بمعارضتها للنظام البائد حتى قبل الثورة، عندما تعود إلى وطنها بعد أن حُرمت منه سنوات أو عقوداً، قد تجد أمامها ملفات ومحاكم وإجراءات تعود إلى زمن النظام السابق.
وبدلاً من أن تُزال عنها آثار تلك المرحلة، وتُقدّر مواقفها الوطنية، يُطلب من بعضها مراجعة الدوائر للتحقق من أوضاعها وبراءتها.
وهذه مفارقة تحتاج إلى معالجة إدارية وقانونية سريعة وواضحة.
مواكب المسؤولين
إن المواكب الفاخرة التي ترافق بعض المسؤولين، كباراً وصغاراً، تستفز المواطنين، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها كثير من السوريين.
فلا يمكن للسلطة الجديدة أن تطلب من المواطن الصبر والتقشف، ثم تقدم له في الوقت نفسه مظاهر بذخ لا تنسجم مع أحوال البلاد.
المشهد الإعلامي
ومن الملاحظ أيضاً تصدّر بعض الإعلاميين ذوي الخبرة المحدودة والأداء الضعيف للمشهد الإعلامي، مع أنهم يُحسبون على الحكومة.
والإعلام ليس تفصيلاً هامشياً في مرحلة انتقالية؛ فهو واجهة الدولة أمام شعبها والعالم، وضعفه ينعكس سلباً على صورة الحكومة ورسالتها.
خبرات السوريين في الخارج
كذلك لم تتم الاستفادة، بالقدر المطلوب، من خبرات السوريين الذين هاجروا إلى أوروبا وتركيا وغيرها، سواء في القضايا البسيطة أم في الملفات المعقدة.
لقد راكم هؤلاء تجارب طويلة في الإدارة والاقتصاد والبلديات والخدمات والصحة والتعليم والتكنولوجيا، ويمكن للدولة الجديدة أن تستفيد منها في إعادة بناء مؤسساتها.
وفي تركيا، على سبيل المثال، نجد بلديات تفتح مطابخ للفقراء، وتوفر مراكز لبيع الخبز بأسعار منخفضة، وتعتني بالحدائق العامة وتجهيزها بألعاب الأطفال، كما تكون المواصلات مجانية في بعض المناسبات والأعياد.
لا يعني ذلك نسخ تجارب الآخرين حرفياً، ولكن من المفيد دراسة ما نجح لديهم والاستفادة مما يناسب الواقع السوري.
“نعيم مصطفى الفيل”
الكهرباء والأعباء المعيشية
ومن القضايا التي تستحق المراجعة أيضاً الإصرار على عدم تخفيض أسعار فواتير الكهرباء التي ترهق كاهل معظم السوريين، وعدم التمييز في آليات الدفع والدعم بين الفقير والغني.
ففي دول عديدة توجد سياسات تراعي الفئات الأضعف اجتماعياً، وتمنحها خصوصية في الدعم والخدمات الأساسية.
ولا يمكن بناء الثقة بين المواطن والدولة إذا شعر الفقير بأن عليه أن يتحمل العبء نفسه الذي يتحمله القادر والميسور.
«بناء الدولة لا يبدأ من الشعارات الكبرى وحدها؛ بل من شعور المواطن بأن كرامته اليومية، ولقمة عيشه، وحقه في العدالة، أصبحت جزءاً حقيقياً من معنى التحرير.»
نعيم مصطفى الفيل
ما بعد التحرير: الامتحان الأصعب
ثمة أمور كثيرة تحتاج إلى المعالجة، لكن وجود النيات الحسنة، ومد جسور الثقة المتبادلة بين الحكومة والمواطن، يمكن أن يفتح الطريق لبناء الوطن معنوياً ومادياً وفكرياً على أسس علمية متقدمة ومتطورة.
إن الانتصار على النظام السابق لم يكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً؛ لأن إسقاط سلطة مستبدة يمكن أن يكون حدثاً تاريخياً، أما بناء دولة العدالة والقانون والمؤسسات والمواطنة فهو مشروع طويل يحتاج إلى كفاءات وعقول وصبر ورقابة ونقد مسؤول.
والدولة الجديدة لا تُبنى بما تتخذه السلطة من قرارات فقط، وإنما أيضاً بقدرتها على الإصغاء إلى مواطنيها، وباستعداد المواطنين أنفسهم للمشاركة والنقد والبناء.
عندما يصبح معيار الولاء هو الوطن، ومعيار الوصول إلى المسؤولية هو الكفاءة، ومعيار النقد هو المصلحة العامة، تستطيع الثورة أن تنتقل من لحظة التحرير إلى مشروع دولة تليق بتضحيات السوريين.








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.