
ليست المشكلة في أن يكتب الآخرون عن سوريا، بل فيما تفعله سوريا بما يُكتب عنها. فالدراسة الأوروبية عن سوريا تتيح فرصة لقراءة واقع البلاد بعين نقدية، واختبار ما يُكتب عنها بالأدلة، والاستفادة منه في بناء المؤسسات والمعرفة الوطنية.
الدراسة التي أعدّها باحثون بطلبٍ من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي لا ينبغي أن تتحوّل إلى مادة للتخوين أو المديح، بل إلى فرصة لنسأل كيف يرى الآخرون واقعنا وكيف نستفيد من هذه القراءة، ونصحح ما نراه ناقصاً فيها.
في 17 أيلول/سبتمبر من العام 2026، نشر مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي دراسة بعنوان “تأثير سقوط نظام الأسد على سوريا والمنطقة الأوسع”، أعدّها ثلاثة باحثين بطلبٍ من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي، ونسّق المشروع “رابطة دراسات السياسات عبر الأوروبية TEPSA”، وهي شبكة أوروبية لمراكز ومعاهد بحثية متخصصة في الشؤون الأوروبية.
تُشير الدراسة إلى أن السلطات الانتقالية حققت قدراً ملحوظاً من إعادة الاندماج الدولي، بالتوازي مع رفع عقوبات أممية وتخفيف جزئي للعقوبات الأوروبية والأميركية، واستئناف أطر الحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية، لكنها تضع هذا الانفتاح إلى جانب واقع داخلي تصفه بأنه ما زال هشاً، بسبب التحديات الاقتصادية، والعنف الطائفي، ومشكلات حماية الأقليات، ومحدودية المساءلة.
وتعرضُ الدراسة ثلاث مسارات محتملة لمستقبل سوريا خلال الاثني عشر إلى الأربعة والعشرين شهراً المقبلة:
1 ـ ترسيخ الدولة ومؤسساتها
2ـ استقرار سلطوي.
3 ـ عودة إلى أشكال من التفكك.
لكنها لا تتنبأ بحتمية أي منها بل تحاول تحديد العوامل التي قد تدفع البلاد في اتجاه دون آخر.
ومن المهم هنا التمييز بين طبيعة الدراسة ومكان صدورها، فهي دراسة بحثية أعدّها باحثون، وليست قراراً أو بياناً رسمياً صادراً عن الاتحاد الأوروبي، كما أن ما يرد فيها لا يستند كله إلى النوع نفسه من الأدلة، فبعض المعلومات مبني على تقارير ودراسات منشورة، وبعضها على مقابلات أجراها الباحثون، وبعضها الآخر يعكس تحليلات وتقديرات، وهذه مصادر قد تكون مفيدة، لكن وزنها ودرجة اليقين فيها يختلفان.
وقد تنقل الدراسة، استناداً إلى تحقيق صحفي، توصيفاً لشخصية مرتبطة بالمصرف المركزي بأنها “الحاكم الظل”، فيما ينقل التحقيق نفسه نفي محافظ المصرف لهذا التوصيف، لا يكفي نقل الادعاء وحده لتقديم صورة مكتملة، كما لا يحسم النفي المسألة، والمعالجة تكون بنشر معلومات ووثائق رسمية توضّح الصلاحيات وآلية اتخاذ القرار داخل المصرف، حتى يتمكن الجمهور والباحثون من التحقق من الوقائع، فإذا كان التوصيف غير دقيق، يُصحَّح بالأدلة وإذا كشف خللاً في الصلاحيات أو الرقابة، فينبغي معالجة الخلل.
وتُورد الدراسة أيضاً تقديراً بوجود عدم ثقة داخل بعض هياكل الحكم الجديدة تجاه الأقليات، ولا سيما العلويين، وتُحيل الحاشية في هذا الموضع إلى مقابلة غير مسمّاة مع أكاديمي وباحث ومستشار سياسات ناطق بالعربية، وهذا يجعل من الأدق وصف ما ورد بأنه استنتاج تحليلي مسنود بمقابلة، لا اقتباساً مباشراً عن خبير، ولا موقفاً رسمياً أعلنه الاتحاد الأوروبي، قد يكون هذا التقدير دقيقاً أو ناقصاً، لكن قراءته تقتضي معرفة مصدره وحدود ما يثبته.
أحياناً يبدأ الأمر برأي مصدر، ثم يتحول إلى فقرة في دراسة، قبل أن ينتشر على وسائل التواصل بوصفه “ما تقوله أوروبا” هنا تحديداً تصبح الحاشية ضرورية بقدر أهمية العنوان، لكن الانشغال بصحة كل فقرة لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم إلى أي مدى ننتج نحن المعرفة عن سوريا؟ من يزوّد الباحثين والجامعات ومراكز الدراسات بالبيانات؟ من يشرح ما يجري بالأرقام والوثائق؟ ومن يستطيع أن يقول عند صدور دراسة كهذه: هذه المعلومة صحيحة، وهذه ناقصة، ولدينا ما يوضح الصورة .
ليس المطلوب إنشاء مؤسسات مهمتها مدح الحكومة أو الدفاع عنها مهما فعلت، فاستبدال دعاية بدعاية لا ينتج معرفة، ما تحتاج إليه سوريا مؤسسات بحثية وباحثون ومنظمات مهنية، يسجلون الإنجاز حين يقع، وينبهون إلى الخلل حين يظهر، ويستندون في الحالتين إلى الأدلة لا إلى الولاء، فالبلد الذي لا ينتج معرفة موثوقة عن نفسه، سيترك للآخرين مهمة وصفه وتفسيره.
«البلد الذي لا ينتج معرفة موثوقة عن نفسه، سيترك للآخرين مهمة وصفه وتفسيره.»
ومن هنا، فإن أفضل رد حكومي على دراسة كهذه هو التعامل معها بوصفها دراسة بحثية: تُصحَّح المعلومات غير الدقيقة بالأدلة، وتُناقش الاستنتاجات المختلف عليها، وتُؤخذ الملاحظات المفيدة على محمل الجد، لا تخسر الدولة حين تعرف كيف يراها الآخرون بل قد تخسر حين تتعامل مع كل نقد على أنه خصومة، أو مع كل إشادة على أنها حقيقة نهائية، وتبدأ المعرفة الموثوقة بالشفافية، فكلّما نشرت الحكومة بياناتها وقراراتها وأرقامها، وشرحت للناس ما أُنجز وما تعذّر إنجازه وما يواجهها من مشكلات، تقلّ مساحة الشائعات والتقديرات غير المباشرة.
الشفافية ليست تنازلًا للمعارضة، بل وسيلة من وسائل بناء الثقة وتقوية الدولة.
كما أن بناء الدولة والديمقراطية لا ينبغي أن يُقدَّم أحدهما على أنه بديل من الآخر، سوريا الخارجة من أربعة عشر عاماً من الحرب والتدمير والانقسام والانهيار وتراكمات منذ العام 1970 التي اعتمدت النظام الأمني القمعي ونظام الفرد الواحد والحزب الواحد تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، واقتصاد منتج، وأمن يعمل بوصفه أمناً للدولة، وقضاء وإدارة ومجتمع مدني قادرين على التطوّر، وهذا لا يبرّر تأجيل الحريات إلى أجل غير معلوم بل يعني أن بناء المؤسسات وإصلاحها، وتوسيع المشاركة والحريات، مساران ينبغي أن يتقدما معاً، الدفاع عن الدولة لا يعني تبرير كل ما تفعله الحكومة، ونقد الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى رغبة في إثبات فشل الدولة، وبين الموقفين مساحة واسعة للعمل الجاد تصحيح، ومساءلة، إصلاح، حماية للمؤسسات والمصلحة العامة.
وتطرح الدراسة سؤالاً أوروبياً عن كيفية تحويل المال والمساعدات إلى نفوذ سياسي في سوريا، ومن حق السوريين أن يطرحوا سؤالهم أيضاً كيف نحوّل رغبة أوروبا في أداء دور في سوريا إلى مكاسب لسوريا نحن نحتاج إلى الاستثمار وإعادة الإعمار والخبرة وبناء المؤسسات والتعاون في مجالات التعليم والتكنولوجيا والتجارة، وأوروبا تريد بدورها سوريا مستقرة، وموقعاً لها في مستقبل البلاد، هذه مصالح يمكن التفاوض بشأنها، وليست سبباً لعقدة أو لمعركة.
لهذا، فالدراسة مفيدة لا لأنها تمثل الحقيقة النهائية عن سوريا، ولا لأن كل ما ورد فيها صحيح أو ينبغي قبوله، فائدتها أنها تكشف طريقة يقرأ بها جزء من الأوساط البحثية والسياسية الأوروبية سوريا الجديدة، بما تراه من إنجازات وتحديات، ثم تسأل عما يمكن لأوروبا فعله، إن قيمة هذه الدراسة لا تكمن في أنها تقول لنا من نحن، بل في أنها تتيح لنا أن نرى كيف يقرأ الآخرون واقعنا، وأن نختبر هذه القراءة بالحقائق، وما يستحق التصحيح نصححه بالأدلة، وما تكشفه من فجوات نعالجه بالعمل، وما تطرحه من أسئلة نواجهه بشفافية وثقة.
«الدفاع عن الدولة لا يعني تبرير كل ما تفعله الحكومة، ونقد الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى رغبة في إثبات فشل الدولة.»
وهنا تقع مسؤولية مشتركة على مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحث والباحثين أن تتعاون في توفير البيانات، وتوثيق ما يجري، وفتح المجال أمام البحث المهني والنقاش المسؤول، فالمعرفة الموثوقة لا تنتقص من جهود الدولة، بل تساعد على تطويرها، وتدعم قراراتها، وتعزز ثقة الناس بها، كما تتيح لسوريا الاستفادة من التطور العلمي والمعرفي والاقتصادي، ومن الخبرات والبرامج والشراكات التي تقدمها المؤسسات والاتحادات والمنظمات الدولية والأوروبية، بما يخدم أولوياتها الوطنية ويعزز قدرتها على إعادة البناء.
وكلما امتلكت سوريا مؤسسات بحثية قوية وباحثين قادرين على دراسة واقعها وعرضه بموضوعية، ازدادت قدرتها على تحديد أولوياتها وشرح خياراتها وبناء شراكاتها مع العالم من موقع المعرفة والثقة والغاية أن تصبح سوريا مصدراً للمعرفة عن نفسها، تصف ما أنجزته، وتوضح ما تعمل على معالجته، وتحدد ما تحتاج إليه لمستقبلها، عندها لن ننتظر كل مرة دراسة أجنبية لنسأل ماذا تحدّثوا عنا بل سنكون حاضرين ببياناتنا وباحثينا ورؤيتنا، شركاء في كتابة صورة سوريا ومستقبلها.
![]()

المرجع الأساسي للمقال
يان دانيال، آنا فيليبيوفا، كليمان شتوير. «تأثير سقوط نظام الأسد على سوريا والمنطقة الأوسع»
The impact of the fall of the Assad regime on Syria and the wider region.
البرلمان الأوروبي، المديرية العامة للسياسات الخارجية للاتحاد، 2026. أُتيحت على موقع مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي في 17 أيلول/سبتمبر 2026.
DOI: 10.2861/9503068.
صفحة الدراسة لدى مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي
سؤال المقالكيف يمكن لسوريا أن تحوّل الدراسات الأجنبية عنها إلى فرصة للإصلاح وبناء الشراكات، وأن تصبح مصدراً موثوقاً للمعرفة عن نفسها؟







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.