
أزمة السيولة العاطفية تبدأ من سؤال الهوية والقيم. حين يتحدث الأطباء عن نقص الفيتامينات وآثاره في صحة الإنسان، فإنهم يلفتون الانتباه إلى اختلالات قد لا تظهر أعراضها إلا بعد أن تتمكن من الجسد. ولعل في وسعنا استعارة هذا التشبيه للحديث عن نقص آخر، لا تقيسه التحاليل الطبية، لكنه يترك أثره في شخصية الفرد وفي بنية المجتمع، وهو ما يمكن تسميته مجازاً «نقص فيتامين الرجولة».
لا أقصد بهذا التعبير اختزال الرجولة في القوة الجسدية أو الخشونة، وإنما الإشارة إلى تراجع منظومة من القيم التي ارتبطت بها تاريخياً، كالثبات، وتحمل المسؤولية، والشجاعة، والاستقلال النفسي، والقدرة على مواجهة الخسارة دون الاستسلام لها. فحين تضعف هذه القيم، تنشأ شخصيات أكثر عرضة للتردد والاتكالية والاغتراب، ويصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت بعض مظاهر الهشاشة النفسية لدى الأجيال الجديدة تتصل، ولو جزئياً، بتراجع تلك المنظومة التربوية.
أزمة السيولة العاطفية وصناعة الصورة الإعلامية
والمتأمل في التحولات الثقافية المعاصرة لا يستطيع تجاهل الدور الذي تؤديه السينما والأغاني ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة رسم صورة الرجل. فقد أخذت بعض الأعمال الفنية تحتفي بنموذج «الرجل الرومانسي» و«الحساس» و«المرهف»، حتى غدا التعبير العاطفي المفرط، في بعض صوره، معياراً للحب الصادق، وأصبح الانهيار عند الفراق مشهداً مألوفاً يُقدَّم أحياناً بوصفه ذروة الوفاء.
ليست المشكلة في أن يحب الرجل أو يحزن أو يبكي؛ فهذه مشاعر إنسانية لا ينتقص وجودها من رجولته. المشكلة تبدأ حين يتحول التعبير عن العاطفة إلى استسلام، وحين يصبح الانكسار أسلوب حياة بدل أن يكون تجربة عابرة يتجاوزها الإنسان بالنضج والإرادة. عندئذٍ لا تعود الرومانسية إثراءً للشخصية، بل قد تتحول إلى بديل من الصلابة النفسية التي يحتاج إليها الفرد في مواجهة تقلبات الحياة.
«أخطر ما تفعله الشاشة حين تُحوّل الضعف العابر إلى بطولة دائمة، أن تجعل النهوض يبدو خيانةً للمشاعر.»
“مصعب الأحمد بن أحمد”
ولا يمكن فصل أزمة السيولة العاطفية عن المصالح الاقتصادية التي تحرك صناعة الترفيه والاستهلاك. فالسوق الحديثة لا تكتفي بتلبية حاجات الناس، بل تسهم أيضاً في إعادة تعريفها، وتوسيعها، وصناعة أنماط جديدة من الرغبات والسلوك. ومن هنا يمكن فهم التوسع في تسويق العطور ومستحضرات العناية والورود والأزياء والمنتجات التي كانت تُنسب تقليدياً إلى عالم النساء، لتصبح جزءاً من سوق استهلاكية مشتركة بين الجنسين.
ولا تكمن المشكلة في استعمال الرجل منتجاً بعينه، وإنما في تحوّل الهوية نفسها إلى مادة تسويقية قابلة لإعادة التشكيل وفق متطلبات الربح. وفي هذا السياق تتقاطع بعض الخطابات الإعلامية مع اتجاهات نسوية تدعو إلى إعادة النظر في الأدوار التقليدية للجنسين. وأرى أن الخطر لا يتمثل في المطالبة بالإنصاف أو صيانة الحقوق، بل في بعض التصورات التي تتعامل مع الفروق بين الرجل والمرأة وكأنها عوائق ينبغي إلغاؤها، دون اعتبار كافٍ لأثر ذلك في التربية والعلاقات الأسرية.
«حين تصبح الهوية سلعةً، يغدو الإنسان زبوناً في سوق يعيد تعريفه كلما تبدّلت مصالحه.»
“مصعب الأحمد بن أحمد”
إن الأجيال الصاعدة تحتاج إلى تربية تستعيد قيمة الصرامة المنضبطة، لا القسوة التي تحطم الشخصية، بل الحزم الذي يعلم الإنسان احتمال الخيبة، ومقاومة الإحباط، والنهوض بعد السقوط. فالرجل قد يفقد مالاً أو عملاً أو علاقة عاطفية، وقد يتعرض لخذلان موجع، لكن هذه التجارب لا ينبغي أن تسلبه قدرته على اتخاذ القرار واستئناف حياته. وليس المطلوب منه أن يتجرد من المشاعر، بل أن يتعلم إدارتها بدل أن تسيطر عليه.
وفي العلاقات الزوجية، تتجلى هذه المسألة بوضوح. فالطلاق أو الفراق قد يكون تجربة قاسية على الطرفين، غير أن النضج يقتضي ألا يتحول التعلق بالآخر إلى فقدان للكرامة أو الإرادة. وقد ورد في الحديث النبوي تعبير «وكسرها طلاقها» [1]، في سياق الدعوة إلى الرفق في التعامل الزوجي، وهو تعبير لا ينفي تألم الرجل بالفراق، لكنه يفتح باب التأمل في حساسية الروابط الإنسانية وما قد يترتب على تصدعها. أما الرجولة التي أدعو إلى استعادتها، فتقوم على قدرة الرجل على احترام اختيار شريكته، وصون كرامته، والمضي في حياته حين يتعذر استمرار العلاقة.
“الاستغناء هنا ليس جفاءً ولا إنكاراً للحب، وإنما تحرر من الارتهان العاطفي الذي يجعل قيمة الإنسان معلقة بقبول شخص آخر أو رفضه.”
“مصعب الأحمد بن أحمد”
ومن هذا المنظور، تتصل الرجولة بمعاني الثبات والمبادرة والإنتاج والقدرة على بناء الحياة. وأرى أن الرجل مطالب بتحمل مسؤولية واضحة في الأسرة والمجتمع، وأن العلاقة بينه وبين المرأة تقوم على التكامل في الأدوار لا على افتراض التطابق الكامل في الوظائف. فالاختلاف لا ينبغي أن يكون ذريعة للانتقاص من أحد الطرفين، كما أن المساواة في الكرامة والحقوق لا تقتضي بالضرورة تماثل جميع المسؤوليات والخصائص. وفي تصوري، تظل القيادة المسؤولة والمبادرة والحماية من الصفات التي يجدر بالتربية أن تنميها في الرجل، بالتوازي مع الدور الجوهري الذي تؤديه المرأة في بناء الأسرة واستقرارها.
وإذا عدنا إلى الصورة التي حفظتها الذاكرة التاريخية عن الرجال في العصور الإسلامية المبكرة، وجدنا أن نماذج الفروسية والشجاعة والأنفة وطلب المعالي احتلت موقعاً بارزاً في منظومة القيم. لقد كان الدين والعلم والعمل والدفاع عن الجماعة والارتقاء بالمكانة الاجتماعية من الدوافع التي يُحتفى بها، ولم يكن الحب، على حضوره الواضح في الأدب العربي، مبرراً للتخلي عن المسؤوليات أو فقدان السيطرة على المصير.
أما اليوم، فتقدم لنا بعض المشاهد الإعلامية نماذج لشباب يستجدون القبول العاطفي، ويبالغون في إظهار الانكسار عند الرفض، حتى تبدو العلاقة مع الطرف الآخر وكأنها الشرط الوحيد للشعور بالقيمة والوجود. وليس الاعتراض على التعبير عن الحب أو التقدم للزواج بأي صورة محترمة، بل على تحويل التوسل العاطفي والمذلة إلى نموذج يُحتذى، وكأن كرامة الإنسان لا تكتمل إلا إذا ظفر بمن يحب.
وتبدأ معالجة أزمة السيولة العاطفية من التربية، قبل أن تصل إلى الإعلام. فالفتى يحتاج إلى نماذج عملية يتعلم منها معنى الانضباط وتحمل المسؤولية وضبط الانفعالات والمبادرة. ويؤدي الأب، حين يكون حاضراً ومسؤولاً، دوراً مهماً في هذا المجال، كما تؤديه القدوات الرجالية في العائلة والمدرسة والمجتمع. وقد يؤدي غياب هذه النماذج لدى بعض الناشئة إلى ضعف اكتساب مهارات معينة، وإن كان ذلك لا يعني عجز الأم عن تربية أبنائها أو التقليل من قدرتها على تنشئتهم تنشئة سليمة.
فالخلل ليس في أن تكون المرأة هي القائمة على التربية، وإنما في أن ينشأ الفتى محروماً من التنوع الضروري في القدوات والخبرات الحياتية. وتزداد الحاجة إلى الاهتمام بالتربية البدنية والرياضة والانضباط اليومي، لما لها من دور في بناء اللياقة والثقة بالنفس والقدرة على الاحتمال. فالإفراط في الراحة، والخمول، والعادات الغذائية غير الصحية، قد يسهم في إضعاف البنية الجسدية ويعزز أنماطاً من الاتكالية لا تخدم نمو الشخصية.
«التربية التي تحمي الفتى لا تُصادر دموعه، بل تعلّمه ألّا يسلّم قراره لمن يملك إثارتها.»
“مصعب الأحمد بن أحمد”
وفي موازاة ذلك، تتسلل الرسائل الإعلامية المتكررة إلى وعي الناشئة، فتؤثر في تصوراتهم عن الحب والنجاح والرجولة والأنوثة. وحين يصبح البوح المستمر بالمشاعر قيمةً قائمة بذاتها، ويُقدَّم التنافس على أنه عدوانية، وتُصوَّر الصرامة باعتبارها عيباً، فقد يفقد بعض الشباب التوازن بين الحساسية الإنسانية والقدرة على الإنجاز.
إن المشاركة والتعاون قيمتان ضروريتان للحياة الاجتماعية، لكنهما لا تلغيان أهمية المنافسة الشريفة والطموح والرغبة في التفوق. فالمجتمع الذي يربي أبناءه على تجنب التحديات، خوفاً من الإخفاق أو النقد، لا يساعدهم على اكتشاف طاقتهم الكامنة، بل قد يدفعهم إلى الاكتفاء بأدوار هامشية لا تتناسب مع إمكاناتهم.
ويتصل بذلك الجدل المعاصر حول المساواة بين الجنسين وحدود الاختلاف بينهما. فثمة فارق بين المساواة في الكرامة والحقوق، وبين القول بتطابق جميع الخصائص والأدوار. وأخشى أن يؤدي الخلط بين الأمرين إلى إضعاف وضوح المسؤوليات داخل بعض الأسر، وتحويل العلاقة الزوجية من شراكة تستند إلى التكامل والتفاهم إلى صراع دائم على السلطة.
كما يثير التوسع الإعلامي في مناقشة الهوية الجندرية والميول الجنسية أسئلة لدى قطاعات من المجتمع بشأن تأثير الثقافة الحديثة في تصورات الناشئة عن ذواتهم وأدوارهم. وهذه قضايا معقدة لا يصح تفسيرها بسبب واحد، ولا يمكن الجزم بأن نمطاً تربوياً أو عملاً فنياً بعينه ينشئ ميولاً أو هويات محددة. لكن يبقى من المشروع نقد الكيفية التي تحول بها بعض الصناعات الإعلامية والتجارية قضايا الهوية والعلاقات والزواج والإنجاب إلى موضوعات للتسويق والاستقطاب وصناعة الاتجاهات.
وهنا تكشف أزمة السيولة العاطفية عن مفارقة لافتة في الحياة المعاصرة: فالتقدم المادي، على أهميته، لم ينجح وحده في تبديد مشاعر القلق والوحدة والاغتراب. بل نجد هذه المشكلات حاضرة حتى في مجتمعات تمتلك مستويات مرتفعة من الرفاهية والخدمات. وهذا لا يعني أن أسباب الاضطرابات النفسية محصورة في التحولات الثقافية، لكنها تذكرنا بأن الإنسان لا يعيش بالراحة المادية وحدها، وأن حاجته إلى الانتماء والمعنى والفاعلية لا تقل أهمية عن حاجته إلى الأمن والرخاء.
فالإنسان الذي يفقد الشعور بجدوى وجوده، أو يعجز عن تحديد موقعه ومسؤولياته، قد يجد نفسه محاطاً بوسائل المتعة والاستهلاك، لكنه يفتقر إلى ذلك الإحساس العميق بالاستقرار الداخلي. وفي هذا السياق تكتسب قيم الثبات والاستقلال النفسي والقدرة على الاستغناء أهميتها؛ لأنها تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على مواجهة الحياة لا مجرد الانفعال بما تفرضه عليه.
إن أزمة الإنسان المعاصر ليست دائماً في نقص ما يملكه، بل قد تكون في ضعف ما يستند إليه من قيم ومعنى وجذور. فالشجرة لا تموت لأن أوراقها قليلة، وإنما حين تفقد اتصالها بالأرض التي تغذيها.
“مصعب الأحمد بن أحمد”
ومن هنا، فإن استعادة التوازن الاجتماعي والحضاري تتطلب إعادة الاعتبار إلى التربية التي تنمي الشخصية القوية، وتعيد إلى مفهوم الرجولة مضمونه الأخلاقي والعملي، بعيداً عن اختزاله في المظاهر أو الاستعراض أو الهيمنة. فالرجولة التي يحتاج إليها المجتمع ليست عداءً للعاطفة، وإنما قدرة على ضبطها؛ وليست استعلاءً على المرأة، وإنما استعداداً لتحمل المسؤولية والوفاء بالالتزامات.
كما أن الاعتراف بالاختلافات بين الجنسين ينبغي ألا يتحول إلى خصومة بينهما، بل إلى فرصة لبناء علاقات أكثر استقراراً، تقوم على الاحترام والتكامل وتوزيع المسؤوليات بوضوح وتفاهم.
إن حماية الجيل الصاعد من «السيولة العاطفية» لا تتحقق بمحاربة الحب أو منع البوح بالمشاعر، بل بتربية تجعل العاطفة مصدراً للاتزان لا للارتهان، وتغرس في النفوس قيم الأنفة، والصبر، والمنافسة الشريفة، والعمل، والاستقلال، والقدرة على تحمل الخسارة دون فقدان الأمل.
وفي سياق متصل، يناقش مقال «الوفاء يرتبط بالقلب حيثما تقلّب» العلاقة بين المحبة والذاكرة والاختيار الأخلاقي، وهو منظور يثري النقاش حول احترام المشاعر دون الارتهان لها.
فالمجتمعات لا تنهض بالصلابة الجسدية وحدها، ولا بالمشاعر المجردة من الإرادة، وإنما بأفراد يعرفون كيف يجمعون بين الرحمة والحزم، وبين الحب والكرامة، وبين الحرية والمسؤولية.
وحين يستعيد الرجل جذوره الأخلاقية والنفسية، ويعي دوره في عمارة الحياة، تصبح رجولته قوة بناء لا وسيلة تسلط، ويغدو ثباته مصدر أمان لنفسه وأسرته ومجتمعه.
«لا تُقاس الرجولة بما يحتمله القلب من ألم صامت، بل بما يصنعه صاحبه من مسؤولية بعد الألم.»
“مصعب الأحمد بن أحمد”
وتلك، في جوهرها، هي المعركة التي ينبغي أن نخوضها لتجاوز أزمة السيولة العاطفية: ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نبحث عن القوة، وألا نفقد قوتنا ونحن نعبر عن إنسانيتنا.


سؤال المقال هل تتمثل الرجولة في كتمان المشاعر، أم في إدارتها دون التخلي عن الكرامة والمسؤولية؟سؤال المقال:
المراجع والإحالات
- صحيح مسلم، كتاب الرضاع، الحديث 1468، وفيه عبارة «وكسرها طلاقها». الاطلاع على النص.







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.