

استهلال تنطلق هذه القراءة من الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري لتفحص الصلة بين انتهاك السيادة في سوريا ولبنان واستمرار الاحتلال في فلسطين. وتناقش حدود التطبيع والتفاهمات الأمنية، والفجوة بين تراجع صورة إسرائيل واستمرار قدرتها العسكرية، وصولاً إلى شروط تحويل البقاء والتضامن إلى مبادرة سياسية.
يكشف استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري أن السيادة تُقاس بقدرة المزارع على الوصول إلى أرضه، وباطمئنان الأسرة إلى أن الطريق بين بيتها وقرية مجاورة لن يتحول فجأة إلى حاجز عسكري. ففي موجزه عن يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وثّق مركز «سجل» المحلي ثماني وقائع صنّفها انتهاكات إسرائيلية في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، بينها توغل وخمس عمليات تحليق. هذه حصيلة المركز ونطاق رصده، وليست تعداداً أممياً مستقلاً. [1]
وقبل ذلك بيوم، نقلت «عرب نيوز» عن «سانا» إقامة حاجز في ريف القنيطرة الشمالي، واستمرار تجريف أراضٍ زراعية وأعمال ساتر في محيط مزرعة الحانوت جنوباً. وليست كل هذه الوقائع ضربة جوية واحدة، ولا يجوز جمعها في خبر عن قصف لم تثبت تفاصيله. إنها صور مختلفة لضغط عسكري يتسلل إلى الحياة اليومية ويضيّق حركة السكان. [2]
أما خبر ضربة السيارة قرب بيت جن، الذي نقلته رويترز، فيعود إلى 22 آب/أغسطس 2026: قالت الخارجية السورية إن مسيّرة أصابت سيارة مدنية وأوقعت إصابات، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف شخصاً يشكل تهديداً لجنوده. الفصل بين التاريخين لا يضعف الحجة؛ بل يوضح أن الحديث عن تكرار الوقائع، لا عن حادثة حديثة نُسبت إليها تفاصيل قديمة. [3]
من هنا أقرأ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بوصفها سؤالاً يتجاوز خبر الحدود: أي سلام يمكن أن تنتجه المنطقة إذا بقي أمن طرف يُبنى على حرمان جيرانه من أمنهم؟ وما قيمة التطبيع إن اتسعت العلاقات بين الحكومات، بينما بقي السوري واللبناني والفلسطيني عاجزين عن حماية الأرض والبيت وحق العودة إليهما؟
الاعتداءات الإسرائيلية من بيت جن إلى جنوب لبنان
في مادة مصورة من بيت جن بتاريخ 23 تشرين الأول، تروي شهادات السكان كيف عطل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية الزراعة وأبقت الأسر تحت الخوف. هذه التفاصيل الإنسانية ضرورية لفهم الاعتداء: قد تظهر الأرض في الصورة هادئة، فيما يكون صاحبها عاجزاً عن فلاحتها، وقد ينتهي الاقتحام عسكرياً ويستمر أثره في نوم الأطفال وطريق المدرسة. [4]
«لا يجرؤ السكان على الذهاب إلى كرومهم، خشية أن يعتقلهم الإسرائيليون.»
“وليد عكاشة، رئيس قرية بيت جن؛ ترجمة عن التفريغ المنشور [4]”
لا تمنح هشاشة الدولة السورية بعد سنوات الحرب أي طرف حق اقتطاع مساحة من سيادتها. والسوري الذي يريد بلداً حراً لا يحتاج إلى الاختيار بين رفض الاستبداد ورفض الاعتداء الخارجي؛ حماية المجال الوطني جزء من شروط بناء دولة مسؤولة عن مواطنيها. وفي القرار 2824 لعام 2026، أعاد مجلس الأمن التأكيد على احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 ومنع النشاط العسكري في منطقة الفصل. [5]
«ينبغي ألا يكون هناك أي نشاط عسكري من أي نوع في منطقة الفصل.»
“مجلس الأمن، القرار 2824 (2026)، الفقرة الثانية؛ ترجمة عربية [5]”
وفي لبنان، يبيّن القرار 2790 لعام 2025 أن المسألة ليست خطاباً عربياً منفرداً: فهو يطلب انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع اللبنانية التي يذكرها، وإزالة المناطق العازلة شمال الخط الأزرق، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية. أستند إلى القرار هنا بوصفه معياراً للالتزام، لا تقريراً بأن جميع تفاصيله نُفذت أو بقيت ثابتة حتى اليوم. [6]
تختلف أوضاع سوريا ولبنان وفلسطين القانونية والسياسية، لكن جمعها في قراءة واحدة يساعد على رؤية أثر متكرر: تحويل أمن إسرائيل إلى صلاحية واسعة للتحرك في أرض الآخرين. نقد هذا المنطق لا يحتاج إلى افتراض خطة سرية واحدة تدير كل واقعة؛ تكفي مساءلة الأفعال الموثقة والآثار التي تتركها.
«تبدأ السيادة حين يستطيع الإنسان الوصول إلى أرضه، لا حين يُذكر اسم دولته في البيانات.»
“العقيد عامر عبد الله”
استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وحدود الرهان على التطبيع
قام جانب من الرهان على التطبيع على فصل العلاقات الإقليمية عن التسوية الفلسطينية: تتوسع التجارة والتكنولوجيا والاتصالات الأمنية، على أمل أن يأتي الحل السياسي لاحقاً، أو أن يصبح غيابه أقل إزعاجاً. غير أن تحويل القضية إلى ملف مؤجل لا يلغي أهلها، ولا يرفع عن المنطقة تبعات استمرار الاحتلال.
تفسر دراسة ألكسندر كاتب، المنشورة في كارنيغي في نيسان 2025، قدرة اتفاقات أبراهام على البقاء بمصالح استراتيجية لدى أطرافها، وتعرض في الوقت نفسه ارتفاع كلفة التطبيع وتراجع الانفتاح المجتمعي. هذه قراءة محددة زمنياً، لكنها تفيد في التمييز بين وجود الاتفاق على الورق وقدرته على اكتساب قبول سياسي أوسع. [7]
«لم ينسحب أي من الموقّعين رسمياً من الاتفاقات.»
“ألكسندر كاتب، كارنيغي، نيسان 2025؛ ترجمة عربية [7]”
لهذا لا أرى فائدة في إعلان موت التطبيع كلما صدر بيان إدانة. النقد الأقوى يسأل عما حققه: هل قيد الاعتداء؟ هل أوقف الاستيطان؟ وهل حوّل النفوذ والعلاقة إلى حماية فعلية للحقوق؟ وتوضح مراجعة مكتبة مجلس العموم في أيلول 2025 اختلاف العلاقات القائمة عن مسار توسيعها، وأهمية المطلب الفلسطيني في الموقف السعودي المعلن آنذاك. [8]
وبالنسبة إلى سوريا، يصبح الدرس عملياً: أي تفاهم أمني ينبغي أن يُفحص بما يسترده من سيادة، وبما يضعه من ضمانات قابلة للتحقق. إنهاء القصف مطلب عاجل، لكنه لا يكفي إذا بقيت ترتيبات الأرض والحركة خاضعة لإرادة الطرف الأقوى. والاعتراض على شروط مجحفة لا يعفي الدولة من واجب البحث عن وسائل واقعية لحماية مواطنيها.
إيران والتفاهمات الإقليمية: فلسطين ليست ملحقاً بمحور
أرفض اختزال الحقوق الفلسطينية في ميزان انتصار دولة إقليمية أو هزيمتها. يمكن لتغير موازين القوة أن يفتح فرصة أو يغلقها، لكن الدعم الحقيقي يُقاس بما يحمي الناس وقرارهم، لا بما يضيفه إلى خطاب المحاور. وينطبق المعيار نفسه على إيران وتركيا والدول العربية والدول الكبرى.
النص المنشور لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في 17 حزيران 2026 يتناول وقف العمليات، ولبنان، والملاحة والعقوبات والملف النووي، لكنه لا يقدم تسوية للحقوق الفلسطينية. كما أن نشر الالتزام لا يثبت تنفيذه؛ وقد نقلت أسوشيتد برس في تشرين الأول استمرار الخلاف بشأن الملاحة والحصار، مع اتهامات إيرانية لواشنطن بتعطيل التقدم. [9]، [10]
لذلك لا أستخلص من المذكرة خلاصاً فلسطينياً، ولا أجعل غياب فلسطين عنها سبباً لإلغاء أهمية وقف حرب أخرى. الأجدى هو توسيع دائرة المساندة مع الحفاظ على استقلال القرار الفلسطيني، ورفض الاعتداء على سيادة دول المنطقة أياً كان مصدره. لا مصلحة للسوريين واللبنانيين والفلسطينيين في أن يكونوا وقوداً لحروب يتفاوض الآخرون على نتائجها.
وتملك الوساطة العربية أهمية حين تتصل بالتنفيذ: فتح المعابر، وحماية الإغاثة، ووقف استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وآلية واضحة لمساءلة المخلّ بالتزاماته. أما مطالبة الطرف الأضعف بالتنازل أولاً ثم انتظار استجابة الأقوى، فتحتاج إلى ضمانات أشد من الثقة بحسن النيات.
غزة والضفة والقدس: حق الحياة شرط السياسة
لا أستطيع وصف أي تحول إقليمي بأنه مكسب للفلسطينيين من دون السؤال عن واقعهم: هل يستطيع النازح العودة؟ هل يصل العلاج إلى المريض؟ هل يملك الناس سلطة على إدارة شؤونهم؟ وفي خطة غزة التي أيدها القرار 2803، توجد ترتيبات لمجلس السلام ولجنة فلسطينية للإدارة المدنية وقوة دولية، وروابط بين الانسحاب ونزع السلاح والإعمار. وجود هذه العناصر في الوثيقة لا يحسم نجاحها، ولا يغني عن مساءلة التمثيل الفلسطيني وحدود السلطة الخارجية. [11]
ينبغي أن يكون الإعمار وسيلة لعودة الحياة واستعادة القرار، وأن تقاس الهدنة بسلامة المدنيين ووصول الإغاثة وحرية الحركة. أما تحويل المساعدات إلى مكافأة سياسية، فيجعل الحقوق الأساسية موضع تفاوض دائم. وتبقى التقارير الإنسانية المؤرخة أداة لفحص ما يحدث فعلاً، بدلاً من الاكتفاء بأسماء الخطط والهيئات. [12]
وفي الضفة والقدس، يوضح مشروع E1 كيف تصنع الجغرافيا نتائج سياسية: تربط الطرق المستوطنات وتفصل التجمعات الفلسطينية، ويصبح الاتصال بين المدن والقرى أكثر صعوبة. حذرت الأمم المتحدة في كانون الثاني 2026 من أثر التوسع في فصل القدس الشرقية عن محيطها وتعميق تفتيت الضفة والتهجير. الدفاع عن المقدسات والسكن هنا جزء من الدفاع عن وجود مجتمع كامل وحقه في الحركة والعبادة والبناء. [13]
كما يبين تحديث «ماس» الاقتصادي في أيلول 2026 أثر استمرار حجز إيرادات المقاصة وعنف المستوطنين على المالية العامة والإنتاج وسبل العيش. حين تضعف الرواتب والخدمات والوصول إلى الموارد، يتعرض البقاء لضغط يومي لا يقل أهمية عن القرارات السياسية الكبرى. [14]
وتلتقي هنا، مع اختلاف السياق، محنة المزارع في القنيطرة ومحنة صاحب الأرض في الضفة، وحق اللبناني في العودة إلى قريته. هذه المقارنة لا تساوي بين جميع الوقائع؛ إنها تضع الإنسان والأرض في مركز النقاش، حيث ينبغي أن يكونا.
الصمود يحتاج إلى حياة، والأسرى يحتاجون إلى حماية
البقاء على الأرض هدف وطني، لكن لا يجوز تحويله إلى امتحان أخلاقي للمنكوبين. من يطلب علاجاً أو ملجأ لا يفقد انتماءه، ولا تتحقق مقاومة التهجير بإلقاء العبء على أسرة جائعة. تتحقق أيضاً بتمويل العلاج والتعليم والسكن والعمل، وبضمان حرية العودة لمن يغادر تحت القسر.
وقد خلصت وزارة الداخلية في جنوب أفريقيا، في بيانها عن رحلتي نقل فلسطينيين عام 2025، إلى استغلال ترتيبات السفر في جهود لإعادة توطين سكان من غزة. هذه واقعة تستحق الفحص ضمن حدود البيان؛ لا تثبت كل رواية عن وجهات سرية أو أعداد هائلة. وهي تبرز الحاجة إلى حماية المسافر من الاستغلال، دون إغلاق أبواب النجاة والإجلاء الطبي. [25]
وللشتات دور يتجاوز التبرع الطارئ: دعم مؤسسات موثوقة تستطيع الاستمرار، ومساندة الأسر والمهن والتعليم، وربط هذه الجهود بالدفاع عن الحقوق في بلدان الإقامة. كما أن العامل الديموغرافي لا يغني عن السياسة؛ بقاء الناس مهم، لكن عددهم وحده لا يحميهم من التمييز أو ينتج تسوية عادلة.
أما المحتجزون الفلسطينيون، فتستدعي قضيتهم عملاً حقوقياً مستمراً. وثقت هيومن رايتس ووتش أنماطاً من المعاملة المهينة والانتهاكات في تقريرها الصادر عام 2024. والأولوية هي إنهاء التعذيب، وضمان العلاج والمحاكمة العادلة والرقابة المستقلة، لا ترويج تفاصيل صادمة لم تثبت. والتمييز القانوني بين المعتقل والمحكوم والرهينة لا ينتقص من واجب المعاملة الإنسانية للجميع. [15]
«لا يُطلب من الناس أن يصمدوا وحدهم؛ تُبنى لهم شروط الحياة التي تجعل الصمود ممكناً.»
“العقيد عامر عبد الله”
تراجع الصورة لا يساوي تغير ميزان القوة
ثمة تحول يستحق البناء عليه: أظهر استطلاع بيو المنشور في نيسان 2026 أن ستة من كل عشرة أميركيين ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية. ويعرض تحليل آخر نشره المركز في تشرين الأول فروقاً كبيرة بين أعمار الجمهوريين في تقييم الحكومة الإسرائيلية. هذه مؤشرات محددة، ولا تعني أن كل من يرفض سياسة إسرائيل يتبنى بالضرورة البرنامج الفلسطيني نفسه. [16]، [17]
وفي المقابل، تبين بيانات سيبري أن الولايات المتحدة وفرت 68%، وألمانيا 31%، من واردات إسرائيل من الأسلحة الرئيسية في فترة 2021–2025. تكشف المقارنة الفجوة بين تآكل الصورة واستمرار الإسناد العسكري؛ وهي تمنعنا من استبدال التحليل بإعلان عزلة شاملة. كما تستلزم الدقة في الحديث عن الهند التمييز بين شرائها السلاح الإسرائيلي وتصدير مكونات إليه، وبين مقاييس مختلفة لا يجوز خلطها. [18]
لهذا ينبغي تحويل التضامن إلى متابعة سياسية منظمة: مساءلة الحكومات عن التسليح، والاتصال بالنواب، وفحص التمويل والإنفاق المعلنين، وبناء تحالفات حقوقية. يمكن نقد جماعات الضغط بأسمائها وأفعالها الموثقة، دون اتهام جماعة دينية بالتحكم في العالم، أو تفسير كل انتخابات بسبب واحد.
وللثقافة والإعلام دورهما في توسيع المعرفة بالتجربة الفلسطينية. يتيح «فلسطين 36» لآن ماري جاسر العودة إلى تاريخ الانتداب، ويعيد «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية الحكاية الإنسانية إلى مركز الانتباه. لا يغني الفيلم عن التحقيق أو البحث، لكنه يستطيع أن يفتح باباً لا تفتحه الإحصاءات وحدها. [26]، [27]
الاعتراف والمقاطعة: كيف تصل المواقف إلى الأرض؟
الاعتراف بالدولة الفلسطينية مكسب سياسي، لكنه يظل محدود الأثر إذا تواصل إضعاف الأرض والمجتمع اللذين يفترض أن تقوم عليهما. وفي رأيها الاستشاري الصادر في تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتناولت التزامات إنهائه ووقف النشاط الاستيطاني وعدم الإعانة على إبقاء الوضع غير المشروع. [19]
«إنهاء وجودها غير المشروع بأسرع ما يمكن.»
“محكمة العدل الدولية بشأن إسرائيل، الرأي الاستشاري لعام 2024؛ ترجمة عربية [19]”
الرأي الاستشاري ليس إدانة جنائية لأفراد، ولا ينفذ نفسه. لكنه يعطي سؤال المساءلة أساساً أوضح: ماذا تفعل الدول حتى لا تساعد على استمرار الانتهاك؟ ومن هنا تأتي أهمية بحث تقييد السلاح والتعاون مع المستوطنات والعقوبات المحددة والمقاطعة المدنية، كل أداة ضمن نطاقها القانوني وقدرتها الفعلية.
وتفيد تجربة جنوب أفريقيا في فهم تراكم الضغط الداخلي والخارجي، من المقاطعة الثقافية إلى حظر السلاح والعقوبات. لكنها لا تمنحنا وصفة مضمونة أو موعداً لانهيار نظام آخر؛ فاختلاف البنى والتحالفات والظروف يستلزم استراتيجية خاصة، لا استعارة نتيجة تاريخية جاهزة. [20]
الوحدة الفلسطينية والسيادة السورية: إصلاح الداخل يحمي الموقف
يصعب تحويل التضامن إلى قوة سياسية إذا بقي التمثيل الفلسطيني مأزوماً. تثبت سجلات لجنة الانتخابات المركزية انتخابات الرئاسة عام 2005 والتشريعي عام 2006، كما تثبت مرسوم تأجيل انتخابات 2021 بسبب الظروف المتعلقة بالقدس. الإشارة إلى ذلك لا تلغي وجود انتخابات محلية، ولا تثبت وحدها دوافع خفية للسلطة، لكنها تفتح السؤال عن تجديد الشرعية والمساءلة. [21]، [22]
وفي إعلان بكين عام 2024، اتفقت الفصائل المشاركة، بحسب البيان الصيني، على اتجاه نحو المصالحة وحكومة توافق ووحدة التمثيل. يبقى الفرق كبيراً بين توقيع الإعلان وتطبيقه، وبين الدعوة إلى الوحدة واحترام حق الفلسطينيين في الاختلاف واختيار قيادتهم. الإصلاح حاجة داخلية قبل أن يكون مطلب مانحين. [23]
وتحتاج مراجعة أوسلو إلى الدقة نفسها. فقد حدد إعلان المبادئ مرحلة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات وأحال قضايا أساسية إلى مفاوضات الوضع الدائم؛ لذلك يكون النقد في تعثر الانتقال واستمرار الوقائع الميدانية، لا في القول إن النص خلا من مدة أو وجهة للتسوية. [24]
ولسوريا درس موازٍ، مع اختلاف المؤسسات والسياق: كلما اتسعت المشاركة والمساءلة وحماية الحقوق، أصبح الدفاع عن السيادة أقدر على جمع السوريين. لا يجوز استخدام الخطر الخارجي لتأجيل بناء دولة القانون، كما لا يجوز توظيف الخلاف الداخلي للتقليل من الاعتداء الإسرائيلي. الدولة التي تحترم مواطنيها تملك أساساً أقوى لتمثيلهم والدفاع عن أرضهم.
سلام يستطيع الناس العيش فيه
أعود إلى الجنوب السوري، لأن السؤال الذي يطرحه يصل إلى جوهر الموضوع: هل يستطيع الإنسان أن يزرع ويعود ويعيش من غير خوف؟ إذا بقي الجواب سلبياً، فلن تكفي كثرة اللقاءات ولا خرائط الممرات الاقتصادية لإقناع المتضررين بأن المنطقة تتجه إلى سلام ثابت.
قد تستمر اتفاقات التطبيع، وقد تتغير شروط توسيعها، لكن الحقوق لا تسقط لأن أطرافاً أخرى استعجلت ترتيب مصالحها. المطلوب عربياً مسار يربط حماية السيادة بوسائل ضغط ودبلوماسية قابلة للتنفيذ، وفلسطينياً قيادة تجدّد شرعيتها وتحمي الناس وتنظم المساندة. أما التعويل على نصر خارجي يأتي دفعة واحدة، فيؤجل ما يمكن عمله اليوم.
إن الدفاع عن سوريا ولبنان وفلسطين يجتمع في رفض جعل الإنسان تابعاً لترتيبات قوة لا يشارك في صياغتها. والسلام الذي أبحث عنه يضع نهاية للانتهاك، ويحمي الحقوق المتساوية والمدنيين، ويمنح شعوب المنطقة حق العيش دون تهديد دائم. بهذا المعيار، تبدأ محاسبة الاعتداءات الإسرائيلية، ويبدأ أيضاً امتحان أي تطبيع يَعِد بالاستقرار.
«يُختبر السلام بما يمنعه من ظلم، وبما يعيده إلى الناس من حقوق.»
“العقيد عامر عبد الله”
المراجع
- مركز سجل، «موجز يومي – 26 أكتوبر 2026»، منشور 27 تشرين الأول 2026؛ توثيق محلي تنسب إليه حصيلته. ↩
- عرب نيوز، «قوات إسرائيلية تقيم حاجزاً وتجرف أراضي زراعية في القنيطرة»، 25 تشرين الأول 2026؛ نقلاً عن سانا. ↩
- رويترز، «إسرائيل تضرب جنوب سوريا ودمشق تندد»، 22 آب 2026، تحديث 23 آب. ↩
- رويترز كونكت، «العمليات العسكرية الإسرائيلية تعطل سبل العيش في قرية حدودية»، مادة مصورة من بيت جن بتاريخ التصوير 23 تشرين الأول 2026؛ الشهادة مقتبسة بترجمة عربية عن التفريغ الإنجليزي المنشور. ↩
- مجلس الأمن، القرار 2824 (2026)، الفقرة الثانية بشأن احترام اتفاق فض الاشتباك ومنع النشاط العسكري في منطقة الفصل؛ سجل الولايات الأممي. ↩
- مجلس الأمن، القرار 2790 (2025)، ولا سيما الفقرتان 3 و4 بشأن لبنان ووقف الأعمال العدائية والانسحاب والسيادة؛ سجل الولايات الأممي. ↩
- ألكسندر كاتب، «اتفاقات أبراهام بعد غزة: تغيّر السياق»، مركز مالكوم كير–كارنيغي، 25 نيسان 2025. ↩
- مكتبة مجلس العموم البريطاني، «إسرائيل واتفاقات أبراهام في 2025: بعد خمس سنوات»، 30 أيلول 2025. ↩
- المركز العربي بواشنطن، النص المنشور لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، 17 حزيران 2026؛ منقول عن إحاطة صحافية لمسؤول أميركي، لا عن صورة مصدقة لوثيقة موقعة. ↩
- أسوشيتد برس، «إيران لا تزال منفتحة على المحادثات مع الولايات المتحدة، بحسب مبعوثها»، تقرير عن تصريحات 24 تشرين الأول 2026. ↩
- مجلس الأمن، القرار 2803 (2025) وملحق خطة غزة، 17 تشرين الثاني 2025؛ نسخة قاعدة اتفاقات السلام PA-X، جامعة إدنبرة. ↩
- أوتشا، «تقرير الوضع الإنساني — 22 تشرين الأول 2026»، منشور 26 تشرين الأول؛ مع تحديد الفترات والمناطق الواردة فيه. ↩
- الأمم المتحدة في فلسطين، «القدس الشرقية: التهجير القسري والتفتيت الجغرافي»، 20 كانون الثاني 2026. ↩
- معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس»، «التحديث الاقتصادي الفلسطيني — أيلول 2026». ↩
- هيومن رايتس ووتش، «إسرائيل: المحتجزون يواجهون معاملة غير إنسانية»، 23 تموز 2024؛ مرجع لتوثيق أنماط الانتهاكات، وليس إحصاء راهناً للمحتجزين. ↩
- مركز بيو، «استمرار تصاعد النظرة السلبية إلى إسرائيل ونتنياهو»، 7 نيسان 2026؛ الاستطلاع أجري بين 23 و29 آذار. ↩
- مركز بيو، «اختلاف مواقف الجمهوريين من دول ومنظمات دولية باختلاف العمر»، 16 تشرين الأول 2026؛ بيانات الحكومة الإسرائيلية من استطلاع 4–17 أيار. ↩
- معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، «اتجاهات انتقال الأسلحة الدولية، 2025»، آذار 2026؛ نطاق القياس: الأسلحة الرئيسية في 2021–2025. ↩
- الأمم المتحدة في فلسطين، خلاصة الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عن الاحتلال، 20 تموز 2024؛ الرأي صدر 19 تموز. ↩
- الأمم المتحدة في جنوب أفريقيا، «الأمم المتحدة: شريك في النضال ضد الفصل العنصري»، تسلسل تاريخي للعقوبات والمقاطعة. ↩
- لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، «العمليات الانتخابية السابقة»، تواريخ انتخابات الرئاسة والتشريعي والانتخابات المحلية. ↩
- لجنة الانتخابات المركزية، مرسوم تأجيل الانتخابات العامة، صادر 30 نيسان 2021. ↩
- وزارة الخارجية الصينية، بيان توقيع إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، 23 تموز 2024. ↩
- إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي، 13 أيلول 1993؛ النص في قاعدة PA-X، جامعة إدنبرة. ↩
- وزارة الداخلية في جنوب أفريقيا، بيان سحب إعفاء التأشيرة بعد التحقيق في نقل مسافرين فلسطينيين، 6 كانون الأول 2025. ↩
- معهد الفيلم البريطاني، بطاقة فيلم «فلسطين 36» لآن ماري جاسر، 2025. ↩
- Common Pictures، بطاقة فيلم «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية. ↩








نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.