

الملخص التنفيذيقراءة نقدية في رواية «المصابيح الزرق» تستعيد حكاية فارس وأهل حي القلعة في اللاذقية، وتناقش قوة الوصف وحدود الواقعية ولغة الشخصيات. وتختتم بإضاءة على العمق الفلسفي لعالم حنا مينه وتقاطع الأفق البحري في تجربته مع همنغواي وفيكتور هيجو.
من المسلسل إلى الرواية
لقد تسنّى لي أن أشاهد بعض حلقات «المصابيح الزرق»، ذلك العمل الذي قُيّض له أن يتحول إلى مسلسل تلفزيوني، كما قُيّض لرواية «نهاية رجل شجاع»، للكاتب نفسه، أن تتحول إلى عمل تلفزيوني أيضاً. وأرى أن شهرة حنا مينه الواسعة في سوريا والوطن العربي كانت مما أغرى كتّاب السيناريو والتلفزيون بتحويل أعماله إلى مسلسلات.
وبعد مشاهدتي معظم حلقات المسلسل، شعرت برغبة جامحة في قراءة الرواية؛ لأن أحداثه لم تقنعني بالقياس إلى سمعة الكاتب، وما طالما سمعناه عن ترشيحه لجائزة نوبل غير مرة، وهو قول أذكره هنا بوصفه مما كان متداولاً، لا بوصفه واقعة أثبتها. وعند العودة إلى الأصل، وجدت بعض الفروق في الشكل أكثر مما وجدت في المضمون؛ فمعظم صفحات الرواية تذهب في الوصف الدقيق، ولا يدع الكاتب لأشخاصه حركة صغيرة أو كبيرة، حسنة أو سيئة، إلا وتتصيدها ريشته ببراعة واقتدار. وكان المسلسل دون ذلك في هذا الجانب، فلم يغطِّ تلك التفاصيل الدقيقة، أما المضمون فقد أتى به، في تقديري، على نحو مقنع.
لا أريد أن أقرأ هذه الرواية قراءة مجاملة ومحاباة، كما يفعل كثير من النقاد، وهو ما يسيء إلى النتاجات الأدبية والعلمية. إنما أريد أن أقرأها كما تبدّت لي، مع الاحتفاظ بالتقدير لصاحبها. [1]
عالم المصابيح الزرق وشخصياته
الشخصيات: فارس، أم فارس، أبو فارس، رندة، محمد الحلبي، أبو مرزوق الصفتلي، عبد القادر، عازار الإسكافي، مريم السودا، نايف الفحل، صقر، الشاروخ، جريس المختار، بشارة قندلفت، رشيد أفندي، نجوم، مكسور المبيّض.
حي القلعة صورة للحياة تحت الاحتلال
يروي لنا الكاتب أحداث حي من أحياء اللاذقية أثناء الاحتلال الفرنسي، ويرسم لنا العلاقات المتشابكة بين ذلك الحي بتفاصيلها مبيناً أن الحياة التي يعيشونها بضنكها وقسوتها يمكن أن تنسحب على جزء كبير من الوطن السوري إن لم أقل تنسحب على الوطن برمته، فالكاتب ينطلق من الأسرة، ثم إلى الحارة، ثم إلى الحي، ثم إلى المدينة؛ ليرصد تحركات الناس وتقاطعاتهم صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً.
كان لأبي فارس الذي يعمل في البناء، ويسكن في حي القلعة في غرفة واحدة، ثلاثة أولاد أكبرهم فارس، وكانت أم فارس تعمل (عاملة) في جرد التبغ ذلك المكان الموبوء صحياً، ولكن الفقر والعوز دفعها إلى هذا العمل الشاق، وكانت معها جارتها رندة تلك الصبية الجميلة الفاتنة التي أحبها فارس، وأحبته، وكان أخوالها يعيشون في لبنان، وكانت تعيش مع أمها بجوار أبي فارس، ومريم السودا، وكان أخوالها يزورونها بين الفينة، والأخرى.
وكان نايف الفحل زوج مريم السودا عاثر الحظ يعمل في تصليح الأحذية، ولكنه لا يحصل على ما يسد رمقه.
وكان أبو مرزوق رجلاً فقيراً أيضاً يعمل صياداً بالسنارة، ويعيش هو وزوجته، وحيدين، وكان بشارة القندلفت يعمل خادماً للكنيسة، وهو رجل طيب لكنه سكّير لا يكاد يصحو من سكره حتى يعود إليه ثانية، وكان مختار الحي جريس، وهو رجل وصولي انتهازي يتعامل مع الفرنسيين، ويتذرع بعمله معهم، ومناهضته للمظاهرات كلما اندلعت بأن الظروف استثنائية، ويجب أن نكون واقعيين.
وكان عازار المقطوع الرجل يعمل إسكافياً ويتردد إليه أبو مرزوق وبشارة القندلفت، ورجال الحي… يتجادلون ويختلفون، ويتصالحون، ولا سيما هو، وأبو مرزوق.
وكان محمد الحلبي قصاباً يتصف بالشهامة، والكرم، والشجاعة، ومقارعة المستعمر.
وكان الرجل المثقف الذي يخيف الفرنسيين بفكره ونشاطه، وتحركاته هو عبد القادر؛ لذلك لا يكاد يغادر السجن حتى يعود إليه.
وكان الشاروخ يفتح مقهى يتردد إليه أهل الحي، ولكنهم يتأخرون في دفع ما ترتب عليهم من ثمن المشروبات بسبب الفقر المدقع، وكان يصبر عليهم، لكن تجتاحه بعض العصبية أحياناً بسبب مماطلة الزبائن كثيراً في تسديد ديونهم.
حكاية فارس بين الخبز والسجن والرحيل
الحرب وفقدان العمل ومعركة الفرن
كان فارس صبياً يافعاً في السادسة عشرة من العمر عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان يعمل في متجر يديره عسكري متقاعد. وقد ذهب صبيحة الثالث من أيلول سنة 1939 إلى بيت معلّمه، فوجده متجهم الوجه كئيباً. سأل الخادمة عن سبب الحزن، فأنبأته أن معلّمتها ذكرت أنه مطلوب للحرب. وفي هذه اللحظة تعالى صوت المعلّم الجهوري، بلهجته العسكرية التقليدية، داعياً فارس إليه، وألقى في يده عشر ليرات، هي بقية حسابه، وابتسم له ابتسامة مغتصبة، وقال له: «مع السلامة!». ثم ذهب فارس إلى البيت، وراح يستمع إلى قصص والده، وكيف استطاع الهروب من معسكر الأتراك بصعوبة بالغة ومتاعب جمّة.
ثم تتنامى الأحداث ويصف الكاتب المعاناة التي يعانونها من خلال شخوصه في حي القلعة (المختار – مريم – فارس – أبو فارس – قندلفت – الصفتلي… ).
فمشكلة الخبز الذي يُباع بالبطاقة والتي يجب الحصول عليها، ومشكلة الكاز، ومشكلة البطالة… كل هذا في ظل مناخ الحرب والاستعداد لاتقائها.
في غمرة هذه الأحداث خرج فارس يوماً من بيته لشراء الخبز، فكان الزحام الشديد أمام الفرن، وكان السباب والشتائم بين الناس، وبين الفران الذي طال لسانه مع بعضهم، ومنهم فارس، مما دفع بالأخير إلى الهجوم عليه، فنشبت معركة استمرت ساعة، وبعض الساعة، مما دفع بالفرنسيين للتدخل وضربوا طوقاً أمنياً حول الفرن، وعزلوا الذين في داخله وقيدوهم، ثم جروهم مكبلين إلى المخفر المركزي، وكان بينهم فارس وحسن حلاوة والفران والخباز وغيرهم.
السجن وتكوّن الوعي بالمقاومة
وعندما دخل فارس السجن، تعرّف إلى ذلك الرجل المثقف المقاوم للفرنسيين، عبد القادر، وتأثر به، وأخذ عنه الصبر والتحدي والتصميم على مقارعة المستعمر. وبعد فترة وجيزة أرسلت أم فارس الطعام إليه في السجن مع مريم السودا وصقر، ثم تبعهما أبو مرزوق. ووقعت أثناء ذلك مشاجرة في السجن تحولت إلى معركة، شارك فيها عبد القادر وحسن حلاوة وفارس وبعض المساجين الآخرين، واستدعت تدخل السلطات الفرنسية. وسُمعت أصوات رصاص أُطلقت من بنادق العساكر، فاعتقد أبو مرزوق أنهم قضوا على جميع المساجين، بمن فيهم فارس. عاد هو ومريم وصقر إلى البيت، حاملين النبأ الصاعق لأهل فارس، فتلقى الأبوان الخبر بحزن شديد أضاع بوصلة التفكير لديهما. لكن الوضع ما لبث أن تغير بقدوم المختار وتكذيبه الخبر، وإعادة الأمل والابتسامة إلى العائلة.
ثم اندلعت مظاهرة عارمة شارك فيها الرجال والنساء وكان بطلها محمد الحلبي الذي كان شجاعاً جريئاً مقداماً، ومن ثم تدخلت القوات الفرنسية، وفرقت المتظاهرين بعد أن سالت الدماء بين شهيد وجريح، وأما المدينة فظلت مضربة طوال خمسة أيام، ثم فُتحت الأسواق.
أما فارس وعبد القادر، فقد نُقلا مع مجموعة من السجناء إلى سجن حلب، واستأنف عبد القادر مشاكسته، وتحديه للسلطات التي سجنته وتأليب السجناء على أولئك الظالمين، وكان يدفع ثمن ذلك بنقله إلى الزنزانة المفردة، وبتعذيبه، لكنه كان شجاعاً جريئاً لا يأبه بكل ما يحصل له.
الحي في مواجهة الجنود وعودة فارس
أما أهل حي القلعة، فكانوا يتصيدون الأخبار عن السجناء، ويعانون صفاقة الجنود الإنكليز. فقد اعتدى جندي إنكليزي مخمور على فتاة، فاستشاط شقيقها غضباً، واستل خنجره متوجهاً إلى خمارة فيها عشرة جنود إنكليز. لكن محمد الحلبي منعه، وطلب منه التريث للانتقام. فما كان من الإنكليز إلا أن سحبوا شقيق الفتاة إلى السجن. ثم جاء المختار ورئيس البلدية وضابط إنكليزي إلى والد الفتاة، واعتذروا له بعد أن أخرجوا ابنه من السجن، وقالوا له: «سجنا ابنك لدواعٍ أمنية».
وهدأ الموضوع ونُسي الحادث، وبعد أسبوع قُتل جندي إنكليزي لم يُعرف قاتله، لكن أهل الحي عرفوا أن هذه ضربة المعلم الحلبي.
وعاد بعض الجنود الإنكليز يُعربدون في الشوارع، ويسيئون إلى النساء، فمنع أهل الحي النساء الخروج ليلاً.
وبعد فترة أُطلق سراح فارس، فقرع الباب فجأة، فما كان من أمه، وأبيه، وإخوته، وجيرانه، إلا أن طاروا فرحاً بهذه المفاجأة، ومن ثم استقبلوه خير استقبال بالكلام، والنكات، والطعام… وشاع خبر خروجه من السجن بين أهل الحي.
البحث عن العمل والحب ومساومة الحاجة
ثم شرع فارس يبحث عن عمل، فذهب إلى الست بربارة في النادي الذهبي، لكنه وجدها قد رحلت. فتحول إلى زوجة معلّمه الأرملة، فوجدها، وبعد حوار قصير طلبت منه أن يعود إليها في اليوم القادم أو الذي يليه. وفي طريقه رأى رندة، ففرح لرؤيتها، وتجاذبا أطراف الحديث قليلاً ثم تفرقا. وعندما عاد إلى البيت، جلس مع والده ووالدته، ودار بينه وبين أمه حوار حول الخبز والسرقة والمستعمر. ثم نادى مريم، وبعد ذلك جاء بشارة القندلفت، ثم المختار، ثم الصفتلي، ثم صقر، وانعقدت السهرة.
وفي اليوم الثاني جاءت رندة؛ لترافق أم فارس إلى العمل، واختلس العشيقان نظرات الإعجاب والحب، إلى أن غادرت الأم ورندة البيت.
وتوجه فارس إلى دكان مكسار المبيّض، فرحب به بحرارة، وهو يمارس مهنته في تبييض الطناجر النحاسية مع ولده سالم والعامل بيرم. وتبادل معه بعض الأحاديث، وشكا المبيّض شوقه إلى بيته وحقله وقبر ابنه في أنطاكية. ثم عاد فارس إلى زوجة معلّمه من أجل العمل، فوعدته بتوظيفه في مصلحة الدفاع السلبي، بصفة ناظر على العمال، بعد أن أبدت له الكثير من الإغراء والإثارة، ثم طلبت منه أن يعود إليها مساءً لأخذ الرسالة.
وكان الصفتلي يتحدث مع زوجته حول هندسة بيته وحول عمله.
وبعد أن ذهب فارس إلى البيت، راح يفكر في العمل الذي ستسعى له به زوجة معلّمه، والفرحة تغمره. فاعتنى بلباسه وأناقته، وحلق ذقنه ومسح حذاءه، ثم توجه إلى بيتها ليلاً. فقامت بإثارته وإغرائه حتى حقق رغبتها، ثم استلم المكتوب بخصوص العمل. وباشر العمل بصفة مراقب في مصلحة الدفاع السلبي، ثم تحول إلى عامل بعد عقوبة منها بسبب تقصيره ليلاً معها.
وفي أثناء عمله التقى بشخص يُدعى نجوم كان قابله فيما سبق على النهر، لقاء خاطفاً، لكن هذه المرة جلسا مطولاً يفضيان لبعضهما صعوبة الحياة، ومعاناتهما في العمل، ثم أخبر نجوم فارس بأنه سيذهب إلى ليبيا للقتال منخرطاً في الجندية، حيث هناك المال، والطعام، والكساء، وحاول إقناع فارس بمرافقته إلى هناك، والانتساب إلى الجندية.
من جهة ثانية رجع فارس إلى محبوبته رندة، وبُعثت الحياة من جديد بينهما بعد أن فترت بسبب علاقته السابقة مع معلمته.
الرحيل إلى ليبيا وتتابع الفقد
وفكر فارس كثيراً في الذهاب إلى ليبيا مع نجوم، جنديين في الجيش الفرنسي. ووقع في صراع بين الفقر المدقع الذي يدفعه إلى الرحيل، والقيم والأخلاق والتربية التي تأبى الانخراط في صفوف المستعمر الفرنسي. لكن صوت المال ورندة والزواج رجحت كفته عنده، فتوجه إلى ليبيا هو ونجوم، راكبين البحر.
عند مغادرة فارس لأهله، حزنت أمه أشد الحزن، وبكت، ولكن أبا فارس لم يظهر حزنه الشديد الذي كان يقمعه في جوفه كلما أراد البوح، ثم إنه تذكر شبابه البائس، وكيف أنه سيق إلى الأناضول أيام سفر برلك، ثم عاد بعد ثلاث سنوات، فوجد أمه قد ماتت، وأباه، وإخوته قد رحلوا.
تمرض زوجة الصفتلي وتُنقل إلى المستشفى، فيحزن عليها زوجها حزناً شديداً، لكن الموت يعاجله قبلها، والشفاء يعود لزوجته.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية يقرر أهالي الحي، وأهالي اللاذقية، القيام بمظاهرات وإضرابات عارمة، وعلى رأسهم عبد القادر، ومحمد الحلبي، ومختار القلعة محمد أبو سليمان، ثم يحددون النقاط التي ينبغي الانطلاق منها في المظاهرة وينفض اللقاء.
تأتي الأنباء لأبي فارس بأن فارس قد فُقد، وأن صديقه نجوم قطعت رجله، وهو في المستشفى العسكري، فيتوجه أبو فارس إلى نجوم، ويسأله عما حصل، فيؤكد نجوم بأن فارس قد مات، وأنه سمع صوته، وهو يسقط مصاباً.
ويستمر الإضراب متقطعاً قرابة أسبوعين، وتملأ المظاهرات الصاخبة الشوارع مطالبة بالجلاء والتحرر.
وفي نهاية الرواية يأتي النبأ المأساوي وهو موت رندة بعد صراع مع مرض السلّ.
ومن ثم تنفجر المظاهرات من جديد مطالبة بالجلاء.
بين حرية التخييل وأمانة التأريخ
نعلم أن الأديب يمتلك حرية كبيرة في تشكيل أعماله، سواء كانت رواية أم مسرحية أم قصة. فعندما يرصد حكاية من المجتمع الحاضر أو الماضي، يمكنه أن يغير ويبدل، ويزيد وينقص، في حدود منطق عمله؛ لأنه ليس مؤرخاً، وإنما هو أديب. ومن هنا يتبين الفرق بين المهمتين: فالمؤرخ مطالب بالأمانة العلمية في النقل، والأديب مطالب بالموهبة التي تجعله مبدعاً للعمل، ولو كان تاريخياً في أساسه. غير أنني أشعر، للأسف، بأن «المصابيح الزرق» تؤرخ لمرحلة قريبة زمنياً، عبر رصد أحداث حي في اللاذقية وشخوصه. ويبدو لي الكاتب كأنه يعيش الأحداث مع الناس ويسجلها على طريقة المذكرات والتأريخ الأمين، باستثناء ما تضيفه لغة الوصف، الحاضرة بقوة، من تشكيل فني.
حدود التمثيل الاجتماعي وسؤال القيم
الأرضية الجغرافية والثقافية التي اختارها الكاتب لا تعبر، في تقديري، عن المجتمع السوري كله في تلك الحقبة، وإنما عن شريحة منه. فهو يجعل معظم شخوصه أصحاب مهن يدوية، وثقافتهم متواضعة تنهل من القال والقيل، باستثناء عبد القادر، ذلك الشاب المثقف والمناضل. وقد تكون لهذا الاختيار صلة بنشأة الكاتب في بيئة فقيرة وتنقله بين مهن كثيرة، من الحلاقة وبيع الصحف إلى الكتابة، واعتماده على جهد شخصي في تحصيل ثقافته، من دون دراسة في الكليات العلمية الأكاديمية؛ وهو جهد يستحق التقدير. وأطرح هذه الصلة بوصفها احتمالاً تفسيرياً لا حكماً على قيمة ثقافته.
ولهذا أجد أن عالم الرواية يفتقد حضور الطبيب والمهندس والشاعر والأديب وغيرهم، بما يجعل تمثيله الاجتماعي أضيق مما كنت أطمح إليه في قراءة تلك المرحلة.
وعلى الرغم من أن معظم الشخوص أميون، فإن الحس الوطني لا ينقصهم. غير أن معالجة مبادئ الحرية والكرامة والموقف من المستعمر لم تكن، في قراءتي، مقنعة بالقدر الكافي؛ إذ يتركز جل اهتمامهم على الخبز وإشباع الحاجات البيولوجية من طعام وشراب وجنس. وكنت أود أن يظهر في البناء الروائي ثقل أكبر للقيم والمبادئ وطلب الحرية والكرامة والاستقلال، مما أتوقع حضوره لدى الطبقة المثقفة، في موازنة ضغط الحاجة إلى لقمة العيش. وهذا تقدير نقدي لطريقة توزيع الاهتمام في الرواية، لا نفي لوطنية الفقراء أو احتكار للمبادئ باسم المتعلمين.
لغة المصابيح الزرق بين براعة الوصف وخشونة التعبير
أما لغة الكاتب، فقد تأرجحت بين السمو والبيان والفصاحة تارة، كما في هذه المقاطع:
وظل البيت تلك الليلة يضطرب بذكريات مؤلمة، والفضاء يضطرب بخيالات مرعبة، وأشباح ذات رؤوس كالأجراس الكبيرة، وأذرع كجذور الأشجار الطويلة، وأنوف ذات عجرات ضخمة كالشوندرات الحمر القانية… كان الأصيل قد أوغل وبدأت تسابيح القبرات تتعالى في ابتهال علوي ساحر، وعلى الأدغال الكثيرة حول ضفتي النهر راحت عصافير التين تحط وتطير، وتزقزق مرحة كأنها تنشد لحناً تودع به النهار… كان جريس المختار ذئباً وحملاً في وقت واحد، ويستطيع عند اللزوم أن يعكر الماء، ويتهم سواه بتعكيرها، ويستطيع عند اللزوم أيضاً أن يغضي عن تعكيرها من قبل سواه، وأن يضع رجليه فيها مشعراً الآخرين أن ليس من إنسان لا يخطئ ولا ينخدع… [1]
حنا مينه — المصابيح الزرق
وتتجه تارة أخرى، في تقديري، إلى الهبوط والترهل الذي يثير اشمئزاز القارئ ونفوره؛ فرائحة السباب والكفر، كما أصفها في قراءتي، تزكم الأنوف. ومن أمثلة ذلك:
يا أولاد الكلب يا بهائم – فلعق شفتيه كجرو صغير – اسمك بلوطة، قردة كلبة – يلعن شوارب زوجها – فماذا أفعل بهذا الفحل المخصي – الخ… [1]
حنا مينه — المصابيح الزرق.
هل تكفي محاكاة الواقع لصناعة الأدب
وللأسف، نجد بعض الكتّاب والأدباء يحاولون رصد الأحداث بدقة متناهية، من دون زيادة أو نقصان. وقد ذكرت أنني أرى في ذلك خللاً وقصوراً في الرؤية؛ لأن الأدب، حتى لو كان مرآة المجتمع، لا ينبغي أن ينحدر إلى الإسفاف والابتذال. ويمكن لهذه المرآة أن تكون محدبة أو مقعرة، بحسب الحاجة التي يقتضيها المشهد، أي أن تعيد تشكيل الواقع بدلاً من الاكتفاء بنقله.
وثمة ظاهرة شاعت بين الأدباء وكتّاب المسلسلات والأعمال الفنية، هي حمل الأحداث والمشاهد من الشارع إلى الشاشة، وتحويلها إلى عمل فني من دون المساس بدنسها وقذارتها. وهذا مطب لا ينبغي، في تصوري لوظيفة الفن، أن يقع فيه المبدع. فوظيفة الأدب أن يشير إلى الدنس الشائع بين الناس، وأن يطهره ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولا أرى أن الفن ينبغي أن ينحدر إلى لغة المتمردين على القيم وسلوكهم، بحجة رصد شريحة حاضرة في المجتمع، بل أن يترفع عن تلك المثالب، أو يهذب تمثيلها اللغوي والسلوكي، بما يسهم في الارتقاء بالمجتمع.
ولو عدنا إلى أسلوب الكاتب، لوجدنا أن ألفاظه وتراكيبه مستقاة من المناخ الذي تعيش فيه شخصيات الرواية؛ فهي تحيا حياة بسيطة فقيرة، تبلغ أحياناً حد العدم، وتحضر في صورها ملامح البيئة القروية. وتناسب تشبيهاته هذا المناخ، مثل «جرو» و«جاجة سوداء» و«بلوطة». وهذا نجاح يُحسب له؛ لأنه استطاع أن يذهب بالقارئ إلى المكان الذي يريد: ذلك الحي الفقير المطل على البحر. [1]
حصيلة القراءة
وفي نهاية المطاف، بذل حنا مينه جهداً كبيراً في نسج هذه الرواية وصياغتها، ليسلط الضوء على حقبة تاريخية سوداء انقضت، وعانى فيها الشعب السوري تحت نير الاستعمار، وما صاحبه من فقر وأمية وأمراض. وقد نجح في عمله، إلى حد ما، من ناحية المضمون، لكنه لم يرتقِ، في تقديري، إلى المستوى المنشود في الشكل، بل أخفق في مواضع ظهرت فيها السقطات والترهلات التي أشرت إليها. ويبقى هذا الحكم موجهاً إلى جوانب هذا العمل كما قرأته، مع تقدير صاحبه وجهده.
البحر أفق فلسفي للإنسان والمصير
ومع هذه المآخذ، يظل في عالم حنا مينه عمق فلسفي يتكشف في امتحان الإنسان بالجوع والقهر والخسارة، وفي بحثه عن كرامة لا تضمنها النجاة وحدها. ومن هذا الأفق يمكن قراءة تقاطعه مع همنغواي في «الشيخ والبحر» [2] وفيكتور هيجو في «عمّال البحر» [3]؛ إذ تفتح البيئة البحرية عندهم طريقاً إلى أسئلة الإرادة والمصير وحدود القدرة الإنسانية. وفي «المصابيح الزرق» يبرز الحي الساحلي أكثر من المغامرة البحرية، لكن البحر يظل أفقاً للرحيل والفقد. وهي مقاربة فنية تكشف صلة التجارب، ولا تثبت محاكاة مباشرة أو تأثراً موثقاً.
![]()

المراجع
- حنا مينه، «المصابيح الزرق». بيانات الرواية في Google Books.
- The Pulitzer Prizes، The Old Man and the Sea, by Ernest Hemingway. صفحة العمل الفائز بجائزة الرواية لعام 1953.
- Maisons Victor Hugo، Hugo et l’océan. مادة متحفية عن رواية Les Travailleurs de la mer وصلتها بالعالم البحري.
سؤال المقالهل ترى أن صدق الرواية في تصوير الواقع يبرر خشونة لغتها؟
- نعم، إذا خدمت البناء الفني؛
- لا، ينبغي تهذيب التمثيل؛
- يتوقف الأمر على السياق وطريقة المعالجة.







نؤمن أن اختلاف الرأي يثري المعرفة، وأن احترام الإنسان يسمو على الانتصار للفكرة.
ننشر الاختلاف، ولا ننشر الإساءة. نرد على الفكرة، ولا ندخل في خصومة مع صاحبها.لذلك نرحب بكل تعليق يضيف إلى الحوار، ونعتذر عن نشر أي مشاركة تتضمن إساءة شخصية، أو خطاب كراهية، أو دعاية، أو خروجاً عن موضوع النقاش.