ما تشهده بعض المناطق السورية اليوم من مظاهرات لا يمكن قراءته بوصفه حادثاً معزولاً أو تعبيراً عفوياً صرفاً عن مطالب اجتماعية. إن المظاهرات في سوريا باتت، في كثير من الحالات، مرآة لتراكمات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة؛ تراكمات جرى خلالها الاستثمار المنهجي في الانقسامات الطائفية والعقائدية والهويات الفرعية، على حساب مفهوم الدولة الجامعة ومعنى المواطنة المتساوية.
ملخّص تنفيذي:
في أصلها، التظاهرات حقّ مشروع. لكن المشكلة تبدأ عندما تُربط المطالب بلغة الهوية الفرعية، فتتحول من خطاب وطني إلى اصطفاف. المعالجة الأمنية وحدها لا تمنع التفكك، بل تسرّعه إن غاب خطاب جامع وعدالة متساوية.1) الحقّ في التظاهر… والإشكال في سياق التوظيف
التظاهر، من حيث المبدأ، حقّ مدني طبيعي. غير أن الإشكالية لا تكمن في “الحق” بحد ذاته، بل في سياق التوظيف السياسي: متى يصبح الشارع أداة إصلاح، ومتى يتحول إلى منصة استقطاب قابلة للاختطاف؟
- عندما تُصاغ المطالب بلغة طائفية أو عقائدية، تُفرَّغ من بعدها الوطني.
- عندما تتقاطع مع مصالح قوى انفصالية أو سلطات أمر واقع، تدخل في لعبة أكبر من المطالب المعلنة.
- عندما يغيب الخطاب الجامع، يتحول الشارع إلى ساحة صراع سرديات لا ساحة مطالب.
بهذا المعنى، يحمل ما شهدناه مؤشرات على خلطٍ خطير: مطالب محقّة من جهة، مقابل محاولات دفع الشارع نحو اصطفافات حادة من جهة أخرى.
2) حين تُسيَّس الهوية… يُعاد تعريف الصراع
حين تتحول الهوية الطائفية أو العقائدية أو الأيديولوجية إلى أساس للحشد السياسي، يصبح المجتمع هشاً وقابلاً للتشظي. فاستدعاء الهوية إلى الشارع بوصفها “راية تعبئة” لا يظل داخل حدود التعبير الرمزي؛ بل يتحول إلى منطق تقسيمي يعيد تشكيل المجال العام.
“أخطر ما في تسييس الهوية أنه يعيد تعريف الصراع من حقوقٍ قابلة للتفاوض إلى وجودٍ غير قابل للتسوية.”
وعندما يُعاد تعريف الخلاف بوصفه صراع وجود لا صراع حقوق، يُشرعن العنف الرمزي والمادي باسم الدفاع عن الجماعة، وتُسقَط فكرة الدولة كمرجعية محايدة، ويُستبدل بها منطق الولاءات ما قبل الدولة. هنا يصبح الاحتجاج، في بعض الحالات، قابلاً للتحول من وسيلة ضغط مدني إلى منصة استقطاب حاد.
3) مسؤولية الدولة: منع الانزلاق لا إدارة التفكك
الدولة—أي دولة—مسؤولة عن منع الانزلاق نحو التفكك، لا عن إدارته بعد حدوثه. فالمعالجة الأمنية المجردة، من دون خطاب سياسي جامع وعدالة ملموسة، تعمّق الشرخ بدل رأبه. كما أن الصمت أو الغموض الرسمي يفتح المجال للشائعات، ويمنح القوى المنظمة فرصة لملء الفراغ.
“الدولة القوية ليست تلك التي تقمع الاختلاف، بل التي تستوعبه ضمن إطار قانوني وطني جامع.”
وغياب مشروع وطني واضح يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة يدفع الأفراد إلى البحث عن “حماية بديلة” داخل الطائفة أو الجماعة، بما يضعف فكرة المواطنة ويحوّلها إلى علاقة مشروطة بالخوف والارتياب.

4) القوى الانفصالية وسلطات الأمر الواقع: من يستفيد من الانقسام؟
القوى الانفصالية والانتهازية لا تزدهر إلا في بيئات الانقسام. فهي تتغذى على خطاب المظلومية الحصرية، وتعمل على تعميم ثنائية “نحن” في مواجهة “هم”، وتستثمر أخطاء الدولة وتضخّمها لتبرير مشاريعها.
“كل تصعيد غير مضبوط وطنياً يمنح قوى الأمر الواقع فرصةً ذهبية لتكريس وقائع جديدة على الأرض.”
في هذه الحالة يصبح الشارع -إن غاب الضابط الوطني- مساحة قابلة لإنتاج وقائع سياسية وأمنية جديدة، تتجاوز الحق في التظاهر نحو تكريس خرائط نفوذ ومناطق تأثير.
5) مآلات التفكك المجتمعي: ثلاثة مخاطر مباشرة
استمرار هذا المسار يقود إلى مآلات خطيرة، أبرزها:
- تفكك النسيج الاجتماعي وتحوله إلى جزر متناحرة، بما يبدد إمكانية التعايش داخل المجال العام.
- إضعاف إمكانية بناء دولة وطنية جامعة لأن الهوية تصبح البديل عن القانون والمؤسسات.
- فشل تحقيق الآستقرار: بسبب عدم عودة السلم الأهلي
- فتح الباب أمام تدخلات خارجية تحت عناوين “الحماية” و”الضمانات”، فتتحول الأزمة إلى ملف دائم قابل للتدويل.
خاتمة: صراع على شكل الدولة لا صراع طوائف
ما يحدث اليوم في سوريا ليس صراع طوائف ولا عقائد، بل صراع على شكل الدولة ومستقبلها. تحويل الشارع إلى ساحة هويات متصارعة يخدم أعداء المجتمع والدولة معاً. وحده الخطاب الوطني الجامع، والسياسة الرشيدة، والعدالة المتساوية، قادرة على وقف هذا الانحدار، وإعادة توجيه الاحتجاج من أداة تفكك إلى وسيلة إصلاح حقيقي.







