تنويه: لا يناقش هذا المقال سقوط نظام الأسد بوصفه حدثاً سياسياً فحسب، بل يتوقف عند السؤال الأصعب: ماذا بقي من نظام الأسد داخل العقول والسلوك والمؤسسات؟ فالتغيير الحقيقي لا يكتمل بإزالة رأس السلطة، ما لم تُفكَّك اللغة والعادات وآليات التفكير التي صنعها الاستبداد عبر عقود. "منصة مآلات"
ما بعد الأسد: هل تغيّر النظام أم تغيّرت الواجهة؟
كلما أصدرت السلطة قراراً جديداً، قفز جمهور كبير ممن لا يزالون يحملون بقايا نظام الأسد وفكر البعث في عقولهم وأجوافهم، معترضين على قراراتها والتحولات التي تحدثها في الاقتصاد والسياسة والإدارة والمجتمع… فهل قام الشعب السوري بتغيير بشار الأسد لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، وبالتالي المطلوب كان فقط استبداله برئيس ينتمي إلى طائفة أخرى مع الإبقاء على كل شي ، أم أن المطلوب هو تغيير كل شيء ..؟
الاعتراض على قرارات السلطة الجديدة تعدى اليومي والبسيط، وانتقل إلى مستوى أعلى وأكبر، فهناك طائفة كبيرة من السوريين، ومنذ اليوم الأول للتحرير، تتعامل مع هذه السلطة باستخفاف واستعلاء غريب، وكأنهم قادمون من مجاهل أفريقيا أو غابات الأمازون، وهم لا يتوانون عن تقديم ما يسمونه بالنصح والإرشاد، في اختصاصات شديدة الدقة والحساسية، منها ما يتعلق بالسياسة الخارجية أو الاقتصاد أو التعيينات في المناصب .. وهذه “النصائح” غالبا ما تصدر عن أشخاص عاديين، كل ما يمتلكونه أن الظروف أتاحت لهم العيش في الدول الأوروبية والتسكع في شوارعها.
نظام الأسد بوصفه عقلية لا حاكماً فقط
قد يقول قائل، إن السوريين اليوم خائفون على دولتهم بعد أن استعادوها، ولا يريدونها أن تعود إلى عصر الأسد من جديد، لكن على أرض الواقع، فإن ما يفعلونه هو الاعتراض على كل تغيير كان سائداً في عهد الأسدين.
نحن في سوريا كنا شيء غريب .. شيء يشبه الماورائيات ونوادر جحا وحكايا الجدّات عن الغولة .. نحن باختصار كنا في أقصى الخلف، وإذا لم تقم السلطة الجديدة بتغيير كل شيء، بدءاً من شكل المدارس وانتهاء بكل السياسات الإدارية التي كانت سائدة، فإن سوريا لن تنجو ولن يتغير شيء، بحسب ما يقول البعض.
لم يكن اعتراضنا على حكم الأسد، أن تسعيرة القمح لم تكن مجزية، أو أنَّ رواتبنا كانت متدنية. وفي هذه النقطة تحديداً، دعوني أشير إلى أن راتبي في وكالة سانا قبل أن أغادرها في العام 2012 ، كان يصل إلى حدود 600 دولاراً في الشهر، وكنت أعمل إلى جانب ذلك في القطاع الخاص، وأتقاضى أكثر من هذا المبلغ، أي أن دخلني لم يكن يقل عن 1000 دولاراً في الشهر وأحياناً يصل إلى 2000 دولاراً في الشهر، وأغلب الصحفيين كانوا يتقاضون مبلغاً مشابهاً، أو أعلى من ذلك بكثير، ومع ذلك عندما خرجنا على نظام الأسد لم يكن هدفنا البحث عن فرصة عمل أو دخل أعلى، وهو ما ردده المتظاهرون في أعقاب أول زيادة رواتب أجراها بشار الأسد بعيد إنطلاق الثورة السورية، عندما هتفوا “ يا بثينة ويا شعبان الشعب السوري مو جوعان “.
لم تكن الثورة بحثاً عن راتب أعلى أو فرصة عمل أفضل، بل تمرّداً على منظومة نهب كاملة كانت تقود البلد إلى الهلاك.
شخصياً لم أثر لكي ينتهي بي الحال واقفاً في أحد ساحات المدينة حاملاً “كرتونة” مكتوب عليها مطالبي بتخفيض تسعيرة الكهرباء أو للكاتبة عن رفع تسعيرة القمح، بل ثرت على منظومة نهب كاملة ، كنت أرى أنها تقود البلد للهلاك.
يؤسفني اليوم حال الصحافة والصحفيين بعد أكثر من عام ونصف على التحرير ، والذين لازالوا عالقين في حقبة آل الأسد وعقليته في التفكير، لدرجة وجدنا بعد إقالة وزير الإعلام السابق، أن هناك من دافع عنه بنفس طريقة “جريدة البعث” ، بأن الرجل كان ناجحاً وفي عهده تم إطلاق الاخبارية والفضائية السورية وجريدة الثورة ووكالة سانا بحلة جديدة .. فهل هذا يعني لو أن وزيرا غيره في ذات المنصب، فإن هذه الوسائل لن تنطلق بحلة جديدة .. ؟!
كلمة أخيرة: عندما اعتقلت في منتصف العام 2011 ، أمسك اللواء المجرم جميل الحسن موبايلي وأخذ يقلب بالأسماء ويقرأها بصوت مرتفع .. وحرفيا كان موبايلي ممتلئ بأسماء جميع المسؤولين الكبار في البلد ومعهم رجال الأعمال وكبار الاقتصاديين، لدرجة أنه لم يكن بوسعي إضافة أسماء الكثير من الأصدقاء، بحكم أن شريحة الموبايل في تلك الأيام كانت تتسع لـ 200 اسم فقط ..
نظر إلي وقال باستغراب : إنت ليش بدك ثورة يا ابني ..؟
قلت بيني وبين نفسي: كيف سوف تُفْهم هذا الحمار أنني لم أُثر لنفسي وإنما لأنني أريد مستقبلاً أفضل لبلدي ولأولادي والأجيال القادمة من بعدي..







