تمثل المحاكمات العلنية لرموز النظام السابق في سوريا لحظةً مفصلية في اختبار مسار العدالة الانتقالية بعد عقود من الإفلات من العقاب. وبين الترحيب الشعبي والتشكيك السياسي، تبدو هذه الخطوة أقل من اكتمال العدالة، لكنها أكثر من مجرد محاكمة؛ إنّها مدخل ضروري لبناء الثقة، وترميم الدولة، وفتح طريق الاستقرار.
بداية علنية لمسار العدالة الانتقالية
يسود الشارع السوري، تزامناً مع بدء جلسات المحاكمة العلنية لرموز النظام السابق في 26 أبريل/نيسان 2026، مزيج من الاحتفاء الشعبي والمتابعة اللصيقة لكل التفاصيل. ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها بدايةً فعلية لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، بعد سنوات طويلة من العنف السياسي، والانتهاكات الواسعة، والحصانة التي تمتعت بها شخصيات أمنية وعسكرية نافذة.
لكن هذا المسار ما يزال غامضاً بالنسبة إلى كثيرين؛ فهو يتركز، حتى الآن، على فصيل واحد هو نظام الأسد الذي سقط في ديسمبر/كانون الأول 2024، كما أنّ المنظومة القانونية السورية، سواء من حيث القوانين المعهودة أو المحاكم التقليدية، لا تبدو مؤهلةً بعد للتعامل مع الجرائم الكبرى التي يُحاسَب مرتكبوها اليوم، وفي مقدمتها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ترحيب شعبي وتشكيك سياسي
درعا ورمزية محاكمة عاطف نجيب
يسود في سوريا ترحيب واسع وارتياح ملحوظ، ولا سيما في محافظة درعا، مع بدء محاكمة عاطف نجيب حضورياً. فهذا الرجل، بوصفه الرئيس السابق لإحدى مؤسسات الأمن السورية، ارتبط اسمه ببعض من أفظع الجرائم التي شهدتها البلاد، كما ارتبط اسمه، سياسياً ورمزياً، بالبدايات الأولى للثورة السورية.
وتكتسب هذه المحاكمة أهميتها من موقع الرجل داخل بنية السلطة السابقة؛ فهو ابن خالة بشار الأسد، وكان يتمتع بحصانة استثنائية في ظل النظام السابق. ومن هنا، فإنّ رؤية المسؤول الأول عن شرارة الثورة السورية خلف القضبان تمثل خطوةً أساسية لتهدئة ذوي الضحايا وطمأنتهم، كما تمثل بدايةً لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة بعد عقود من تسييس القضاء وتغوّل الأجهزة الأمنية.
“رؤية عاطف نجيب خلف القضبان ليست مجرد محاكمة، بل لحظة رمزية لكسر الحصانة واستعادة الثقة بالدولة”.
“عبد الرحمن ربوع”
نهاية رمزية لعقود الحصانة
إنّ هذه المحاكمات العلنية، التي انطلقت في قلب دمشق، تمثل لحظةً فارقة لأنها تنهي، ولو تدريجياً، عقوداً من الحصانة القضائية لمرتكبي الانتهاكات مهما كانت مواقعهم داخل السلطة. كما أنها ترسخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب في بلد نخره الفساد والمحسوبية على مدى ستين عاماً من حكم الأسد الأب والابن.
غير أنّ هذه اللحظة لا تخلو من تعقيدات سياسية واجتماعية. فهناك انتقادات يطلقها مؤيدو النظام السابق، وحاضنته الشعبية، وذوو المجرمين المحتجزين أو الهاربين خارج سوريا، مشككين في نزاهة القضاء وفي مسار العدالة الانتقالية برمته.
مطالب بعدم الانتقائية
في الوقت نفسه، يطالب منتقدون بعدم استثناء الجرائم والانتهاكات التي وقعت في مارس/آذار 2025 ضد العلويين عقب محاولة انقلابية فاشلة، وكذلك الانتهاكات التي وقعت في السويداء في يوليو/تموز 2025 عقب مواجهات إثنية بين الدروز والبدو، شاركت فيها قوات حكومية وقوات موالية للحكومة.
كما تشمل هذه المطالب ما وقع من انتهاكات وجرائم خلال المواجهات التي حدثت بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، المعروفة باسم “قسد”، في حلب ومنبج والرقة وعين العرب/كوباني. ومن هنا، تبدو العدالة الانتقالية مطالبةً بألّا تتحول إلى مسار انتقائي، بل إلى إطار وطني شامل يُخضع جميع الانتهاكات للمساءلة، أياً يكن مرتكبوها وانتماؤهم.
تحديات الثقة والنزاهة
نزاهة القضاة وكفاءتهم
لا شك في أنّ نجاح هذا المسار يعتمد، إلى حدّ كبير، على أمرين رئيسيين، كلاهما متاح ويمكن البناء عليه، لكنهما ما يزالان غير مكتملين. الأمر الأول هو نزاهة القضاة وكفاءتهم، لأنّ قضايا بهذا الحجم لا يمكن أن تُدار بعقلية المحاكمات التقليدية أو بمنطق الترضية السياسية.
فالعدالة الانتقالية لا تقوم فقط على إصدار الأحكام، بل على بناء سردية قانونية موثوقة للحقيقة، وعلى تمكين الضحايا من الشعور بأنّ الدولة لم تعد غطاءً للجناة، بل صارت إطاراً للمحاسبة والإنصاف.
“لا تنجح العدالة الانتقالية بالأحكام وحدها، بل بنزاهة القضاء وقدرته على تحويل الحقيقة إلى سردية قانونية موثوقة تُنصف الضحايا وتعيد الثقة بالدولة”.
“عبد الرحمن ربوع”
الحاجة إلى قواعد دستورية وقانونية واضحة
أما الأمر الثاني فهو القواعد القانونية والدستورية. فما تزال هناك نقاشات جارية حول قدرة المؤسسة القضائية الحالية على إدارة ملفات بهذا التعقيد دون الانزلاق نحو عدالة انتقامية أو محاكمات تستهدف الخصوم السياسيين أكثر مما تستهدف الجناة الفعليين.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل تأخر عمل المؤسسة التشريعية التي يُفترض أن تصوغ القوانين المناسبة لمحاسبة مجرمي الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق قواعد دستورية واضحة، في وقت لم يكتمل فيه بعد الإطار الدستوري السوري الجديد.
العدالة كجسر نحو الاستقرار
ليست العدالة عقاباً فقط
هناك إجماع واسع بين السوريين، وهو أمر نادر في سياق الانقسام العميق الذي عرفته البلاد، على أنّ العدالة الانتقالية ليست مجرد عقاب. فهي، قبل ذلك وبعده، جسر نحو السلم الأهلي والسلام الاجتماعي.
فكشف الحقائق، وتحديد المسؤولين، ومعاقبتهم، وجبر ضرر الضحايا، كلها عناصر ضرورية لمنع تكرار دورات العنف، وضمان انتقال سياسي حقيقي لا يحتاج إلى مزيد من الانقلابات أو المواجهات التي لا يريدها أحد، ولا أحد مستعد لدفع تكاليفها مرةً أخرى.
من المحاسبة إلى إعادة بناء الدولة
ينظر كثيرون إلى انطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ومحاسبة مجرمي الحرب، باعتباره خطوةً أولية على درب إنصاف الضحايا. لكن الحقيقة أنّ هذه الخطوة، رغم صغرها الظاهر، تمثل قفزةً هائلة على طريق الاستقرار في سوريا.
فالعدالة ليست ملفاً قضائياً معزولاً، بل شرط من شروط إعادة بناء الدولة السورية التي نخرها الفساد، وترميم المجتمع السوري الذي مزقته الحرب، وفتح الباب أمام عودة ملايين اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم وأرزاقهم عودةً آمنة وطوعية.
ما يجري اليوم في سوريا ليس مجرد محاكمات لشخصيات من النظام السابق، بل اختبار مبكر لقدرة الدولة الجديدة على تحويل الألم السوري إلى مسار قانوني، وتحويل الرغبة في الانتقام إلى عدالة منضبطة، وتحويل ذاكرة الضحايا إلى أساس لبناء مستقبل أكثر استقراراً.
إنّها خطوة صغيرة على درب العدالة، لكنها قفزة هائلة على طريق الاستقرار؛ لأنّ سوريا التي تبحث عن السلام لا يمكن أن تتجاوزه إلى المستقبل من دون أن تعبر أولاً من بوابة الحقيقة والمحاسبة والإنصاف.







