الملخّص التنفيذي
تقوم القراءة السطحية للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، على فرضيةٍ مباشرة مفادها أنَّ الهدف هو إسقاط النظام الإيراني أو تدمير مشروعه النووي والصاروخي. غير أنَّ هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم السياق الأوسع للحرب، ولا يفسّر توقيتها، ولا تشعب آثارها، ولا سبب تحوّل الخليج وهرمز والطاقة العالمية إلى قلب الحدث. ينطلق هذا المقال من فرضيةٍ تحليلية أعمق، مفادها أنَّ الحرب على إيران لا تُقرأ فقط بوصفها حرباً على دولةٍ إقليميةٍ متمرّدة، بل بوصفها جزءاً من إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الدولية قبل المواجهة الكبرى مع الصين. فإضعاف خطوط الطاقة، وتهديد الممرات البحرية، وتعطيل المسارات التجارية، والضغط على الاقتصادات المرتبطة بالنفط الخليجي، كلّها عناصر لا تنحصر نتائجها في إيران وحدها، بل تمتد إلى بكين وتايوان ومستقبل التوازن العالمي. ومن هنا تأتي أهمية هذا التحليل: فهو لا يكتفي بوصف ما يجري الآن، بل يحاول تصحيح القراءة السائدة التي ترى المشهد من زاويةٍ عسكريةٍ ضيقة، من دون الانتباه إلى طبقاته الأعمق وما قد يُنتجه مستقبلاً على مستوى الخليج ومصر والعراق وسوريا، وعلى مستوى وظيفة الشرق الأوسط في الصراع الدولي القادم.
“العقيد عامر عبد الله”
![]()
المقدمة
حين ينظر معظم المتابعين إلى الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، فإنهم يرون طبقتين واضحتين فقط: طبقةً عسكريةً عنوانها ضرب البنية الصاروخية والنووية الإيرانية، وطبقةً سياسيةً عنوانها إنهاك النظام أو دفعه إلى الانكفاء. لكن هذا النظر، على وجاهته، يبقى ناقصاً إذا لم يطرح سؤالاً أكبر: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا القدر من المخاطرة في لحظةٍ دوليةٍ شديدة الحساسية؟ [1]
في ظاهر المشهد، تبدو الحرب محاولةً لإضعاف إيران وإجبارها على التراجع. أمّا في جوهره، فقد يكون المشهد أوسع من ذلك بكثير. فالحرب لا تدور فقط حول طهران، بل حول موقع الطاقة في الاقتصاد العالمي، وحول الممرات البحرية التي تُغذّي آسيا، وحول إعادة ترتيب ساحات النفوذ قبل مرحلةٍ أكثر اتساعاً قد تتجه فيها الأنظار إلى الصين وتايوان. [3][4][5][7]
ومن هذه الزاوية، لا يعود الشرق الأوسط مجرد مسرحٍ لصراعٍ إقليمي، بل يتحول إلى مختبرٍ لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي. وهنا تحديداً تكتسب الحرب معناها الأخطر: فهي لا تُعيد تعريف إيران فحسب، بل تعيد تعريف وظيفة الخليج، ودور مصر، وهشاشة العراق، وفرص سوريا في التعافي، وحدود القوة الأميركية نفسها. [8][9][10][13][16][17]
الحرب على إيران ليست فقط حرباً على إيران
الفكرة المركزية التي ينطلق منها هذا التحليل هي أنَّ الحرب لا تُختزل في هدفٍ تكتيكي مثل إسقاط النظام الإيراني أو تعطيل برنامجه النووي، بل تتجاوز ذلك إلى هدفٍ استراتيجي أوسع: إعادة تشكيل البيئة التي تعمل فيها الصين كقوةٍ صاعدة. فحين تُضرب إيران، ويُهدَّد مضيق هرمز، وتُربك تجارة الطاقة في الخليج، فإنَّ المتضرر لا يكون إيران وحدها، بل أيضاً الاقتصادات الآسيوية الكبرى التي تعتمد على هذه المنطقة، وفي مقدمتها الصين. [3][4][5]
إنَّ بكين ليست مجرد شريكٍ تجاري عابر لطهران، بل هي أحد أكبر المستفيدين من النفط الإيراني ومن استقرار طرق الشحن في الخليج. ولذلك، فإنَّ أي اضطرابٍ كبير في هذه البيئة يُربك الصناعة الصينية، ويرفع كلفة الطاقة، ويضغط على قدرة الصين على مواصلة توسعها الاقتصادي بنفس الوتيرة. ومن هنا تبدو الحرب، في أحد أبعادها، كأنها ليست حرباً على حاضر إيران فقط، بل على المستقبل الاستراتيجي للصين أيضاً. [5][6]
ما يجري في إيران لا يُقرأ فقط في طهران، بل في بكين أيضاً؛ لأنَّ الحرب حين تضرب النفط والمضائق وطرق الشحن، فإنها لا تستهدف دولةً واحدة، بل تختبر قدرة قوةٍ صاعدة على التنفس.
“العقيد عامر عبد الله”
من الطاقة إلى تايوان: المعركة المؤجَّلة
حين تُقرأ الحرب من زاوية الطاقة والممرات البحرية، يصبح الربط بين طهران وتايوان أقلَّ غرابةً مما يبدو. فالولايات المتحدة تدرك أنَّ المواجهة المباشرة مع الصين ليست قراراً عسكرياً فحسب، بل قرارٌ اقتصاديٌّ ولوجستيٌّ ونفسيٌّ أيضاً. وأي صدامٍ كبير مع بكين يحتاج أولاً إلى بيئةٍ تُضعِف قدرة الصين على الصمود الطويل، سواء عبر تقليص موارد الطاقة، أو إرباك شبكات التجارة، أو إشغالها بأزماتٍ متراكبة. [5][7]
هرمز بوصفه أكثر من مضيق
هنا يبرز مضيق هرمز بوصفه واحداً من أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فالمسألة لا تتعلق فقط بمرور النفط، بل بمرور الطمأنينة نفسها. مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيله جزئياً يكفي لرفع التوتر في الأسواق، وإعادة تسعير المخاطر، ودفع الدول المستوردة إلى القلق، وفي مقدمتها الدول الآسيوية. [3][4]
وحين تصبح إيران، بحكم موقعها الجغرافي، عقدةً في هذا التوتر، فإنَّ الحرب عليها تتحول تلقائياً إلى حربٍ على الاستقرار الاقتصادي لمن يعتمدون على هذا المسار. وهنا يتجلى المعنى الأعمق للصراع: ليس كل ما يُستهدف يُقصف مباشرةً؛ أحياناً يكفي ضرب العقدة كي يختنق ما بعدها. [3][4][6]
تايوان في الأفق لا في العنوان
لا توجد حاجةٌ إلى إعلانٍ رسمي كي نفهم أنَّ تايوان حاضرةٌ في خلفية المشهد. ليست بوصفها “المعركة التالية من طهران إلى تايوان” بصورةٍ حتمية، بل بوصفها المآل المنطقي في أي صراعٍ أميركيٍّ طويل مع الصين. وإذا كانت واشنطن تريد اختبار قدرة بكين على التحمل، فإنَّ البداية المنطقية لا تكون من شرق آسيا مباشرةً، بل من الأماكن التي تتغذى منها المصانع، وتتحرك عبرها التجارة، وتُقاس فيها هشاشة التبعية للطاقة والملاحة. [5][7]
لذلك، فإنَّ من الخطأ قراءة حرب إيران كحدثٍ منفصل. إنها جزءٌ من سلسلةٍ أوسع، عنوانها الحقيقي: من يستطيع أن يُرهق خصمه قبل المعركة الكبرى؟
الخليج: الحليف الذي يدفع الفاتورة
كشفت الحرب الحالية عن حقيقةٍ قاسيةٍ بالنسبة إلى دول الخليج: أنَّ التحالف مع الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الحماية الكاملة من تداعيات الحروب التي تُخاض باسم الأمن الإقليمي. فدول الخليج، التي بنت لعقودٍ جزءاً كبيراً من أمنها على فرضية المظلة الأميركية، وجدت نفسها في قلب ارتدادات المعركة، مع تهديداتٍ مباشرة للبنية التحتية والطاقة والملاحة والاقتصاد. [8][9]
لقد بدا واضحاً أنَّ الخليج لم يختر هذه الحرب، لكنه مُطالبٌ بدفع جزءٍ كبيرٍ من كلفتها. وهذه مفارقةٌ استراتيجية شديدة الدلالة: أن تكون حليفاً للقوة الكبرى، ثم تكتشف أنَّ قربك منها يجعلك أكثر عرضةً للنيران لا أقل. [8][9]
نهاية وهم “الأمن المستورد”
الحرب كشفت أيضاً حدود العقيدة الخليجية التقليدية التي تفترض أنَّ الحماية الغربية قادرةٌ دائماً على امتصاص الصدمات وردع الخصوم. فالتهديدات الجديدة لم تعد تقليدية، بل صارت مركّبة: مسيّرات، صواريخ منخفضة الكلفة عالية الأثر، حروب سيبرانية، وابتزازٌ دائم للممرات البحرية. [8]
هذا يعني أنَّ الخليج مقبلٌ على مراجعةٍ عميقة لعقيدته الأمنية. لن يكفي شراء مزيدٍ من الأسلحة، بل سيكون عليه أن يعيد التفكير في بنية الأمن نفسها: تكامل الدفاعات الجوية، توسيع الشراكات، تقليل الاعتماد على هرمز، والتعامل مع الأمن الإقليمي بوصفه شأناً سيادياً لا خدمةً تُشترى من الخارج. [8][9]
يكشف الواقع الأمني في الخليج أنَّ التقدم ظلَّ بطيئاً ومجزأً على مستوى الدول، لا ضمن منظومةٍ دفاعيةٍ إقليميةٍ متكاملة، وهو ما جعل المظلة الخارجية أقلَّ قدرةً على ردع التهديدات الجديدة وأكثر عجزاً عن امتصاص صدماتها.
مصر: دولةُ الوساطة التي تتلقى الصدمات الاقتصادية
ليست مصر في مركز المواجهة العسكرية، لكنها بالتأكيد في مرمى نتائجها. فكل حربٍ تطول في الخليج تنعكس سريعاً على أسعار الطاقة، وسلاسل التوريد، والتضخم، وحركة الملاحة، وكلّها عوامل تمسّ الاقتصاد المصري مباشرةً. [10][11]
قناة السويس بين الجغرافيا والسياسة
تعتمد مصر على استقرار الإقليم ليس فقط لأسبابٍ سياسية، بل لأنَّ قناة السويس نفسها تصبح أول المتضررين من أي اضطرابٍ في الممرات البحرية. ومع أي تصعيدٍ في الخليج أو البحر الأحمر، تتراجع حركة العبور أو ترتفع كلفة التأمين والمخاطر، فتخسر القاهرة واحداً من أهم مصادر العملة الصعبة. [11]
وهكذا، فإنَّ الحرب على إيران لا تبقى شأناً بعيداً بالنسبة إلى مصر، بل تتحول إلى ضغطٍ على الموازنة والأسعار والاحتياطي النقدي، حتى لو لم تُطلق القاهرة رصاصةً واحدة. [10][11][12]
مصر بين التهدئة والحذر
سياسياً، يبدو أنَّ مصلحة مصر العميقة هي في منع اتساع الحرب لا الانخراط في استقطاباتها. ولذلك فإنَّ دورها الطبيعي في هذه اللحظة هو دور الوسيط الحذر: دولةٌ تدرك أنَّ اشتعال الإقليم لا يهدد الجغرافيا فقط، بل يهدد الخبز والسوق والاستقرار الداخلي أيضاً. [10][11]
وهذا ما يجعل الموقف المصري أقرب إلى البراغماتية الدفاعية: تقليل الخسائر، دعم التهدئة، ومنع تحوّل الممرات البحرية إلى سلاحٍ دائم ضد الدول التي تعتمد عليها في معيشتها.
العراق: بلدٌ يربح من النفط ويخسر في الكهرباء
العراق من أكثر الدول العربية تعرضاً لمفارقة الحرب. فهو قد يستفيد مالياً من ارتفاع أسعار النفط، لكنه في الوقت نفسه يبقى شديد الاعتماد على إيران في ملف الطاقة، ولا سيما الغاز والكهرباء. وهذا الاعتماد يجعل أي ضغطٍ على إيران ضغطاً غير مباشر على الحياة اليومية في العراق. [13][14]
اعتمادٌ يهدد الاستقلال
المشكلة لا تكمن فقط في الاقتصاد، بل في السيادة أيضاً. فالدولة التي يتوقف جزءٌ مهم من كهربائها على استقرار جارتها لا تملك حرية الحركة الكاملة، خصوصاً في أوقات الحرب. ومع كل انقطاعٍ أو خفضٍ للإمدادات، تتحول الأزمة الخارجية إلى توترٍ داخلي، وتصبح الحرب على إيران أزمة خدمات داخل العراق نفسه. [13][14]
الربح النفطي ليس كافياً
قد تعوض عائدات النفط بعض الخسائر المالية، لكنَّها لا تعوض هشاشة البنية الخدمية ولا غضب الشارع إذا تعطلت الكهرباء أو ارتفعت الكلفة المعيشية. ولهذا فإنَّ الحرب، بالنسبة إلى العراق، ليست فقط ملفاً خارجياً، بل امتحاناً مباشراً لقدرة الدولة على إدارة تناقضاتها البنيوية. [13][14][15]
سوريا: التعافي الهش تحت ظلّ الاقتضام الإسرائيلي
سوريا هي الحلقة الأكثر هشاشةً في هذا المشهد العربي كله. فهي لا تدخل الحرب بوصفها دولةً مستقرةً، بل بوصفها دولةً في طور إعادة التشكل بعد انهيارٍ طويل. وهذا ما يجعل تأثير الحرب عليها مركباً وخطيراً في آنٍ واحد.
دولةٌ تحاول النهوض في لحظةٍ إقليمية خطرة
في اللحظة التي تحتاج فيها سوريا إلى الهدوء السياسي، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة السيطرة الداخلية، تجد نفسها أمام حربٍ إقليميةٍ قد تعيد فتح حدودها ومجالها الحيوي على احتمالاتٍ جديدة من التهديد والتدخل والابتزاز. [16]
ومن هنا فإنَّ الخطر على سوريا ليس فقط في احتمال الانجرار المباشر إلى الحرب، بل في أن تتحول مرحلة ضعفها الحالية إلى فرصةٍ تستثمرها إسرائيل لتوسيع نطاق تغولها الأمني والعسكري وفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض. [17]
إسرائيل واستثمار الفراغ السوري
الواقع أنَّ إسرائيل لا تنظر إلى سوريا المتعافية بوصفها جاراً عادياً، بل بوصفها مساحةً رخوة يمكن استغلال ضعفها فيها. وكلما انشغل الإقليم بحربٍ أكبر، ازداد الهامش المتاح أمام تل أبيب لتكريس أمرٍ واقعٍ جديد، سواء عبر التوغلات، أو الضغط الأمني، أو فرض ترتيباتٍ حدودية غير متكافئة. [17]
وهنا تكمن خطورة اللحظة السورية: أنَّ الدولة التي تحاول تضميد جراحها قد تجد نفسها مجبرةً على الدفاع عن ما تبقى من سيادتها، في وقتٍ لم يكتمل فيه بعد بناء مؤسساتها ولا قدراتها الردعية. [16][17]
التعافي لا يحتمل حرباً إضافية
سوريا اليوم ليست بحاجةٍ إلى خطاب المزايدات، بل إلى حمايةٍ سياسيةٍ عربية حقيقية. لأنَّ أي انزلاقٍ جديد، أو أي استباحةٍ إضافية، لن يعني مجرد خسارة أراضٍ أو نفوذ، بل سيعني أيضاً تأخيراً جديداً في مسار إعادة بناء الدولة، وربما إجهاضاً لفرصةٍ تاريخيةٍ نادرة للانتقال من زمن الانهيار إلى زمن التعافي. [16][17]
“سوريا لا تريد أن تكون ساحة معركة.”
الرئيس أحمد الشرع
وماذا عن إيران نفسها؟
القراءة المتسرعة تفترض أنَّ كثافة القصف تعني اقتراب سقوط النظام الإيراني. لكن التجربة التاريخية في المنطقة تُظهر أنَّ الأنظمة المأزومة لا تسقط دائماً تحت الضغط الخارجي، بل قد يزداد بعضها تصلباً وعدوانيةً حين يشعر بأنَّ المعركة وجودية. [1][9]
من إضعاف النظام إلى إعادة شحنه
قد تنجح الحرب في إنهاك إيران عسكرياً واقتصادياً، لكنها قد تمنح النظام أيضاً سرديةَ بقاءٍ جديدة، وتدفعه إلى تعبئة الداخل على أساس الخطر الوجودي، لا على أساس الأزمة الداخلية. وعندها يصبح مجرد الصمود شكلاً من أشكال الانتصار السياسي. [9]
هذا يعني أنَّ الحرب قد لا تُنتج إيران أضعف بالضرورة، بل قد تُنتج إيران أكثر خشونةً، وأكثر اقتناعاً بأنَّ النجاة لا تكون إلا بتوسيع أدوات الردع والضغط الإقليمي. [9]
“ترامب ونتنياهو حوّلا صراعاً جيوسياسياً إلى صراعٍ دينيٍّ وحضاري.”
فواز جرجس
ما الذي ينبغي على الحكّام العرب فعله؟
إذا كان هذا التحليل صحيحاً، ولو في بعض مستوياته الأساسية، فإنَّ التحدي العربي لم يعد أمنياً فقط، بل وجودياً واستراتيجياً. وما يجب أن يفعله الحكّام العرب لا ينحصر في مراقبة الحرب أو انتظار نتائجها، بل في الاستعداد المنهجي لما بعدها.
أولاً: إعادة تعريف الأمن العربي
لم يعد مقبولاً أن يبقى الأمن العربي مرهوناً بالكامل بمظلات خارجية. فالسنوات الأخيرة أثبتت أنَّ الحليف الدولي يحمي أولوياته أولاً، لا أولويات حلفائه. وهذا يفرض على الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، التفكير في مقاربةٍ أمنيةٍ أكثر استقلالاً وتكاملاً. [8][9]
ثانياً: تحصين الطاقة والغذاء والممرات
الحرب الحالية تُظهر بوضوحٍ أنَّ الأمن لم يعد محصوراً في الجيوش، بل يشمل الغذاء والطاقة والموانئ والمضائق وسلاسل التوريد. ومن لا يؤمّن هذه الملفات يظل مكشوفاً حتى لو امتلك أحدث الأسلحة. [3][4][10][11]
ثالثاً: حماية سوريا من الفراغ
من مصلحة العرب جميعاً ألّا تتحول سوريا إلى الحلقة التي تُستباح كلما اشتعل الإقليم. فدعم تعافي الدولة السورية لم يعد قضيةً أخلاقيةً أو سياسيةً فقط، بل أصبح ضرورةً استراتيجيةً لمنع إسرائيل من تحويل الضعف السوري إلى جغرافيا مفتوحة للاقتضام. [16][17]
رابعاً: مساعدة العراق على فكّ الارتهان الطاقوي
العراق لا يمكن أن يكون مستقراً تماماً ما دام أمنه الكهربائي مرتبطاً بالتقلبات الإيرانية. ولذلك، فإنَّ أحد أهم أدوار النظام العربي في المرحلة المقبلة هو مساعدة بغداد على تنويع مصادر الطاقة وتقليل تبعيتها. [13][14]
خامساً: توسيع هامش حرية الإعلام
أخطر ما يمكن أن تفعله الأنظمة في زمن التحولات الكبرى هو إبقاء شعوبها في حالة تخدير. فالاستنفار الحقيقي لا يقوم على التهويل، بل على المعرفة الصريحة والمتوازنة. ومن دون إعلامٍ أكثر حريةً ووضوحاً، ستبقى المجتمعات العربية آخر من يعلم بما يُرسم لها.
الخاتمة
الشرق الأوسط لا يعيش اليوم حرباً عابرة، بل لحظةَ إعادة فرزٍ كبرى. ما يجري في إيران لا يتوقف عند حدود الصواريخ والمفاعلات والنظام الحاكم، بل يمتد إلى خرائط الطاقة، ومصير الخليج، واستقرار مصر، وهشاشة العراق، وفرص سوريا في استعادة نفسها، بل وإلى شكل الصراع الدولي المقبل مع الصين. [3][5][8][10][13][16]
ولهذا، فإنَّ الخطأ الأكبر هو الاكتفاء بقراءة الحرب بوصفها صراعاً مباشراً بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران. فهذه القراءة، على سطحها، صحيحة؛ لكنها لا تكفي. أما القراءة الأعمق فتقول إنَّ المنطقة دخلت مرحلةً جديدة، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والطاقة مع الردع، والخليج مع تايوان، والحروب المحلية مع خرائط العالم المقبل. [5][7][8][9]
من لا يقرأ هذه الحرب بعين المستقبل، سيبقى أسيرَ ظاهرها، بينما تُكتب نتائجها الفعلية في مكانٍ أبعد كثيراً من ساحة المعركة المباشرة.

قائمة المراجع المرقمة
[1] Council on Foreign Relations, Iran’s War With Israel and the United States
https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/confrontation-between-united-states-and-iran.
[2] Reuters, Iran allows essential goods vessels to its ports via Hormuz strait
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-allows-essential-goods-vessels-to-its-ports-via-hormuz-strait-tasnim-says-2026-04-04/
[3] U.S. Energy Information Administration, Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical oil chokepoint
https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=65504
[4] IEA, Strait of Hormuz factsheet
https://www.iea.org/about/oil-security-and-emergency-response/strait-of-hormuz
[5] CSIS ChinaPower, How Robust Is China’s Energy Security?
https://chinapower.csis.org/china-energy-security/
[6] Reuters / MarketScreener, China’s heavy reliance on Iranian oil imports
https://au.marketscreener.com/quote/commodity/WTI-2355639/news/China-s-heavy-reliance-on-Iranian-oil-imports-50317653/
[7] Reuters, Taiwan says it has assurances over LNG supplies from ‘major’ country
https://www.reuters.com/business/energy/taiwan-says-it-has-assurances-over-lng-supplies-major-country-2026-04-04/
[8] Chatham House, Iran and Gaza conflicts teach Gulf states a hard-power lesson
https://www.chathamhouse.org/publications/the-world-today/2026-03/iran-and-gaza-conflicts-teach-gulf-states-hard-power-lesson
[9] Reuters, A war meant to break Iran could leave Tehran stronger, and Gulf exposed
https://www.reuters.com/world/middle-east/war-meant-break-iran-could-leave-tehran-stronger-gulf-exposed-2026-04-01/
[10] Reuters, Egypt seen keeping interest rates on hold amid Iran worries
https://www.reuters.com/world/middle-east/egypt-seen-keeping-interest-rates-hold-amid-iran-worries-2026-03-30/
[11] Reuters, Egypt’s Suez Canal monthly revenue losses at around $800 million
https://www.reuters.com/world/africa/egypt-suez-canal-monthly-revenue-losses-around-800-million-sisi-says-2025-03-17/
[12] Central Bank of Egypt statement on remittances in 2025
https://sis.gov.eg/en/media-center/news/egyptian-expat-remittances-surge-405-in-2025-cbe/
[13] Reuters, Iraq says gas supplies from Iran have been halted
https://www.reuters.com/business/energy/iraq-says-gas-supplies-iran-have-been-halted-2025-12-23/
[14] Reuters, Iranian gas to Iraq resumes after South Pars attack
https://www.reuters.com/business/energy/iranian-gas-iraq-resumes-after-south-pars-attack-iraqi-state-news-agency-says-2026-03-21/
[15] Reuters, Iran says Iraq exempt from any Strait of Hormuz restrictions
https://www.reuters.com/world/middle-east/iran-says-iraq-exempt-any-strait-hormuz-restrictions-2026-04-04/
[16] Reuters, Syria will stay out of Iran conflict unless it faces aggression
https://www.reuters.com/world/europe/syria-will-stay-out-iran-conflict-unless-it-faces-aggression-president-says-2026-03-31/
[17] Reuters, Syria, Israel resume U.S.-mediated security talks
https://www.reuters.com/world/middle-east/syria-israel-resume-us-mediated-security-talks-2026-01-05/





