مآلات سورية رؤى مستقبلية
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
مآلات سورية رؤى مستقبلية
  • الصفحة الرئيسية
  • تداعيات الاحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة وطن
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • معارك تاريخية
    • سرديات
    • متفرقات
  • الأرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
مآلات سورية رؤى مستقبلية
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
الرئيسية رأي

الثورة السورية أعادت رسم الخارطة اللغوية

تحوّل اللهجات في سوريا بعد الأسد: من التهميش والسخرية إلى الاعتراف والحضور العام

الدكتور موسى الحالول الدكتور موسى الحالول
2026-04-22
في ... رأي
0 0
A A
0
الثورة السورية أعادت رسم الخارطة اللغوية

الثورة السورية أعادت رسم الخارطة اللغوية

0
شارك
232
المشاهدات

تمهيد

يوم تحررت الرقة من حكم قسد الاستبدادي في 18 كانون الثاني 2026، تلقيتُ التهاني من عدد من الأصدقاء السوريين. وقد حرص ثلاثة منهم على مخاطبتي بمفردات فراتية مع أنهم ليسوا من الناطقين بها أصلاً. قلت في نفسي، “سبحان الله! تحررنا، فصارت لهجتنا جديرةً بالاحترام والمحاكاة!” زِد على ذلك أن مذيعة من الإخبارية السورية طلبت من نور الدين البابا، الناطق باسم الداخلية السورية، التعليق على ما جرى بعد تحرير الرقة ومستقبلها، فنقل قول واحد من أهل الرقة: “باچِر أحلى!” ورددت المذيعة معه هذا القول بكل استحسان (وكلمة “باچِر” تعني “بُكرة،” لكنها تُلفَظ بكاف مُكَشْكَشة). إذن، هذه مباركة واعتراف رسمي حكومي بلهجة محلية لم تكن مهمشةً فيما مضى فحسب، بل كانت تُستَدعى، ولا سيما في الدراما، للسخرية منها ومن الناطقين بها.

وكان وزير الصحة السوري، د. مصعب العلي، قد أدلى بتصريح لوسائل الإعلام قبل بضعة أشهر، وهو يزور إحدى المنشآت الصحية، قائلاً، “رح أحچِي بلهجتي الديرية…” وهذا تصريح مخالف للمألوف عن الوزراء من أهل الفرات. إذ لم يكن أحد من الوزراء من أهل الفرات أو حوران يُكَشْكِش كافاً، بل كانوا يحرصون على ألا “يفلت” منهم أحد هذه الأحرف “السائبة”  في غفلة من رقيب الأنا الأعلى. كان تصريح الوزير الديري لافتاً لأنه صدر عن وزير ما زال على رأس عمله الحكومي، لكن تصريحه لم يكن بلا سابقة إعلامية في الحقيقة.

فعلى صعيد الإعلام الموالي للثورة السورية، شاهدنا مذيعتين في برنامج “صباح سوريا” على قناة تلفزيون سوريا (ومقرها إسطنبول)، هما نور الجابر من الرقة وراما العَبُّوش من دير الزور، تتحدث كل منهما بلهجة أهل محافظتها، ولا سيما إذا كانت تستضيف أحداً من هاتين المحافظتين. وكان هذا بعلم إدارة القناة وموافقتها. وقد فعلت راما العَبُّوش الشيء نفسه من قَبْل حين كانت تعمل في شبكة دير الزور 24.

ولعل أول عمل فني سوري يذاع بعد سقوط بشار الأسد ببضعة أشهر كان مسلسل “ما اختلفنا 2” الذي أذاعه التلفزيون العربي 2 في موسم رمضان 2025. ومع أن المسلسل كوميدي، ظهر شخص – قاسم ملحو – يتحدث باللهجة الفراتية، المعروفة بالشاوية بالتسمية القدحية في عموم سوريا، لكن حديثه، على غير العادة، لم يكن مناسبةً للتندر ولا للسخرية من المتحدث المستبشر بانتصار الثورة. بل كانت السخرية من عديله – محمد حداقي – المصاب “باضطراب ما بعد سقوط نظام بشار!” ومع أن قاسم ملحو تكلَّفَ كثيراً في محاكاة اللهجة الفراتية، لم نرَ أحداً من المحيطين به يسخر من لهجته. وهذه، لَعَمْري، سابقة في تاريخ الدراما السورية!

الثنائية اللغوية في عهد الأسدين

كانت لغة الإعلام والدراما في سوريا قبل انطلاق الثورة لغة شامية بيضاء، مع استثناءات قليلة تُضاف إليها المسلسلات البدوية. واللافت في هذه الاستثناءات أنها انحصرت عموماً في الأعمال الكوميدية. فمثلاً، لم نسمع لهجة ريف اللاذقية الشمالي إلا في مسلسل «ضيعة ضايعة»، ولم نسمع لهجة الدروز إلا في المسلسل الكوميدي الآخر «الخِربة» (وكلا المسلسلين من تأليف ممدوح حمادة). أما اللهجة الفراتية في الأعمال الدرامية السورية، فكانت دوماً تُسْتَحضر – بمبالغة شديدة مضحكة وأداء تمثيلي سخيف – للسخرية من أبناء الفرات (يمكن القول إن اللهجة الفراتية كانت اللهجة الوحيدة التي تُستَباح بكل فجاجةٍ في الأعمال الكوميدية السورية من غير اعتراض من الجهات الرقابية الرسمية أو تأنيب من ضمير مهني).

وهكذا هيمنت اللهجة الشامية البيضاء في القطاع المدني، أما في القطاع العسكري (وملحقاته الأمنية)، فكانت الهيمنة للهجة العلوية. ففي مِخْيال عموم السوريين، كانت اللهجة العلوية، بكل بساطة، هي اللغة الناطقة باسم السلطة، وكان الحديث بها يبث الرعب أحياناً في نفوس الناس في سياقات محددة كما في الخدمة العسكرية أو عند الاعتقال أو التحقيق (ما أسهم في خلق شخصية المحقق العلوي بو حيدر جَوِّية المعروف ببطشه في أثناء الثورة السورية). بل حاول بعض المتسلقين أن يتكلموا باللهجة العلوية، ظناً منهم أنها تُكسِبهم حظوةً لدى السلطة، ومَهابةً في قلوب العوام. وما يلفت نظر المراقب العارف بالشأن السوري هو كيف انقلبت المعادلة اللغوية خلال أشهر من تحرير سوريا من نظام الأسد الذي حكم البلاد طوال أكثر من نصف قرن (هناك من يزعم أن لهجة ريف إدلب تكاد تكون لغة السلطة الحاكمة اليوم). لكن هذا الانقلاب في الحقيقة لم يحدث بين عشية وضحاها، بل سبقته خطوات تمهيدية شكلت إرهاصاتٍ حقيقيةً لهذا الانقلاب اللغوي، وقد امتدت هذه الإرهاصات طوال مدة الثورة. وسنضرب بعض الأمثلة على ذلك في الفقرات التالية.

فبعد انطلاق الثورة السورية في عام 2011، بدأ المشهد اللغوي في سوريا يتغير تغيراً لافتاً راح ينزع عنه بُعدَه اللغوي الواحد، بل يُخلخله رويداً رويداً. فبعد أن بِتنا نسمع بقرى وبلدات لم نكن نعلم من قبل أنها جزء من الجغرافيا السورية، بتنا نسمع لهجاتٍ ريفيةً من نشطاء الثورة الذين يتكلمون على سجيتهم، بعيداً عن رقابة الإعلام الرسمي الذي كان فيما مضى “يُفَلتِر” ما يُذاع عبره. وهنا يمكن القول إن شخصية البطل الشعبي المُصنَّع سينمائياً، مثل القَبَضاي الدمشقي العتيد أبي گاسم أو أبي عنتر أو غوَّار الطوشة، تراجعت لصالح شخصية البطل الشعبي الحقيقي الذي صنعته مقارعة قوات الأسد في الميدان. هنا برز، على سبيل المثال، البطل الشعبي عبد الباسط الساروت، المولود في حمص من أصول بدوية جولانية، الذي أصبح أيقونة الثورة السورية. وهذا أعطى اللهجة البدوية مكانةً واحتراماً لم تكن تحظى بهما من قبل، فيما عدا المسلسلات البدوية، وإن كان بلهجة مصطنعة مُتَكلَّفة. علماً أن الشاعر الحمصي، عمر الفَرَّا، اتخذ من اللهجة البدوية – وهي ليست لهجته الأصلية – وسيلة للتكسب المادي والمعنوي منذ عقود.

المجد للقاف المشقوقة؟

يمكن القول إنه منذ صعود نجم الساروت الذي كان يتحدث بالقاف المشقوقة (التي تُنطَق كالجيم القاهرية، وتُكتب بالفارسية هكذا: گ)، وذيوع أغنية الفنان الشعبي أحمد القسيم، “ارفع راسك فوگ، إنتَ سوري حر” بين جمهور الثورة، صار الحديث بالقاف المشقوقة من أبرز مكتسبات الثورة على الصعيد اللغوي، بل من المحفزات اللفظية وأداة لتعبئة الجماهير الثائرة (بالمقابل، لم يستسغ أحد غناء أصالة نصري للأغنية ذاتها بعد أن حوَّرت عبارة “ارفع راسك فوگ” إلى “ارفع راسك فوء”). ولعل أبرز أغاني التحشيد ضد بيت الأسد كانت الأغنية التي تتوعدهم بالدوس، وتهددهم بسيف الرائد المنشق ماهر النعيمي: “بِنْدوسهم، بِنْدوسهم… بيت الأسد بِنْدوسهم/ يا ماهر يا نعيمي… وبسيفك تِگطع روسهم!”

ثم طارت هذه القاف المشقوقة إلى نيويورك. ففي لقاء الرئيس أحمد الشرع مع الجالية السورية في نيويورك في أواخر شهر أيلول 2025، قال صفوح البرازي، ابن مدينة حماة المُبْعَد عنها منذ عام 1973 لمعارضته حكم حافظ الأسد، مخاطِباً الرئيسَ أحمد الشرع بلهجة حموية ممزوجة بألفاظ بدوية: “حَيَّك، يا طير شَلْوى… والله، مِتلك ما جابت النِّسا ولا گـمَّطت داية!” أن تنعت رجلاً بأنه “طير شَلْوى” يعني أنك تتوسم فيه الشجاعة والشهامة ونجدة الملهوف، على عادة البدو. كما يعني أيضاً، على الأقل نظرياً، أن كلاً من المتكلم والمخاطَب يشتركان في فهم الشيفرة اللغوية التي أُرسِلت للتو. كما أن هذه الشيفرة البدوية البحتة تمهد لتعبير بدوي بحت آخر: “ولا گـمَّطت داية.” وهنا لنا أن نتساءل: لماذا “گـمَّطت” وليس “قَمَّطت،” مع أن التعبير الأول ليس من الألفاظ المحكية أو المألوفة في مدينة حماة؟ سألتُ أكثر من شخص من مدينة حماة عن سر هذا المزج والإقحام، فلم أجد جواباً مقنعاً إلا لدى د. سعد الدين كليب، أستاذ النقد وعلم الجمال في جامعة حلب. قال د. كليب ما معناه إن إقحام هذا اللفظ البدوي هو تعبيرٌ عن الرجولة (التي رآها البرازي في شخص القائد المحرر أحمد الشرع) واستحضارٌ لروح النخوة البدوية. ولعل البرازي أيضاً تقمص شخصية “الزگرت” الحموية التقليدية التي غالباً ما تتمثل بعض الألفاظ البدوية، دلالةً على الأصالة والرجولة، وذلك بسبب الاحتكاك المباشر بين حماة والبادية السورية. أما د. موسى عباس فيرى أن البرازي استعمل العبارة البدوية لمعرفته بأن أحمد الشرع ذو منبت بدوي، فخاطبه بما يحرك فيه حنينه ويدغدغ لديه تلك المشاعر.

ويستمر اليوم تكريس – أو تطويب – القاف المشقوقة على لسان زيدون الزعبي الذي يقدم برنامج “وسط البلد” على قناة تلفزيون سوريا، إذ يتكلم بلهجة حورانية لا لبس فيها – بلا مواربة ولا اعتذار من أحد.

استحضار روح البداوة

حين انطلقت المظاهرات في درعا في عام 2011، أول ما لفت انتباهي على الصعيد اللغوي هو أن الحماصنة المؤيدين لإخوانهم الحَوارنة عبروا عن نخوتهم بشعار “يا درعا، حِنَّا معاكِ للموت!” استوقفتني كلمة “حِنَّا” البدوية في هذه الهَبَّة الحمصية الجميلة. لماذا “حِنَّا” وأهل حمص، ولا سيما المدينة، ليسوا من الناطقين بالبدوية؟ أظن أن هذا التعبير استدعاءٌ عفويٌّ للشخصية العربية البدوية الأصيلة المحارِبة وما يرتبط بها من قيم النخوة العربية والشهامة والنجدة. لكن د. موسى عباس يرى أن استخدام هذه اللفظة كان مجاراةً لثوار حمص الأوائل البدو من بني خالد والفَواعرة، ثم شاع الأمر في كل أرياف سوريا ومدنها.

تراجع أسهم اللهجة العلوية

كما قلتُ آنفاً، كانت اللهجة العلوية، في نظر العَوام في سوريا، هي لغة السلطة والهيمنة العسكرية والأمنية إبَّان حكم الأسد. ومن الطبيعي أن تتراجع مكانتها بعد سقوط هذا النظام. وقد رأينا كيف نزح سكان حمص العلويون إلى حاضنتهم في الساحل حين اقتربت قوات ردع العدوان من المدينة. كان هذا النزوح مدفوعاً بخشية العلويين من حدوث عمليات انتقام وثأر ضدهم. وسواءٌ أكانت هذه الخشية لها ما يسوغها أم لا، ما يهمني في هذا المقام هو أنها كانت مؤشراً على وعي العلويين بانقلاب موازين القوى السياسية والعسكرية والأمنية في سوريا الجديدة.

ومن الطبيعي والمنطقي أن يوازي انقلابَ موازين القوى السياسية والعسكرية والأمنية انقلابٌ في ميزان اللغة التي ظلت، لعقود، لغة السلطة التي أرهب بها نظامُ الأسد معارضيه. ومن المؤشرات على هذا الوعي الجديد أن شاباً علوياً ظريفاً سجَّل، بعد سقوط نظام الأسد ببضعة أشهر، مقطع فيديو فكاهياً يتكلم فيه عن “عجزه” عن التخلي عن لهجته العلوية، وأنه لا يستطيع أن يتأقلم مع المشهد اللغوي الجديد. إذ لا يستطيع أن يقول “موتور،” على سبيل المثال، إنما “موتير،” ذلك لأن تغيير لهجته “هاشمياً آبيمشي الحال” كما أن “شواربه” لا تسمح له بذلك. هنا نجد شاباً ظريفاً يتمسك بلهجته الأثيرة على قلبه، ويقدم مسوِّغاتٍ فكاهيةً لعجزه عن تغيير لهجته. لكن الأعجب من ذلك أن يخرج المعارض العلوي المعروف أكثم بركات على الإخبارية السورية (برنامج “على الطاولة،” 1/1/2026)، ويدعو العلويين علناً “للتخفيف” من لهجتهم العلوية بدعوى أنها “مزعجة،” وأن يعودوا إلى لهجة ما قبل عام 1970، أي، إلى ما قبل استيلاء حافظ الأسد على السلطة، وتحول اللهجة العلوية شيئاً فشيئاً إلى لغة السلطة الحاكمة.

هنا، لدينا نموذجان متناقضان – نموذجان يمثلهما شخصان علويان يقفان على طرفي نقيض من اللهجة العلوية. لكن موقفهما ينطلق من إدراك كليهما بأن اللهجة العلوية أصبحت “منبوذةً” لا تستسيغها الأسماع بعد زوال السلطة السياسية التي كانت حاملاً لها (وقد سمعتُ من بعض الناس أن بعض العلويين بدؤوا يُخفون لهجتهم العلوية خشيةً من الانتقام أو المضايقة). فإذا أخذنا بظاهر دعوة أكثم بركات، قلنا إنها دعوة إقصائية متطرفة، وإن أحسنَّا الظن بمقصده قلنا لعله أراد أن تعود اللهجة العلوية لهجةً طبيعيةً – أي، منفصلةً عن طبيعة السلطة التسلطية السابقة – مثل باقي اللهجات السورية.

وكان قد خرج موقفٌ رافضٌ آخر للهجة العلوية إلى العلن بتاريخ 14 أيلول 2025، حين اعتدت فتاة دمشقية لفظياً على شرطي مرور في ساحة السبع بحرات بدمشق بعد أن حاول مخالفتها عقب ركنها سيارتها في مكان مخالف. وبعد المُلاسنة والمشاحنة، سجلت الفتاة مقطعاً مصوراً وهي تسوق سيارتها، وتتلفظ بكلمات نابية بحق طائفته العلوية، إذ كان أكثر شيء استفزها، فيما بدا من كلامها، هو “مُقاقاته” بحرف القاف! وقبل تلك الحادثة وبعدها، تكررت حوادث اعتداء لفظي وجسدي في مدن أخرى على شرطة المرور، لكن لم يكن لتلك الحوادث طابع طائفي. زِد على ذلك أن تلك الفتاة المتنمرة ما كانت لتجرؤ على البوح بروحها الطائفية بكل هذه الوقاحة والصفاقة قبل 280 يوماً فقط، يوم كان الأسد وزبانيته على سروج خيلهم. أما وقد سقط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، وتراجعت فجأةً المكانةُ الاجتماعيةُ لحاضنته العلوية (من أمن وجيش وشرطة ومخابرات)، فقد توهمت الفتاة الطائفية أن كرامة العلويين البسطاء الأبرياء صارت مستباحة وأن شتمهم – وترذيل لهجتهم – من مكتسبات التحرير الطبيعية. لا بد أنها تحررت من هذا الوهم حين اعتُقِلت وواجهتها سلطة القانون.

محاولات إنعاش معاكسة

تلقفت المعلقة الكوميدية السورية ورد نجار حادثة الفتاة الدمشقية المتنمرة، فطرحتها بروح فكاهية ساخرة في الحلقة الرابعة (“ألف باء قاف”) من برنامجها الأسبوعي “أخذ وردِّ” الذي تقدمه على قناة تلفزيون سوريا. وقد صادفت إذاعةُ البرنامج في يوم السلام العالمي (21 أيلول). تقول ورد نجار ساخرةً: “امرأة مسلحة بموبايل تواجه شرطي مرور وتطالب بإلغاء حرف القاف من اللغة العربية لأن كانون السير غير كابل للتطبيك”. ثم في منتصف الحلقة، تتقمص ورد نجار دور طبيبة تقول لمتصلة إن العيادة لا تجري فقط “عمليات شد ورفع ونفخ وتجميل” إنما أيضاً “زراعة شعر وقص لسان وتظبيط الدوزان، يعني وزن زائد، ترهل، عنصرية، طائفية،” وكل هذه العمليات تُجرى في عملية واحدة. ثم يتصل بها متصل آخر ليخبرها أن لديه مريضةً بحرف القاف، فتقول له إن هذه الحالة تحتاج إلى حل إسعافي عاجل! تعود ورد إلى شخصيتها الإعلامية لتشخص حالة الفتاة التي تطاولت على الشرطي بقولها: “عندها trauma [رضَّة نفسية] من حرف القاف حملتها معها من الماضي وما عم تقدر تخلص منها.” هنا دعوةٌ صريحةٌ لوضع الماضي وما فيه من آلام – لغوية وغيرها – وراء ظهرنا.

وقبل الختام، لا بد من التوقف عند برنامج “ع كاسة مَتِّة” الأسبوعي الساخر الذي كان يقدمه فهد الحسن باللهجة العلوية على قناة أورينت قبل أن يتوقف البرنامج والقناة معاً. صحيح أن البرنامج كان يسخر من محتوى الإعلام الأسدي الهابط، لكني لا أعتقد أنه كان يسخر من اللهجة العلوية بحد ذاتها (لعل فهد الحسن نفسه علوي). فأغلب ظني أن هدف البرنامج كان تقديم برهان واضح على أن اللهجة العلوية – التي طالما جيَّرها نظام الأسد لمآربه الاستبدادية – يمكنها أن تكون أيضاً لغةَ معارضةٍ للأسد، كبقية اللهجات السورية. ولا أظن أن هذا الهدف يبتعد عن هدف صاحب برنامج “الكوع شو” على اليوتيوب، إذ أعاد إنتاج شخصية بو حيدر جَوِّية – المحقق الأمني المرعب في المِخيال السوري إبَّان حكم الأسد – الذي يتكلم باللهجة العلوية، وهو يستهدف المكوِّعين والمكوِّعات، ويرد على المناوئين لنظام الحكم الجديد. هنا يظهر بو حيدر جَوِّية بهيئة العلوي الموالي للدولة، لا العلوي الموالي لنظام الأسد.

 خاتمة

خلاصة القول، لم يكن الاستبداد الأسدي سياسياً أو عسكرياً أو أمنياً فحسب، بل كان لغوياً وثقافياً أيضاً. ومن الطبيعي أن تتخلخل منظومة الاستبداد اللغوي الثقافي حين اندلعت الثورة التي كان معظم أبنائها من الأرياف والناطقين بلهجات مهمشة منبوذة. وحين سقطت منظومة الاستبداد الأسدي أخيراً، كان من الطبيعي أن نشهد تعدديةً لهجيةً تعكس الواقع السياسي والاجتماعي الجديد، وتحرراً من هيمنة اللهجة الواحدة أو اللغة الواحدة. ولعل اعتراف الدولة السورية الجديدة بحقوق الكرد اللغوية والثقافية – التي تكرست رسمياً في المرسوم الرئاسي رقم 13 – كان قمة الانفتاح على حقوق المكونات العرقية والاعتراف بها. ومن ذلك أن الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) باتت تبث نشرات الأخبار باللغة الكردية إلى جانب العربية وعدد من لغات العالم الكبرى. وكانت اللغة الكردية حاضرةً أيضاً في نشرات الأخبار، وفي معرض دمشق الدولي الأخير. وفي يومي 18-19 نيسان 2026، رعى اتحاد الكتاب العرب “ملتقى أيام كردية.” كما رأينا أن وزارة الثقافة السورية، ولأول مرة في تاريخها، هنأت السريان برأس السنة البابلية الآشورية (1 نيسان) بالتهنئة التقليدية في هذه المناسبة “أكيتو بريخو.”

ومن يدري، لعل هناك جهداً واعياً من نظام الحكم الجديد بالترويج للهجات البدوية والفراتية والحورانية، وذلك بغيةَ مد أواصر القربى مع دول الجوار، ولا سيما الأردن ودول الخليج العربي – كأن الدولة السورية الجديد تعلن لمن يعنيهم الأمر: أنا عائدة، بثقافتي ولساني وثرائي الإثني واللغوي، إلى الحضن العربي.

 

          
Tags: الإعلام السوري الجديدالتحول الثقافي في سورياالتعددية اللغويةالثورة السوريةالخارطة اللغوية في سوريااللغة والسلطة في سوريااللهجات السوريةاللهجة العلويةاللهجة الفراتيةالهوية اللغوية السوريةسوريا ما بعد الأسد
المقالة السابقة

وقف إطلاق النار في إيران إعادة تموضع استراتيجي على حافة تصعيد إقليمي شامل

الدكتور موسى الحالول

الدكتور موسى الحالول

أكاديمي ومترجم سوري، نال درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ولاية بنسلفانيا عام 1995. عمل في تدريس الأدب الإنكليزي والترجمة في جامعات متعددة في سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، وصدر له أكثر من 65 كتاباَ في التأليف والترجمة. يقيم حالياَ في إسطنبول ويواصل نشاطه العلمي والثقافي من هناك.

متعلق بـ المقاله

هرمز و"سوريا الجديدة": استراتيجيات الصراع والحياد بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد
رأي

هرمز و”سوريا الجديدة”: استراتيجيات الصراع والحياد بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد

مايا سمعان
2026-04-19
واشنطن تعيد رسم الخريطة: كيف تُقصي إيران نفسها وتكشف أوروبا عجزها الاستراتيجي
رأي

واشنطن تعيد رسم الخريطة: كيف تُقصي إيران نفسها وتكشف أوروبا عجزها الاستراتيجي

كرم خليل
2026-04-16
عندما تنتهي الحرب: من يدفع فاتورة الشرق الأوسط الجديدة؟
رأي

عندما تنتهي الحرب: من يدفع فاتورة الشرق الأوسط الجديدة؟

ياسر أشقر
2026-04-10
صراع العقليات الثلاث في الشرق الأوسط: كيف أعادت حرب الـ36 يومًا تشكيل موازين القوة؟
رأي

كيف أعادت حرب الـ36 يوماً كشف البنية الذهنية الجديدة للصراع بين طهران وتل أبيب وواشنطن؟

د. جورج توما
2026-04-08
من طهران إلى تايوان: كيف تُعيد حربُ إيران رسمَ خرائط القوة والطاقة في الشرق الأوسط؟
رأي

من طهران إلى تايوان: كيف تُعيد حربُ إيران رسمَ خرائط القوة والطاقة في الشرق الأوسط؟

العقيد عامر عبد الله
2026-04-05
الصندوق الأسود لبشار الأسد: بشار الأسد أمام خرائط سوريا في مشهد يعكس تفكك الدولةالسوريةالبقاء عبر هندسة الخيانة وتفكيك الأوطان
رأي

الصندوق الأسود لبشار الأسد: استراتيجيات البقاء عبر الخيانة وتفكيك الأوطان

مآلات
2026-03-26
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

أحدث المقالات

  • الثورة السورية أعادت رسم الخارطة اللغوية
  • وقف إطلاق النار في إيران إعادة تموضع استراتيجي على حافة تصعيد إقليمي شامل
  • هرمز و”سوريا الجديدة”: استراتيجيات الصراع والحياد بعد تعثر مفاوضات إسلام آباد
  • واشنطن تعيد رسم الخريطة: كيف تُقصي إيران نفسها وتكشف أوروبا عجزها الاستراتيجي
  • الحصار البحري الأمريكي في مضيق هرمز وتداعياته على استقرار الاقتصاد الإيراني

أحدث التعليقات

  1. مآلات على تراجيديا سقوط القذافي وأسرار الحقيبة السوداء
  2. porntude على تراجيديا سقوط القذافي وأسرار الحقيبة السوداء
  3. مآلات على ما بعد فنزويلا: الجسر الجوي الأمريكي وسيناريوهات الحرب الفاصلة في الشرق الأوسط”
  4. Maya على ما بعد فنزويلا: الجسر الجوي الأمريكي وسيناريوهات الحرب الفاصلة في الشرق الأوسط”
  5. مآلات على «إدارة التوحّش»: كيف تتحول الفوضى إلى سلطة قسرية؟ قراءة نقدية في منطق التنظيمات المتطرفة

ارشيف مآلات

  • من نحن
  • اتصل بنا
  • سياسة الخصوصية
  • معايير النشر

“مآلات” منبر معرفي تفاعلي يُعنى بمستقبل سورية

مآلات © - جميع الحقوق محفوظة بموجب قانون "DM©A" لعام 2023

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • تداعيات الأحداث
  • رأي
  • حوارات
  • ملفات
  • ذاكرة
    • بناة التاريخ
    • حضارة ومدن
    • سرديات
    • متفرقات
    • معارك تاريخية

© 2023 جميع الحقوق محفوظة

مرحبًا بعودتك!

تسجيل الدخول

نسيت كلمة السر؟ اشتراك

انشاء حساب جديد

املأ النموذج للتسجيل

جميع الحقول مطلوبة تسجيل الدخول

استرداد كلمة المرور

أدخل التفاصيل لإعادة تعيين كلمة المرور

تسجيل الدخول

إضافة قائمة تشغيل جديدة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. قم بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا.