حين أستخدم في هذا المقال تعبيرات مثل “الحرب الأمريكية–الإسرائيلية” أو “مشروع إسرائيل” و "إيرن"، لا أنطلق من اصطفاف عاطفي مع أي طرف، ولا أسعى إلى تبرئة أحد من السجل الثقيل لانتهاكات السيادة والحقوق في المنطقة، ولا سيما ما أصاب سورية من احتلالات واعتداءات وتدخلات متراكمة. المقصود هنا هو تفكيك السرديات المتداولة، وقراءة آثار الحروب الكبرى على المجال العربي، من دون تبنٍّ تلقائي للدعاية المقابلة أو طمسٍ لآثارها على الوجدان السوري المعاصر.![]()
الحرب حين تخرج من صورتها العسكرية
ليست هذه الحرب مجرد مواجهة بين جيوش ومحاور، بل زلزالاً إقليمياً يعيد توزيع الخوف والكلفة والردع في كامل المنطقة. وبين هدنة هشة في الخليج، واستنزاف مفتوح بين الخصوم، وكارثة إنسانية تتضخم في لبنان وسواه، يصبح السؤال الحقيقي ليس من بدأ النار، بل من سيبقى قادراً على الحياة بعد أن تتوقف الشاشات عن البث ويبدأ عدّ الفواتير.
في الحروب الكبرى، يظن كثيرون أن المشهد يُختصر في الصاروخ الذي ينطلق، أو المدينة التي تُقصف، أو التصريح الذي يتصدر الشاشات. لكن هذه ليست سوى الطبقة الخارجية من الحدث. أما الحقيقة الأعمق، فتبدأ حين تتسع الحرب خارج صورتها العسكرية وتتحول إلى مناخ شامل يهبط على حياة الناس كما يهبط الغبار على المدن المنهكة: يعلو فوق الخبز، والوقود، والدواء، والمرافئ، والحدود، وحسابات الدول الصغيرة التي لا تصنع الحرب لكنها تُستخدم دائماً كأرض اختبار لنتائجها.
منطق الاستنزاف لا منطق العبور السريع
المصادر التي بُنيت عليها هذه القراءة تكشف هذه الحقيقة بجلاء: لسنا بإزاء معركة عابرة، بل أمام منطق استنزاف ممتد، يراهن فيه كل طرف على أن خصمه سيفقد القدرة على الاحتمال قبل أن يملك القدرة على الحسم.
السؤال الذي يبدأ بعد الضربة
الحروب التي تُدار بهذا المنطق لا تترك وراءها منتصرين بالمعنى الدقيق، بل تترك درجات متفاوتة من الخراب، وأوهاماً تتكسر تباعاً، وأسواقاً مذعورة، ومجتمعات تدفع ثمن المعارك التي لم تُستشر فيها. وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل قارئ عربي: حين تنتهي هذه الحرب، أو تتوقف مؤقتاً، من الذي سيدفع فاتورتها حقاً؟
الهدنة: توازن جديد بلا حرب: رابحون مرحليون وصراع مؤجل
الخليج بوصفه ميزان الأعصاب العالمي
ليس الخليج مجرد خزان نفط أو معبر ملاحي أو واجهة ثراء حديث؛ إنه، في لحظات الحرب، ميزان الأعصاب العالمي. وما إن يدخل هذا الحيز في مدار التهديد حتى تتغير لغة العالم كلها:
- ترتجف الأسواق،
- وترتفع كلفة التأمين،
- وتتوتّر حركة الشحن،
- وتبدأ الدول الكبرى في عدّ مصالحها قبل أن تعدّ مبادئها.
حين تصل الحرب إلى جيب العالم
في هذه اللحظة، لا يعود السؤال متصلاً فقط بمن يضرب من، بل بمن يستطيع أن يجعل العالم كله يشعر أن الحرب اقتربت من جيبه. فالممر البحري هنا ليس ممراً محلياً، بل شرياناً يربط الجغرافيا بالاقتصاد العالمي.
هدنة لا تعني السلام
لا تبدو “هدنة الخليج” سلاماً بالمعنى السياسي، بل نوعاً من التوازن المؤقت بين مخاوف متبادلة. إيران تريد أن تقول إنها ليست محاصرة إلى الحد الذي يفقدها القدرة على تهديد الممرات. ودول الخليج تريد أن تحمي منجزها التنموي من أن يتحول إلى رهينة في نزاع لا مصلحة لها في توسيعه. أما الولايات المتحدة، فهي لا تبحث في هذه المنطقة عن بطولة مجانية، بل عن منع الحريق من أن يصل إلى خط الإمداد العالمي.
رابحون مؤقتون وصراع مؤجل
إنه توازن بلا مصالحة، وهدوء بلا طمأنينة، وتجميد مؤقت للانفجار لا أكثر. الرابحون فيه مرحليون، لأنهم لم ينتصروا بقدر ما نجحوا في تأجيل الأسوأ. أما الصراع نفسه، فلم يتراجع؛ لقد غير شكله فقط. وفي الشرق الأوسط، ما يُؤجل لا يموت، بل كثيراً ما يعود في صورة أكثر حدة وأعلى كلفة.
هذه الحرب خدمة لإسرائيل ولمشروع إسرائيل
السرديات الجدليّة
تُورد هذه العبارة هنا كما هي تقريباً، لأنها تمثل سردية جدلية واسعة الانتشار في المجال العربي، ولأن تجاهلها يعني تجاهل مفردة مركزية من مفردات التفسير الشعبي للصراع.
لماذا تحضر هذه العبارة في الوعي العربي؟
ثمة من يرى أن توسيع دوائر الحرب، واستدامة بيئة الفوضى، وإدخال الإقليم في سباق إنهاك طويل، يخدم في نهاية المطاف مصلحة إسرائيل بوصفها الطرف الأقدر على الاستفادة من تفكك خصومها، وتآكل مجتمعاتهم، وانشغالهم بحروب الوكالة والردود المتبادلة.
غير أن إيراد هذه العبارة لا يعني تبنيها بوصفها حقيقة موثقة أو حكماً نهائياً، بل وضعها في إطارها الصحيح: سردية سياسية متداولة، ذات حضور قوي في الوعي العربي، تمتزج فيها القراءة الاستراتيجية بالغضب التاريخي، والواقعة الميدانية بالمخيال الأيديولوجي.
من منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف
ثمة حروب تُخاض كي تُحسم. وثمة حروب أخرى تُخاض لأن أحداً لا يستطيع حسمها، فيلجأ الجميع إلى استنزاف الجميع. وهذه، على الأرجح، من الصنف الثاني.
فالطرف الغربي، كما توحي المصادر، يريد إنجازاً واضحاً ومقنعاً، قابلاً للترجمة السياسية والإعلامية. أما إيران، فتبدو كأنها تراهن على شيء آخر: على اتساع الجغرافيا، وعلى عمق المخزون، وعلى فكرة قديمة تتجدد دائماً في تاريخ الحروب، مفادها أن القدرة على الصمود قد تتحول، بمرور الوقت، إلى شكل من أشكال القوة.
من يطلق أكثر أم من يحتمل أكثر؟
ليست المسألة هنا من يطلق أكثر، بل من يحتمل أكثر. ليست من يضرب أولاً، بل من ينجح في جعل خصمه ينفق أعصابه وموارده ومخزونه كي يمنع الضرر أو يؤجله.
فالاستنزاف ليس مجرد سيناريو عسكري؛ إنه فلسفة حرب كاملة. هو أن تجعل كلفة الدفاع أعلى من كلفة الهجوم، وكلفة الاستمرار أثقل من كلفة التراجع، وكلفة الجبهة الداخلية أشد إيلاماً من صورة الانتصار على الشاشات.
اختبار جديد لمعنى القوة
حين تدخل الحرب هذا الطور، تتبدل معايير القوة نفسها. لا يعود السلاح وحده هو السيد، بل تتقدم إلى الواجهة عناصر أخرى: الاقتصاد، والتحمل الاجتماعي، وسلاسل التوريد، ومرونة القيادة، ودرجة استعداد المجتمع لأن يعيش تحت التهديد لأشهر أو لسنوات.
مكاسب اقتصادية عالمية واستقرار في الطاقة
مفارقة تبدو صادمة
قد يبدو هذا العنوان نافراً وسط مشهد النار، لكنه يكشف مفارقة قاسية: العالم قد يستفيد اقتصادياً من مجرد عدم اتساع الحرب، حتى لو لم تُحل أسبابها.
فالأسواق لا تطلب كثيراً كي تتنفس؛ يكفيها أحياناً أن يُؤجل الانهيار الكبير، أو أن يبتعد شبح إغلاق الممرات، أو أن تهدأ المضاربات حول النفط والشحن والتأمين. عندها فقط، تُسجل “مكاسب” لا لأنها ثمرة سلام عادل، بل لأنها نتيجة منع الأسوأ.
من هذه الزاوية، يصبح استقرار الطاقة مكسباً عالمياً، حتى لو كان استقراراً هشاً ومعلقاً على خيط رفيع. فكل تراجع في احتمالات الانفجار الواسع يعني انخفاضاً نسبياً في الذعر، ويمنح الأسواق جرعة من اليقين المؤقت، ويخفف الضغط على الاقتصادات التي تدفع ثمن اضطراب المنطقة ولو كانت بعيدة عنها آلاف الأميال.
إيران بين صلابة الدولة وأخطاء الإقليم
من أكثر الأفكار إثارة للانتباه في المصادر التي استندت إليها هذه القراءة أنها لا تنظر إلى إيران بوصفها مجرد نظام تحت الضغط، بل بوصفها دولة ذات عمق بشري وجغرافي وتقني، قادرة على امتصاص الضربات أكثر من كثير من خصومها.
هذا التفريق مهم، لأنه يفسر لماذا لا تُقاس هذه الحرب بمقاييس الانهيار السريع أو الضربة القاضية. فالدول الكبيرة لا تسقط بالسهولة التي يتخيلها خصومها، وخصوصاً إذا كانت قد أمضت عقوداً في بناء أدوات الصبر والتحمل والتكيف مع الحصار.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني القفز فوق الوجه الآخر منها. فإيران التي استطاعت أن تبني لنفسها عناصر تماسك وصلابة، هي نفسها التي بددت جزءاً كبيراً من رصيدها الإقليمي حين دفعت بثقلها في ساحات عربية سابقاً، وخصوصاً في سورية ولبنان والعراق.
المفارقة الإيرانية الكبرى
وهنا تكمن المفارقة الإيرانية الكبرى: دولة قادرة على الصمود، لكنها عاجزة حتى الآن عن تحويل صمودها إلى قبول عربي؛ دولة نجحت في بناء أدوات ردع، لكنها أضعفت صورتها الأخلاقية والسياسية في المجال العربي.
اقتباس:
إذا خرجت إيران سالمة من هذه الجولة، فسيبقى عليها سؤال أكبر من الصمود العسكري: كيف تعيد ترميم علاقتها بجوارها العربي، وكيف تعالج ذاكرة مثقلة بالتدخلات والدمار والانقسامات؟
حساب حزب الله: لبنان يدفع كلفة الحرب الإنسانية
لبنان بوصفه مرآة مأساوية
في بعض لحظات الشرق الأوسط، يصبح لبنان أشبه بمرآة مأساوية للمنطقة كلها: بلد صغير، هش، جميل، متعب، يُطلب منه دائماً أن يكون أكبر من قدرته على الاحتمال.
الكلفة مرتان: جغرافيا ووكالة
وكلما اشتعلت الجبهات حوله أو من خلاله، بدا كأن قدره أن يدفع الكلفة مرتين: مرة باسم الجغرافيا، ومرة باسم الوكالة.
ما وراء معادلات الردع
هذا هو المعنى الأعمق لعبارة: حساب حزب الله: لبنان يدفع كلفة الحرب الإنسانية. فالمسألة لا تقف عند حدود المكسب العسكري أو معادلات الردع أو تسجيل النقاط في ميزان الرسائل الإقليمية، بل في أن بلداً منهكاً أصلاً بانهياراته الاقتصادية ومؤسساته المتآكلة ومجتمعه المرهق يُدفع مرة أخرى إلى حافة الخراب.
“حين تتسع الجبهة، لا تتضرر المواقع العسكرية فقط. تتضرر حياة الناس في معناها اليومي المباشر: البيت، والعمل، والدواء، والتعليم، والمواسم، وحركة الأسواق، وثقة الناس بالغد.”
“ياسر أشقر”
لغتان لا تلتقيان
في هذا تحديداً، يظهر الفرق بين خطاب الحرب وخطاب المجتمع. الأول يتحدث عن التوازنات، والردع، ووحدة الساحات، والرسائل الكبرى. أما الثاني، فيتحدث عن النزوح، والغلاء، والخوف، والأطفال.
الحقيقة العارية
حين تتباعد اللغتان إلى هذا الحد، يفقد الشعار شيئاً من هيبته، وتبدأ الحقيقة في الظهور عارية: لبنان لا يعيش فقط على خط النار، بل على خط الفاتورة التي لا يملك رفاهية تسديدها.
ما بعد الحرب: الإقليم الذي سيخرج أقل يقيناً وأكثر انكشافاً
نهاية غير حاسمة
قد لا تنتهي هذه الحرب بانتصار واضح، وقد لا تنتهي أصلاً بالمعنى التقليدي، بل بانتقالها من طور إلى طور. لكنها، في كل الأحوال، ستترك الشرق الأوسط أقل يقيناً مما كان، وأكثر انكشافاً على هشاشاته الداخلية.
ما الذي ستكتشفه واشنطن؟
ستكتشف الولايات المتحدة أن التورط في هذه الجغرافيا لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد والسياسة الداخلية على احتمال التبعات.
ما الذي ستكتشفه إسرائيل؟
ستكتشف إسرائيل أن الردع ليس معادلة أحادية، وأن المجتمع الذي يعيش طويلاً تحت القلق اليومي لا يبقى كما كان.
ما الذي ستواجهه إيران؟
ستجد إيران نفسها أمام سؤالين متلازمين: كيف حمت نفسها؟ وكيف أضاعت كثيراً من محيطها؟
وماذا عن العرب؟
أما العرب، فإن أمامهم لحظة اختبار لا تقل خطورة. فإما أن تُقرأ هذه الحرب باعتبارها مناسبة جديدة للتمزق والتراشق والاصطفاف، وإما أن تُقرأ باعتبارها إنذاراً نهائياً بأن الفراغ الإقليمي لا يبقى فراغاً.
خلاصة القول
ما الذي يبقى بعد انطفاء الشاشات؟
عندما تنتهي الحرب، لن يكون المشهد كما تحبه البيانات العسكرية. لن يقف التاريخ عند عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا عند الخرائط التي عُرضت على الشاشات، ولا عند خطابات النصر التي يجيدها الجميع ساعة الغبار.
ما سيبقى هو شيء آخر: المدن التي تكسرت أعصابها، المجتمعات التي أُنهكت، الاقتصادات التي تصدعت، والذاكرات التي امتلأت من جديد بطبقات إضافية من الخوف والمرارة.
“ياسر أشقر”
الحروب لا تقتل الحاضر فقط
فالحروب، في الشرق الأوسط خصوصاً، لا تكتفي بأن تقتل الحاضر؛ إنها ترهن المستقبل أيضاً. وكلما ظن المتحاربون أنهم يديرون النار بعقل بارد، اكتشف الناس أنهم هم من يدفعون حرارة اللهب في بيوتهم وأرزاقهم وأمانهم ومعنى أوطانهم.
لهذا، فإن السؤال الأصدق ليس: من انتصر؟
بل: من بقي لديه ما يكفي من دولة ومجتمع وكرامة كي يبدأ بعد كل هذا من جديد؟
الدرس الأقسى
قد يكون هذا هو الدرس الأقسى في كل ما يجري: أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي بقرار. تبدأ بصاروخ، لكنها تستقر في الميناء والسوق والمستشفى والمنزل. وتبدأ بين جيوش، لكنها تنتهي دائماً في قلب الإنسان.

تنويه: المقال مترجم إلى الإنكليزية ومنشور على منصة: https://www.syriawise.com






